
قبل أن يصبح جورج ناجل، أحد الحائزين على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو "الطب" لعام 2026، واحداً من العلماء الذين غيّروا طريقة دراسة الدماغ، كانت طفولته بعيدة تماماً عن الصورة التقليدية لعالم يقضي سنواته الأولى في المختبر.
وُلد ناجل في 24 أغسطس 1953 بمدينة فاينجارتن جنوب ألمانيا، وكان الأكبر بين 5 أطفال في أسرته. لكن سنوات طفولته الأولى تأثرت بمرض شديد أصابه في سن الخامسة، وأبعده لفترات طويلة عن الأنشطة التي كان يمارسها أقرانه.
في الشتاء، بينما كان أشقاؤه يتوجهون إلى النمسا القريبة للتزلج، كان ناجل يبقى في المنزل بسبب المرض. لكن العزلة دفعت فضوله في اتجاه آخر؛ إذ كان والداه يهديانه في أعياد الميلاد مجموعات علمية وتعليمية، استخدمها في بناء أشياء مثل محرك بخاري صغير وجهاز راديو.
وهكذا تحولت فترات المرض بالنسبة إلى الطفل إلى وقت للتجريب والتفكيك وإعادة التركيب، وهي هواية ستترك أثراً عميقاً في مسيرته العلمية لاحقاً.
ولم تكن معاناته الصحية قصيرة، فقد أمضى أجزاء من عطلته الصيفية في مستشفى جامعة فورتسبورج، حيث خضع لعمليات جراحية متكررة بسبب التهاب في العظام. والمفارقة أن المدينة التي عرفها في طفولته من خلال المستشفى ستصبح بعد عقود مقراً لعمله أستاذاً وباحثاً، وسيقول لاحقاً إنه تعلم أن يحب "مدينة شبابه في المستشفى".
في المدرسة، انجذب ناجل بصورة خاصة إلى الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا. وبدا له أن دراسة الحياة من منظور فيزيائي قد تكون المسار الطبيعي، فالتحق بجامعة كونستانس لدراسة البيولوجيا والفيزياء الحيوية. وأعجبه فيها تركيزها القوي على الكيمياء الحيوية والتنظيم الواضح للبرنامج الدراسي.
قنوات الأغشية
هناك التقى العالم الذي سيصبح أحد أكثر الأشخاص تأثيراً في مسيرته العلمية، عالم الفيزياء الحيوية إرنست بامبرج، الذي كان أول أستاذ له في الفيزياء الحيوية.
منح بامبرج ناجل فرصة للعمل في مختبره والمشاركة في تجارب حقيقية، بل والحصول على أجر مقابل ذلك. وهناك شاهد للمرة الأولى قياس عملية فتح وإغلاق قناة أيونية واحدة داخل غشاء اصطناعي.
كان ذلك العالم المجهري، حيث تتحرك الأيونات عبر قنوات دقيقة داخل الأغشية، شديد الجاذبية لناجل. وأعد رسالة الدبلوم حول بروتين "جراميسيدين" والقنوات التي يشكلها داخل الأغشية.
لكن بعد التخرج، لم يشعر بأنه مستعد للانتقال مباشرة إلى دراسة الدكتوراه، فقرر الابتعاد لبعض الوقت عن المسار الأكاديمي التقليدي.
عمل مدرساً في مدرسة ثانوية خاصة في سويسرا، وشارك مع آخرين في تأسيس مكان أطلقوا عليه "مقهى الفوضى" في وسط مدينة كونستانس. كانت تلك مرحلة مختلفة تماماً من حياته، بعيداً عن المؤسسات البحثية الكبرى، وجمعت بين التدريس والحياة الاجتماعية. لكن الظروف الصحية والعلم أعاداه مرة أخرى إلى المختبر.
خضع ناجل لاحقاً لجراحة أخرى في فورتسبورج، وتمكن الأطباء أخيراً من السيطرة على الالتهاب الذي أصاب عظامه منذ طفولته. وواصل التدريس لفترة، وبدأ في وقت فراغه ممارسة الطيران الشراعي المعلق.
ثم جاء اتصال من بامبرج غيّر مسار حياته مرة أخرى؛ إذ دعاه إلى الانتقال معه إلى فرانكفورت والعمل في معهد ماكس بلانك للفيزياء الحيوية.
قبل ناجل العرض، وهناك دخل بصورة شبه نهائية إلى عالم الفيزياء الحيوية التجريبية. تعلم تقنيات تسمح بقياس التيارات الكهربائية عبر أغشية الخلايا وقنواتها الأيونية بدقة، واستخدم تقنيات ضوئية لدراسة مضخة الصوديوم والبوتاسيوم.
وفي المختبر نفسه، التقى للمرة الأولى بيتر هيجمان، الذي كان يجري بعض تجارب الدكتوراه هناك.
حصل ناجل على الدكتوراه من جامعة فرانكفورت عام 1988، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة باحثاً في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل. ووصف تلك الفترة لاحقاً بأنها المرحلة التي تمكن فيها من "النضج علمياً"، إذ احتك بعلماء بارزين وتعلم تقنيات جديدة لدراسة حركة الأيونات والبروتينات داخل أغشية الخلايا.
وفي عام 1990، انتقل إلى جامعة روكفلر في نيويورك للعمل في مختبر ديفيد جادسبي، حيث واصل دراسة المضخات والقنوات الأيونية. وكانت مسيرته تتجه بوضوح نحو السؤال الذي سيلازمه لسنوات: كيف تتحكم البروتينات في النشاط الكهربائي للخلية؟
لكن نيويورك لم تمنحه العلم وحده. هناك التقى آنا، وهي عالمة أحياء جزيئية إيطالية كانت أستاذة زائرة في جامعة كولومبيا، ووصفها لاحقاً بأنها "حب حياته".
