
تمكن علماء من تطوير فيروسات جديدة غير موجودة في الطبيعة، للمرة الأولى باستخدام الذكاء الاصطناعي، رغم مخاوف من احتمال استخدام هذه التكنولوجيا مستقبلاً لتطوير مسببات أمراض خطيرة.
وبحسب دراسة نُشرت في دورية Science، الخميس، نجح باحثون من معهد Arc Institute في مدينة بالو ألتو بولاية كاليفورنيا في تدريب نموذج للذكاء الاصطناعي على فهم الأنماط الطبيعية في الحمض النووي (DNA)، ثم استخدام هذه المعرفة لتصميم تسلسلات جينية لفيروسات جديدة بالكامل لم يسبق لها وجود في الطبيعة.
ورغم أن تصنيع الفيروسات في المختبر ليس أمراً جديداً، إذ تعلم العلماء منذ سنوات تصنيع الجينومات الفيروسية لاستخدامها في دراسة الأدوية المضادة للفيروسات واللقاحات، وكذلك لفهم آلية عمل الفيروسات، إلا أن الدراسة الجديدة تتجاوز مجرد نسخ الجينات الفيروسية، إذ تعتمد على تصميم جينومات جديدة بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".
واتبع الباحثون التعليمات التي أنتجها النموذج، وصنعوا جزيئات DNA وفقاً لها، ثم أدخلوها إلى بكتيريا معدلة وراثياً، التي أنتجت بدورها فيروسات لم تُرصد من قبل في الطبيعة.
وأثبتت الفيروسات الجديدة قدرتها على إصابة بكتيريا أخرى، ما أكد أنها قادرة على البقاء والتكاثر.
ووصف باتريك كاي، عالم الأحياء الاصطناعية في جامعة مانشستر، هذا الإنجاز بأنه "محطة مهمة".
وأشار الباحثون إلى أن الفيروسات التي صممها الذكاء الاصطناعي لا تشكل خطراً على البشر، لأنها جميعاً تشبه فيروساً طبيعياً يعرف باسم Phi X-174، وهو فيروس لا يصيب سوى البكتيريا.
لكن الدراسة تضيف، بحسب الباحثين، إلى المخاوف المتزايدة من أن يسهم الذكاء الاصطناعي مستقبلاً في تطوير جيل جديد من الأسلحة البيولوجية، بدءاً من السموم القاتلة وصولاً إلى أوبئة يصعب احتواؤها.
كيف يعمل نموذج Evo؟
واعتمد الباحثون في الدراسة على نموذج ذكاء اصطناعي يحمل اسم Evo، ويشبه من بعض الجوانب نموذج ChatGPT الذي طورته شركة OpenAI.
ويعتمد ChatGPT على التنبؤ بالكلمات الأكثر احتمالاً لتأتي بعد بعضها البعض، مستفيداً من تدريبه على كميات هائلة من النصوص المأخوذة من الإنترنت والكتب ومصادر أخرى.
وأشار الباحثون إلى أن الحمض النووي يشبه، من بعض النواحي، كتاباً مكتوباً بحروف، إذ يتكون من سلسلة من الوحدات الجزيئية المعروفة بالنيوكليوتيدات، والتي تُرتب مثل الحروف في سطر من النص.
ويتألف الجين الواحد من مئات النيوكليوتيدات الممثلة بأربعة أحرف فقط هي: A وC وG وT، وتحمل هذه الترتيبات التعليمات اللازمة لبناء البروتينات والجزيئات الأخرى.
وللحمض النووي قواعد تشبه قواعد اللغة، وإذا خالفتها الترتيبات الجينية تصبح النتيجة غير قابلة للعمل بيولوجياً. ورغم اكتشاف العلماء بعض هذه القواعد، فإن كثيراً منها لا يزال غير معروف.
وتساءل الباحثون عما إذا كان نموذج Evo قادراً على اكتشاف هذه القواعد بنفسه.
ولهذا الغرض، لم يتم تدريبه على النصوص، وإنما على تسلسلات جينية مأخوذة من ملايين الحيوانات والنباتات والميكروبات والفيروسات، شملت نحو 9 تريليونات نيوكليوتيد.
وبمرور الوقت، تمكن النموذج من التعرف إلى أنماط مشتركة عبر مختلف أشكال الحياة، واستخدمها لتوليد تصاميم لجينات جديدة قادرة على إنتاج بروتينات تؤدي وظائف محددة.
