
قد تصبح السيارات ذاتية القيادة، والروبوتات أكثر قدرة على "الرؤية" في البيئات الصعبة، بعدما طور باحثون مكوناً بصرياً صغيراً يحاكي طريقة تكيف العين البشرية مع الانتقال بين الضوء والظلام.
تعتمد التقنية الجديدة على نوع مطور من المقاومات الذاكرية الحساسة للضوء، أو الفوتوميمريستورات، وهي مكونات إلكترونية صغيرة تجمع بين وظيفتين، هما: استشعار الضوء، وتخزين أثر الإشارة الكهربائية، والتي أظهرت قدرة على التعرف إلى الأنماط الضوئية، بدقة تجاوزت 95% في ظروف إضاءة مختلطة، وهي مشكلة ما زالت تربك كثيراً من أنظمة الرؤية الاصطناعية الحالية.
ولا تقدم الدراسة، المنشورة في دورية Nature Communications، كاميرا جديدة بالمعنى التقليدي، بل تقترح طريقة مختلفة لبناء جزء أساسي داخل أنظمة الرؤية البصرية؛ فبدلاً من الاعتماد فقط على الكاميرات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي لتحليل المشهد، صمم الفريق مكوناً قادراً على تعديل حساسيته ذاتياً تبعاً لمستوى الضوء حوله، كما تفعل العين البشرية عندما تنتقل من شارع مظلم، إلى مصابيح سيارة ساطعة، أو من نفق معتم إلى ضوء النهار.
رؤية آلية تحاكي البصر
رغم التقدم الكبير في أنظمة الكاميرات والذكاء الاصطناعي، لا تزال الرؤية الآلية في السيارة ذاتية القيادة تواجه تحدياً جوهرياً في البيئات التي تجمع بين مناطق شديدة السطوع وأخرى شديدة الظلام. في هذه الحالات، يصبح من الصعب على النظام الاصطناعي تمييز التفاصيل الدقيقة، مثل ضوء أحمر ضعيف، وسط خلفية مضيئة، أو جسم داكن في منطقة ظل.
بحسب المؤلف الرئيسي للدراسة، لاري تشينج، أستاذ علوم الهندسة والميكانيكا في جامعة ولاية بنسلفانيا، فإن المقاومات الذاكرية الضوئية التقليدية يتم ضبطها عادة لتعمل في ظروف إضاءة مستقرة نسبياً. وهذا يجعلها فعالة في بيئة ساطعة، أو مظلمة على نحو منفصل، لكنها قد تفقد جزءاً من دقتها عندما تتغير الإضاءة بسرعة، أو تتداخل مستويات مختلفة من الضوء في المشهد نفسه.
من هنا، جاءت فكرة تقليد العين البشرية؛ فالإنسان لا يرى الضوء والظلام بالطريقة نفسها طوال الوقت؛ فالعين تمتلك خلايا عصوية ومخروطية تساعدها على التكيف؛ إذ تساعد الخلايا العصوية على الرؤية في الإضاءة الضعيفة بفضل أصباغ حساسة للضوء، لكن هذه الأصباغ تتأثر في الإضاءة الساطعة، وتحتاج إلى وقت حتى تتجدد، بينما تساعد الخلايا المخروطية على تمييز التفاصيل والتباين في الضوء الأقوى.
وأراد الباحثون نقل هذا المبدأ البيولوجي إلى جهاز إلكتروني صغير يستطيع تعديل حساسيته تبعاً للبيئة.
مقاومات ذاكرية.. ترى وتحفظ
وطور الفريق المقاومة الذاكرية الكهربائية الدقيقة، والقادرة على تخزين معلومات، أو حالات كهربائية حتى بعد إزالة مصدر الطاقة. وتثير هذه الأجهزة اهتمام العلماء لأنها تشبه، في بعض وظائفها، الطريقة التي تعالج بها الخلايا العصبية المعلومات وتحتفظ بها.
كما دمج في الجهاز "المقاومات الذاكرية الضوئية" القادرة على التقاط الضوء، وتحويله إلى تيار كهربائي، ما يجعلها مرشحة للاستخدام في الكاميرات المتقدمة، وأنظمة الرؤية الآلية، ولم يكتفوا بجعل الجهاز حساساً للضوء، بل جعلوه قادراً على تغيير استجابته تلقائياً وفق مستوى الإضاءة.
لتحقيق ذلك، بنى الفريق الجهاز أساساً من مادتين: مادة بلاستيكية هلامية مرنة، وموصلة تعرف باسم PEDOT:PSS، وثاني أكسيد التيتانيوم، وهو مركب أبيض مشتق من معدن التيتانيوم، وقادر على التقاط الضوء وتحويله إلى تيار ضوئي.
عندما يتعرض ثاني أكسيد التيتانيوم للضوء، يولد تياراً كهربائياً يمر عبر سطح المادة الموصلة، ويؤثر في كمية الماء التي تمتصها المادة البلاستيكية، أو تفقدها من البيئة المحيطة.