وساعدته معرفتها بالبيولوجيا الجزيئية، بحسب روايته، على توسيع نظرته التي كانت تتركز بشدة على الفيزياء الحيوية. تزوجا عام 1996، ورُزقا بابنتهما نينا.
بعد عودته إلى ألمانيا، حصل ناجل على موقع لقيادة مجموعة بحثية في معهد ماكس بلانك للفيزياء الحيوية في فرانكفورت. وهناك بدأ مع بامبرج تجربة إدخال بروتين حساس للضوء، هو "بكتيريورودوبسين"، إلى بويضات الضفادع، لمعرفة ما إذا كان بإمكانه العمل داخل خلية حيوانية.
وفي عام 1995، نجحت التجربة. فقد أظهر ناجل وبامبرج أن البروتين الميكروبي يمكن أن يعمل داخل خلية حيوانية ويجعل نشاطها الكهربائي حساساً للضوء.
وقال ناجل لاحقاً إن تلك التجربة كان يمكن أن تكون بداية لعلم البصريات الوراثي قبل سنوات من ظهور هذا الاسم، لكن المجال العلمي لم يكن قد أصبح مستعداً بعد لاستغلال الإمكانات الكاملة للفكرة.
بعد عدة سنوات، عاد اسم بيتر هيجمان إلى مسار ناجل العلمي بصورة حاسمة. كان هيجمان يدرس طحلباً أخضر وحيد الخلية، وعثر على تسلسلات جينية يُشتبه في أنها تحمل بروتينات تستجيب للضوء.
وكان يحتاج إلى خبير يستطيع إدخال هذه البروتينات إلى خلايا أخرى وقياس تأثيرها الكهربائي، وهنا جاء دور ناجل.
من الطحالب إلى الخلايا العصبية
في البداية، كان التعبير عن البروتين ضعيفاً للغاية، لكن ناجل تمكن من تسجيل تيار كهربائي حساس للضوء، وساهم ذلك في توصيف البروتينين المعروفين الآن باسم "الرودوبسين القنوي-1" و"الرودوبسين القنوي-2".
وكان "الرودوبسين القنوي-2" مختلفاً بصورة خاصة؛ فعندما يتعرض للضوء الأزرق، يفتح مباشرة قناة في غشاء الخلية تسمح بمرور الأيونات الموجبة، فتتغير الشحنة الكهربائية للخلية بسرعة كبيرة.
وبذلك أصبح لدى العلماء بروتين واحد يستطيع استقبال الضوء وتحويله مباشرة إلى إشارة كهربائية، من دون الحاجة إلى سلسلة طويلة من التفاعلات داخل الخلية.
وهنا بدأت أهمية الاكتشاف تتجاوز عالم الطحالب. فإذا كان بالإمكان إدخال الجين المسؤول عن "الرودوبسين القنوي-2" إلى خلية حيوانية وجعلها تستجيب للضوء، فلماذا لا يوضع داخل خلية عصبية؟
في عام 2005، شارك ناجل مع كارل ديسيروث وإدوارد بويدن وفينج تشانج وإرنست بامبرج في بحث أصبح من العلامات الفارقة في هذا المجال، وأثبت إمكانية التحكم في نشاط الخلايا العصبية باستخدام الضوء بدقة زمنية فائقة.
وفي العام نفسه، شارك ناجل مع ألكسندر جوتشالك في إحدى التجارب المبكرة التي طبقت الفكرة بنجاح داخل حيوان كامل، فأصبح من الممكن تنشيط خلايا محددة داخل الحيوان باستخدام الضوء وإحداث استجابة سلوكية سريعة.
ومن هذه التجارب نما المجال الذي أصبح يُعرف باسم "علم البصريات الوراثي"، أو "الأوبتوجينيتيكس".
ولم يعد الباحث مضطراً إلى تنبيه مساحات واسعة من الدماغ باستخدام الكهرباء أو المواد الكيميائية؛ إذ أصبح بإمكانه تزويد خلايا عصبية محددة ببروتينات حساسة للضوء، ثم استخدام نبضة ضوئية لتشغيلها في توقيت بالغ الدقة ومراقبة ما يحدث بعدها.
فتح ذلك الباب أمام طريقة جديدة لدراسة دوائر الدماغ ووظائفها، من خلال التحكم في مجموعات محددة من الخلايا العصبية ومراقبة آثار تشغيلها أو تثبيطها.
الاعتراف العالمي
بدأ الاعتراف العالمي بعمل ناجل يتسع تدريجياً، وحصل خلال مسيرته على العديد من الجوائز العلمية، من بينها جائزة الدماغ وجائزة شو في علوم الحياة والطب.
وفي 5 أكتوبر 2026، جاء التكريم الأكبر، عندما أعلنت جمعية نوبل في معهد كارولينسكا منح جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لجورج ناجل وكارل ديسيروث وبيتر هيجمان، تقديراً لاكتشافاتهم المتعلقة بقنوات الأيونات التي تُفتح بالضوء.
من طفولة فرض عليها المرض العزلة، إلى مختبرات الفيزياء الحيوية، ثم إلى اكتشاف غيّر قدرة العلماء على التحكم في الخلايا العصبية، امتدت رحلة ناجل العلمية لأكثر من 4 عقود.









