هل سماعات البلوتوث أخطر على صحة السمع من السلكية؟ | الشرق للأخبار

هل سماعات البلوتوث أخطر على صحة السمع من السلكية؟ أدلة علمية تجيب

لا أدلة تثبت أن سماعات البلوتوث تسبب السرطان لكن يبقى ارتفاع الصوت وطول الاستماع خطراً مؤكداً

time reading iconدقائق القراءة - 11
سماعات أذن لاسلكية معروضة في سان فرانسيسكو، الولايات المتحدة، صورة غير مؤرخة - REUTERS
سماعات أذن لاسلكية معروضة في سان فرانسيسكو، الولايات المتحدة، صورة غير مؤرخة - REUTERS
القاهرة -

مع انتشار سماعات البلوتوث، ظهرت تحذيرات تزعم أن وضع جهاز يبث موجات لاسلكية داخل الأذن قد يرفع خطر الإصابة بسرطان الدماغ، أو يسبب اضطرابات عصبية، أو مشكلات في الغدة الدرقية.

لكن الأدلة العلمية المتاحة ترسم صورة أكثر هدوءاً، فالسماعات السلكية تقلل التعرض للموجات الراديوية بدرجة أكبر، لأنها لا تحتوي على جهاز إرسال بلوتوث، إلا أنه لا توجد حتى الآن أدلة موثوقة تثبت أن التعرض الضعيف الصادر من سماعات البلوتوث يسبب السرطان، أو أضراراً عصبية مزمنة.

وفي المقابل، يوجد خطر واضح ومثبت يشترك فيه النوعان، هو فقدان السمع الناتج عن ارتفاع الصوت، وطول مدة الاستماع.

إشعاع سماعات البلوتوث

تتصل سماعات البلوتوث بالهاتف باستخدام موجات راديوية، غالباً ضمن نطاق تردد يقارب 2.4 جيجاهرتز، وتنتمي هذه الموجات إلى ما يسمى الإشعاع الكهرومغناطيسي غير المؤين.

وهذا النوع يختلف جذرياً عن الأشعة السينية وأشعة جاما، وهي أشعة مؤينة تمتلك طاقة تكفي لإزالة الإلكترونات من الذرات، وإحداث تلف مباشر في المادة الوراثية.

أما موجات البلوتوث، فلا تمتلك هذه القدرة. والتأثير البيولوجي المؤكد لموجات التردد الراديوي عند المستويات المرتفعة بما يكفي هو تسخين الأنسجة.

ولهذا تضع الهيئات التنظيمية حدوداً لما يسمى معدل الامتصاص النوعي، وهو مقياس لكمية الطاقة التي تمتصها أنسجة الجسم من الموجات الراديوية.

ولا يعني وجود كلمة "إشعاع" أن المصدر يسبب السرطان بالضرورة، فالضوء المرئي، وموجات الراديو، والأشعة تحت الحمراء كلها صور من الإشعاع الكهرومغناطيسي، لكنها تختلف بدرجة كبيرة في الطاقة، وطريقة تفاعلها مع الجسم.

لماذا يكون انبعاث البلوتوث منخفضاً؟

صمم البلوتوث لنقل البيانات عبر مسافات قصيرة، ولذلك يعمل عادة بقدرة أقل كثيراً من الهاتف المحمول الذي يحتاج إلى الاتصال بمحطة اتصالات قد تبعد مئات الأمتار، أو عدة كيلومترات.

ويذكر المعهد الوطني الأميركي للسرطان أن أجهزة البلوتوث، ومنها سماعات الرأس، وسماعات الأذن، تبث موجات راديوية بقدرة تقل عادة بنحو 10 إلى 400 مرة عن القدرة المستخدمة في الهواتف المحمولة.

كما أن استخدام سماعة سلكية، أو لاسلكية أثناء المكالمات يبعد الهاتف نفسه عن الرأس، وهو ما يخفض التعرض المباشر للرأس مقارنة بوضع الهاتف على الأذن.

وفي تقرير تقني نشره المكتب الفيدرالي السويسري للصحة العامة في مارس 2026، راجع الباحثون بيانات اختبار 35 سماعة بلوتوث توضع على الرأس، أو داخل الأذن.

وكانت قدرة الإرسال القصوى في كثير من الأجهزة لا تتجاوز 10 ملي واط، كما بلغ متوسط أعلى قيمة مسجلة لمعدل الامتصاص أقل من ربع الحد الأميركي، ولم تتجاوز أي سماعة في العينة الحدود التنظيمية.

وخلص التقرير إلى أن الإشعاع عالي التردد الصادر من أجهزة البلوتوث أضعف من أن يرفع حرارة الأنسجة إلى مستوى يسبب تأثيرات صحية حادة قابلة للرصد.

انبعاث متفاوت

وليست جميع السماعات متطابقة، فقد يختلف مقدار الانبعاث باختلاف تصميم الجهاز، وفئة البلوتوث، وطريقة الاستخدام، وجودة الاتصال.

