"تيرا باور".. ما علاقة بيل جيتس بالطاقة النووية؟

time reading iconدقائق القراءة - 14
الملياردير الأميركي بيل جيتس ونائب المدير التنفيذي لبرنامج البحث والتطوير في مؤسسة الإمارات للطاقة النووية أحمد المزروعي يحضران توقيع مذكرة التفاهم. 4 ديسمبر 2023 - Wam
الملياردير الأميركي بيل جيتس ونائب المدير التنفيذي لبرنامج البحث والتطوير في مؤسسة الإمارات للطاقة النووية أحمد المزروعي يحضران توقيع مذكرة التفاهم. 4 ديسمبر 2023 - Wam
دبي -الشرق

أعلنت شركة "تيرا باور" (TerraPower) للمفاعلات النووية المتقدمة المملوكة للملياردير الأميركي بيل جيتس، ومؤسسة الإمارات للطاقة النووية المملوكة لدولة الإمارات أنهما اتفقتا على دراسة التطوير المحتمل للمفاعلات المتقدمة في الإمارات والخارج.

لكن ثمة تساؤلات تتعلق برجل الأعمال الأميركي مؤسس شركة مايكروسوفت، والناشط في مجال الأعمال الخيرية، ولماذا أصبح مستثمراً بارزاً ومتحمساً لتطوير المفاعلات النووية؟ وما علاقة روسيا والصين بمشروعاته؟

ما هي TerraPower؟

هي شركة لتطوير المحطات النووية، أسسها بيل جيتس في مدينة بلفيو بولاية واشنطن عام 2008 مع مجموعة من أصحاب الرؤى المتشابهين في التفكير، الذين قرروا أن القطاع الخاص بحاجة إلى اتخاذ إجراءات في تطوير الطاقة النووية المتقدمة لتلبية الاحتياجات المتزايدة من الكهرباء، والتخفيف من تغير المناخ وانتشال المليارات من الفقر، بحسب موقعها الرسمي.

وتقول الشركة إنها "تبتكر تقنيات لتوفير طاقة آمنة وبأسعار معقولة وخالية من الكربون. وتبتكر أساليب لاستخدام الحرارة لدفع النمو الاقتصادي مع إزالة الكربون من الصناعة. وتطور عمليات لاستخلاص النظائر المشعة للاستخدام الطبي في علاجات السرطان المنقذة للحياة".

وتشير إلى أن "المفاعلات المتقدمة والتطبيقات النظائرية الأخرى أصبحت ممكنة الآن بفضل التقنيات والقدرات الحاسوبية المحسنة التي كان يصعب تصورها قبل بضعة عقود".

وكانت الصناعة النووية الأميركية توقفت، بعدما كانت توفر 20% من الطاقة الكهربائية للبلاد طيلة عقد من الزمان، وسط عملية مكلفة ومستهلكة للوقت لبناء محطات نووية تقليدية ضخمة.

وخلال السنوات الـ25 الماضية لم يشغل سوى مشروع نووي تجاري جديد واحد فقط في الولايات المتحدة، وهو مشروع Watts Bar No. 2 التابع لهيئة وادي تينيسي، بحسب وكالة "أسوشيتدبرس" الأميركية.

ما علاقة بيل جيتس بالمفاعلات النووية؟

خلال محاضرة في يناير 2013 على هامش مؤتمر نظمته "TED"، وهي منظمة إعلامية أميركية كندية غير ربحية، تحدث بيل جيتس، الذي أحدث ثورة في الحوسبة الشخصية، عن الطاقة والمناخ والحاجة إلى "معجزات" لإنقاذ العالم.

وركز بيل جيتس على الحاجة إلى التكنولوجيا النووية لتحسين المشكلات المتعلقة بالمناخ في القرن الـ21. وأشار إلى الحاجة الملحة لهذه التكنولوجيا باعتبارها طاقة نظيفة ووفيرة، وضرورية لمكافحة الوفيات المبكرة الناجمة عن احتراق الوقود الأحفوري (المقدرة بعشرات الآلاف سنوياً)، أو تحمض مدمر محتمل للمحيطات، إلى جانب قائمة طويلة من المشكلات.

ما الجديد الذي تقدمه شركة "تيرا باور"؟

 شركة "تيرا باور" لديها مشروع تجريبي قيد التنفيذ لمفاعل متقدم يعمل بتقنية "Natrium" (التبريد بالصوديوم) في مدينة كيميرر بولاية وايومنج الأميركية، والذي تأمل أن يبدأ تشغيله عام 2029.

لماذا مدينة كيميرر؟

في هذه المدينة الهادئة في ولاية وايومنج التي اعتمدت على الفحم، أطلقت الشركة، التي أسسها بيل جيتس، مشروعاً طموحاً لمواجهة تغير المناخ، وإعادة تشغيل تكنولوجيا الطاقة النووية على الصعيد الوطني.