في البيئات المظلمة تمتص المادة الماء بسرعة، بينما في ظروف الضوء تتخلص من الماء وتجف.
ونتيجة لذلك، تتغير حساسية الجهاز للضوء بطريقة ذاتية، كما لو أنه يضبط نفسه حسب المشهد دون انتظار معالجة لاحقة من برنامج خارجي.
ويرى تشينج أن هذا الاختلاف في التصميم يسمح للجهاز بالتكيف ديناميكياً مع تغيرات الإضاءة، خلافاً للعمل وفق سيناريو واحد ثابت كما يحدث في كثير من الأنظمة التقليدية.
رغم تعقيد الفكرة، فإن حجم المكون صغير للغاية؛ إذ يبلغ عرض كل مقاوم ضوئي ذاكر نحو نصف مليمتر فقط، أي أقل قليلاً من سُمك بطاقة ائتمان ما يفتح الباب، بحسب الباحثين، أمام ربط عدد كبير من هذه الوحدات في مصفوفات يمكنها التعرف إلى أنماط ضوئية أكبر، من دون زيادة حجم كل وحدة منفردة.
اختبر الفريق الأجهزة أولاً بتعريضها لمستويات مختلفة من الأشعة فوق البنفسجية.
وأظهرت التجارب أن التصميم الجديد استطاع رصد شدة الضوء فوق البنفسجي بكفاءة ودقة، مع قراءات مستقرة حتى عند تغير الرطوبة الخارجية.
بعد ذلك، صمم الباحثون تجربة أقرب إلى اختبار بصري مبسط، ورتبوا مصفوفة من المقاومات الذاكرية الضوئية بحجم أربعة في أربعة، ودمجوها مع شبكة عصبية اصطناعية، وهي نوع من الذكاء الاصطناعي يحاكي معالجة الخلايا العصبية للبيانات واكتشاف الأنماط. ثم وضعوا أمام النظام مجموعة مصابيح ليد على شكل حرف "F" أمام خلفية ضوئية أكبر يمكن التحكم في مستوى سطوعها أو خفوتها.
اختيار حرف "F" لم يكن عشوائياً تماماً؛ فهو يشبه حرف “E” المستخدم في اختبارات النظر التقليدية، لكنه أسهل قليلاً في تمييز الاتجاه. ومع تغيير الإضاءة في الخلفية، كان على النظام التعرف إلى الحرف وسط بيئة ضوئية مختلطة.
وبعد سبع جولات تدريب فقط، استطاع، مع الشبكة العصبية، التعرف إلى أنماط الحروف بدقة تجاوزت 95% في بيئة تجمع بين مستويات مختلفة من الضوء. ويشير هذا إلى أن تحسين "العين" الإلكترونية نفسها، وليس فقط تحسين الخوارزمية، يمكن أن يرفع كفاءة أنظمة الرؤية الاصطناعية في ظروف واقعية أكثر تعقيداً.
أسرع من تكيف العين البشرية
العين البشرية شديدة المرونة، لكنها ليست فورية بالكامل؛ فالانتقال الكامل من بيئة شديدة السطوع إلى الظلام قد يستغرق من 20 إلى 30 دقيقة حتى تكتمل عملية التكيف.
في المقابل، يقول تشينج إن هذه المقاومات الضوئية الذاكرية تستطيع التكيف مع ظروف الإضاءة بسرعة أكبر، مع احتفاظها بقدرة على التقاط تفاصيل من البيئة الخارجية.
ويرى الباحثون أن التطبيقات المحتملة واسعة؛ ففي السيارات ذاتية القيادة، قد تساعد هذه التقنية على تحسين قدرة الأنظمة البصرية على التعامل مع الليل، والأنفاق، والمصابيح الساطعة، والانتقال المفاجئ بين الضوء والظل.
وفي المصانع، قد تمنح الروبوتات قدرة أفضل على العمل في بيئات تتغير فيها الإضاءة بسرعة، أو توجد فيها مناطق مظلمة وأخرى شديدة السطوع في الوقت نفسه.
كما يخطط الفريق لتطوير هذه المقاومات الذاكرية الضوئية ضمن نظام استشعار أكبر ومتعدد الوسائط، قادر على تفسير البيانات البصرية واللمسية في الوقت نفسه.
وإذا نجح هذا الاتجاه، فقد يقلل استهلاك الطاقة في الأجهزة التي تحتاج عادة إلى عدة حساسات منفصلة لمعالجة أنواع مختلفة من المعلومات.
وفي أفق أبعد، يشير تشينج إلى احتمال استخدام التقنية في أنظمة بصرية اصطناعية قد تساعد الأشخاص ضعاف البصر؛ غير أن هذا التطبيق يظل بعيداً، ويتطلب مراحل طويلة من التطوير والاختبار، خصوصاً أن التعامل مع الرؤية البشرية، أو الأجهزة المساعدة طبياً يحتاج إلى معايير أمان وفاعلية أعلى بكثير من التجارب المخبرية.