وقد ترتفع قدرة الإرسال مؤقتاً أثناء المكالمات، أو عند ضعف الاتصال، أو ابتعاد الهاتف عن السماعة، لكن الأجهزة المعتمدة تظل مطالبة بالالتزام بحدود التعرض التي تحددها الجهات التنظيمية.

وهذا يعني أن انخفاض الانبعاث لا يلغي وجوده، لكنه يضعه عادة عند مستوى أقل بكثير من التعرض الناتج عن وضع الهاتف المحمول مباشرة على الرأس. والسماعات السلكية التقليدية لا تحتوي على جهاز إرسال راديوي للاتصال بالهاتف، بل ينتقل الصوت إليها في صورة إشارة كهربائية عبر السلك.

ولذلك يكون التعرض لموجات التردد الراديوي الصادرة من السماعة نفسها أقل من التعرض الناتج عن سماعة البلوتوث.

ولا يعني استخدام سماعة سلكية اختفاء جميع الموجات المحيطة بالمستخدم، لأن الهاتف قد يظل متصلاً بشبكة المحمول، أو بالشبكة اللاسلكية، وقد يستمر في إرسال موجات راديوية سواء كانت السماعة سلكية، أو لاسلكية.

ويتحدد التعرض الكلي بمكان الهاتف، وقوة الشبكة، ونوع الاتصال، والمسافة بين الهاتف والجسم، وليس بنوع السماعة وحده، وخلال المكالمات، يحقق النوعان فائدة مهمة تتمثل في إبعاد الهاتف عن الرأس. لكن وضع الهاتف في جيب ملاصق للجسم قد ينقل الجزء الأكبر من التعرض إلى منطقة أخرى.

ومن يريد تقليل التعرض الراديوي إلى أدنى مستوى ممكن يمكنه استخدام سماعة سلكية، وتشغيل محتوى محمَّل مسبقاً، ووضع الهاتف على وضع الطيران، وإبعاده عن الجسم. إلا أن الأدلة الحالية لا تشير إلى ضرورة هذه الإجراءات لدى عامة الناس لأسباب طبية.

سماعات البلوتوث وسرطان الدماغ

لا توجد حتى الآن أدلة وبائية قوية تثبت أن سماعات البلوتوث تسبب سرطان الدماغ، أو أي سرطان آخر، لكن توجد مشكلة علمية مهمة؛ فمعظم الدراسات طويلة الأجل تناولت الهواتف المحمولة، وهي مصادر ذات قدرة أعلى نسبياً، بينما لا تزال الدراسات التي تتابع مستخدمي سماعات البلوتوث وحدها على مدى عقود محدودة.

وفي عام 2024، نشرت دورية Environment International مراجعة منهجية بتكليف جزئي من منظمة الصحة العالمية، شملت 63 دراسة وبائية منشورة بين عامي 1994 و2022، وضمت مشاركين من 22 دولة.

ووجدت المراجعة، بدرجة ثقة متوسطة، أن التعرض القريب من الرأس لموجات الهواتف المحمولة لا يزيد على الأرجح خطر الأورام الدبقية، أو الأورام السحائية، أو أورام العصب السمعي، أو الغدة النخامية، أو الغدد اللعابية. كما لم تجد زيادة واضحة في الخطر مع عدد المكالمات، أو مدة الاستخدام التراكمية، أو الاستخدام لأكثر من 10 سنوات.

ولا تختبر هذه النتائج سماعات البلوتوث مباشرة، لكنها توفر قدراً من الطمأنينة، لأن قدرة البلوتوث عادة أقل بكثير من قدرة الهاتف المحمول. ومع ذلك، يظل من المهم مواصلة دراسة الاستخدام الذي يبدأ في الطفولة ويستمر عشرات السنين.

تصنيف 2B.. "ربما مسرطنة"

صنفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان في عام 2011 مجالات التردد الراديوي ضمن المجموعة 2B، أي "ربما تكون مسرطنة للبشر".

واستند التصنيف أساساً إلى أدلة بشرية محدودة أشارت إلى احتمال ارتباط الاستخدام الكثيف للهواتف المحمولة ببعض أورام الدماغ، وليس إلى دليل مباشر يتعلق بسماعات البلوتوث. ولا تعني المجموعة 2B أن العامل ثبت أنه يسبب السرطان في الاستخدام اليومي، بل تعني أن وجود علاقة لم يكن ممكناً استبعاده تماماً وقت التقييم.

كما أن تصنيفات الوكالة تحدد إمكان إحداث الخطر في ظروف معينة، ولا تحدد بالضرورة حجم الخطر عند مستوى التعرض الفعلي.

ولا يزال هذا التصنيف قائماً، بينما تواصل منظمة الصحة العالمية إعداد تقييم أشمل للمخاطر الصحية، وأدرجت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان إعادة تقييم مجالات التردد الراديوي ضمن أولوياتها للفترة من 2025 إلى 2029.