ودفع هذا النجاح الباحثين إلى التساؤل عما إذا كان Evo يستطيع تصميم جينوم كامل، وليس مجرد جين منفرد.
اختيار فيروس بسيط
ولأن النماذج الحالية لا تستطيع التعامل إلا مع الجينومات الصغيرة نسبياً، قرر الفريق البدء بالفيروسات.
وأوضح صمويل كينج، طالب الدراسات العليا في جامعة ستانفورد وأحد مؤلفي الدراسة، أن ذلك "بدا الخطوة المنطقية التالية".
وأعاد الباحثون تدريب Evo على الجينات الأحد عشر الخاصة بفيروس Phi X-174، إضافة إلى نحو 15 ألف فيروس من أقرب أقاربه. واختاروا هذا الفيروس لأنه من أكثر الفيروسات دراسة خلال ما يقرب من قرن، ولأنه يصيب بكتيريا E. coli فقط، ما يجعله آمناً للاستخدام.
وبعد اكتمال التدريب، طلب الباحثون من النموذج إنتاج نسخ جديدة من جينوم الفيروس. فولد النموذج نحو 700 ألف تصميم محتمل، لكن الباحثين اختاروا فقط النماذج التي بدت الأكثر احتمالاً للنجاح.
وفي النهاية، صنع الفريق جزيئات DNA تمثل 285 جينوماً من المقترحات التي قدمها Evo.
وأدخل الباحثون هذه الجينومات إلى البكتيريا ونشروها في أطباق مخبرية. وفي كثير من الأطباق لم يحدث شيء، ما يعني أن عدداً كبيراً من الجينومات فشل في إنتاج فيروسات.
لكن في أحد الأطباق ظهرت بقع شفافة داخل طبقة البكتيريا، وهي علامة معروفة على تكاثر الفيروسات.
وأظهرت النتائج أن جزيئات DNA أدت إلى تكوين أغلفة بروتينية احتوت على الجينومات الفيروسية، قبل أن تنفجر الفيروسات الجديدة خارج الخلايا، تاركة وراءها بقايا الخلايا البكتيرية المدمرة.
ومع اختبار المزيد من الجينومات، ظهرت بقع مماثلة في أطباق أخرى.
وفي المجمل، نجح 16 جينوماً من تصميمات Evo في إنتاج فيروسات جديدة قادرة على الحياة.
وأثبتت هذه الفيروسات أنها لا تقل قدرة على البقاء عن الفيروسات الطبيعية، بل إن بعضها تكاثر بسرعة أكبر من فيروس Phi X-174.
مخاوف من إساءة الاستخدام
ورغم هذه الآفاق الطبية، أثارت نتائج الدراسة مخاوف من إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير مسببات أمراض شديدة الخطورة.
وأوضح الباحثون أن هذه المخاطر كانت حاضرة في أذهانهم منذ بداية المشروع.
ولهذا السبب، لم يزودوا نموذج Evo بأي بيانات تتعلق بالفيروسات التي تصيب البشر، كما استبعدوا الفيروسات المشابهة التي تصيب الحيوانات والنباتات والفطريات.
وقال براين هاي، عالم الأحياء الحاسوبية في جامعة ستانفورد وأحد مؤلفي الدراسة: "أردنا فقط أن نكون أكثر حذراً".
وأشاد هانكه بهذا القرار، معتبراً أن الفريق اتخذ احتياطاته رغم غياب توجيهات رسمية تحدد ما ينبغي القيام به في مثل هذه الأبحاث.
وأشار هانكه إلى أن المعاهد الوطنية الأميركية للصحة أصدرت الأسبوع الماضي سياسة جديدة تهدف إلى وقف أبحاث علوم الحياة عالية الخطورة، وتحظر التجارب التي تجعل العوامل البيولوجية أكثر ضرراً.
لكن الوكالة أوضحت في بيان، أن الأبحاث المعتمدة على الحاسوب، مثل توليد جينومات الفيروسات باستخدام الذكاء الاصطناعي، لا تشملها هذه القيود، ما لم تتعلق بكيانات مصنفة على أنها مثيرة للقلق.
وأضاف هانكه أن من السهل تحديد أن فيروساً طبيعياً مثل الجدري يمثل مصدر قلق، لكن لا يوجد حتى الآن توافق علمي بشأن كيفية تقييم خطورة فيروس جديد ينتجه الذكاء الاصطناعي.
وختم قائلاً: "كيف يمكنني تقييم مخاطر شيء لم أره من قبل؟".