وفي عام 2024، نشرت دراسة استكشافية اعتمدت على استبيانات لنحو 600 شخص، وأشارت إلى وجود ارتباط إحصائي محتمل بين الاستخدام المتكرر، أو المطول لسماعات البلوتوث ووجود عقد في الغدة الدرقية.

لكن الدراسة لم تقس مقدار التعرض الفعلي للموجات، واعتمدت على تذكر المشاركين لمدة الاستخدام، كما لم تكن تجربة عشوائية، أو دراسة متابعة تثبت أن استخدام السماعات سبق ظهور العقد.

وأقر الباحثون أنفسهم بأن تصميم الدراسة لا يسمح بإثبات علاقة سببية، كما أن عقد الغدة الدرقية شائعة، ولها عوامل متعددة، منها العمر، والجنس، ونقص اليود، والتاريخ العائلي، والتعرض الطبي للإشعاع المؤين.

لذلك لا تكفي ملاحظة ارتباط في دراسة استبيانية واحدة للقول إن البلوتوث يسبب عقد الغدة الدرقية، وإن كانت النتيجة قد تبرر إجراء دراسات مستقبلية بقياسات أدق.

البلوتوث والعصب السمعي

اختبرت دراسة بشرية منشورة عام 2014 التأثيرات القصيرة الأجل لمجالات البلوتوث، والهاتف المحمول في نشاط العصب السمعي.

ولم تجد الدراسة تغيرات قصيرة الأجل ذات دلالة في البنى العصبية السمعية أثناء التعرض للبلوتوث، بينما ظهرت بعض التغيرات في القياسات العصبية عند التعرض المباشر للهاتف المحمول.

لكن الدراسة كانت قصيرة الأجل ومحدودة الحجم، ولذلك يمكنها تقييم التأثيرات الفورية فقط، وليس النتائج المحتملة بعد سنوات من الاستخدام.

ويشير التقرير السويسري لعام 2026 إلى أن الدراسات البشرية والحيوانية المتاحة لم تثبت تأثيراً واضحاً لإشعاع البلوتوث في وظيفة السمع الأساسية أو نشاط العصب السمعي.

الصوت المرتفع.. خطر مثبت

بينما لا يزال النقاش مستمراً بشأن الآثار طويلة الأجل للموجات الراديوية، فإن الضرر الناتج عن التعرض المستمر للصوت المرتفع قد يؤدي إلى إجهاد الخلايا الحسية الدقيقة داخل القوقعة، ثم ظهور طنين الأذن، أو ضعف السمع، وقد ينتهي بفقدان سمع دائم لا يمكن عكسه.

ولا يوجد هنا فرق جوهري بين سماعة بلوتوث وسماعة سلكية؛ فإذا أنتج النوعان مستوى الصوت نفسه، واستُخدما للمدة نفسها، فإن الخطر على الأذن يكون متقارباً. والعامل الحاسم هو "جرعة الصوت" أي شدة الصوت مضروبة في مدة التعرض، وليس طريقة انتقال الصوت إلى السماعة.

وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الاستماع عند مستوى 80 ديسيبل يمكن أن يكون آمناً لمدة تصل إلى 40 ساعة أسبوعياً، لكن عند 90 ديسيبل ينخفض الوقت الآمن إلى نحو 4 ساعات أسبوعياً فقط.

وتوصي معايير المنظمة والاتحاد الدولي للاتصالات بحد أكثر تحفظاً للفئات الحساسة، من الأطفال والمراهقين، يبلغ نحو 75 ديسيبل لمدة 40 ساعة أسبوعياً، مقابل 80 ديسيبل للبالغين.

وقد تصل بعض السماعات وأجهزة الصوت الشخصية إلى مستويات تتجاوز 100 ديسيبل، وعند هذه المستويات يمكن استهلاك جرعة الصوت الآمنة خلال دقائق بدلاً من ساعات.

نصائح لحماية السمع

يمكن لتقنية إلغاء الضوضاء النشط أن تقلل حاجة المستخدم إلى رفع مستوى الموسيقى في الطائرات، أو المواصلات أو الأماكن المزدحمة.

ولهذا توصي منظمة الصحة العالمية باستخدام سماعات مناسبة لمقاس الأذن، وتوفر عزلاً جيداً للضوضاء، لأن المستخدم يستطيع سماع المحتوى بوضوح عند مستوى أقل.

وبذلك قد تكون سماعة بلوتوث جيدة مزودة بإلغاء الضوضاء أكثر أماناً للسمع عملياً من سماعة سلكية رديئة، يستخدمها الشخص بأقصى صوت في مكان صاخب.

لكن إلغاء الضوضاء لا يجعل الصوت المرتفع آمناً. فإذا رفع المستخدم مستوى الصوت إلى درجات ضارة، يظل خطر فقدان السمع قائماً.

تصنيفات

قصص قد تهمك