وشهدت مدينة كيميرر، التي كانت ذات يوم موقعاً لصناعة فحم مزدهرة، تراجعاً خلال السنوات الأخيرة، حيث من المقرر إغلاق مصنع الفحم بعد تشغيله لمدة 60 عاماً تقريباً.

وشدد جيتس على أهمية إعادة دمج صناعات الطاقة القديمة في الولايات المتحدة في صناعات الطاقة المستقبلية كوسيلة لتنشيط المجتمعات. 

وقالت شركة TerraPower، في بيان، إن المحطة النووية تخطط لتوظيف المئات من عمال البناء والموظفين السابقين من مصنع الفحم حيث تتداخل المهارات، مع توفير الطاقة لمئات الآلاف من المنازل.

وحتى وقت قريب، لم تكن كيميرر معروفة بأي شيء باستثناء أول متجر افتتحته شركة البيع بالتجزئة JCPenney في 14 أبريل 1902، وبعض حفريات الأسماك التي يبلغ عمرها 55 مليون عام في محاجر على الطريق.

ثم في نوفمبر 2021، أعلنت الشركة TerraPower أنها اختارت كيميرر لإنشاء مفاعل نووي غير تقليدي مبرد بالصوديوم، والذي سيجلب العمال من محطة محلية لتوليد الطاقة تعمل بالفحم من المقرر إغلاقها قريباً.

ما هي تقنية "Natrium"؟

تخطط شركة TerraPower لتشغيل مفاعلها بحلول عام 2029، باستخدام تقنية الجيل الجديد في تصاميم المفاعلات التي تسمى "ناتريوم" (Natrium)، وهي التسمية اللاتينية لعنصر الصوديوم، والتي ترتكز على التبريد بالصوديوم.

ومن خلال تبريد مفاعل كيميرر باستخدام الصوديوم السائل، وهو العنصر الذي يغلي عند درجة حرارة أعلى بكثير من الماء، ويتجمد عند درجة حرارة أعلى بكثير من درجة حرارة الغرفة، تقول TerraPower إن محطتها الصغيرة نسبياً، التي تبلغ طاقتها 345 ميجاوات، والقادرة على تزويد نحو 345 ألف منزل بالطاقة، "ستكون آمنة وأقل تكلفة من المحطات النووية التقليدية المبردة بالماء".

وتتميز هذه التقنية بكلفة تنافسية، إضافة إلى نظام تخزين كهرباء صديقة للبيئة باستعمال الملح المصهور، ويوفر هذا المزيج إمدادات مستقرة من الطاقة الخالية من الانبعاثات الكربونية، ويتكامل بسلاسة مع شبكات الطاقة.

وتعد المفاعلات المبردة بالصوديوم أكثر كفاءة بثلاث مرات من المفاعلات التقليدية المبردة بالماء، ما يعني تقليل النفايات النووية بشكل ملحوظ.

وفي مقابلة سابقة مع شبكة CBS NEWS، قال بيل جيتس: "هكذا فإن الكمية التي نصنعها، كما تعلمون، في كل عقد هي أقل من حجم غرفة كبيرة. وبالتالي فإن تكنولوجيا التخلص من النفايات لدينا حققت هذا التقدم.. لذلك لا ينبغي أن يكون ذلك عاملاً مقيداً بعد الآن".

هل Natrium تقنية جديدة فعلاً؟

هذا النهج ليس جديداً، إذ تمتلك روسيا مفاعلاً تجارياً مبرداً بالصوديوم قيد الاستخدام بكامل طاقته منذ عام 2016، وقد اختبرت مثل هذه التصميمات في الولايات المتحدة.

لماذا لجأ بيل جيتس إلى الصين؟

في ديسمبر عام 2015، حصلت شركة TerraPower على قدر كبير من الاهتمام في الصحافة العالمية، وكان السبب هو أن الملياردير الأميركي عقد مؤتمراً صحافياً رفيع المستوى خلال زيارة إلى بكين.

ولم يوقع بيل جيتس على أي صفقة مع الشركة النووية الوطنية الصينية "CNNC"، ولم يتوصل إلى أي اتفاقات جانبية للبحث والتطوير المشترك، بحسب الجمعية النووية الأميركية "ANS".

وقالت شركته إن الزيارة تأتي في إطار جولات أجراها مسؤولون بالشركة شملت اليابان والهند لاستكشاف تقنيات جديدة.

وآنذاك، كانت التغطية الصحافية المُكثفة بشأن تصميم المفاعل المثير للاهتمام، الذي ظهر مؤخراً نتيجة لعملية تحول كبيرة في محاكاة حاسوب خارق، تتعلق أكثر بتواجد بيل جيتس في الصين أكثر من أي شيء آخر.

وقالها الصينيون بأنفسهم، إذ كتبت صحيفة China Daily في عددها الصادر بتاريخ 8 ديسمبر 2011، أن نائب وزير العلوم والتكنولوجيا آنذاك تشانج لايوو قال: "عندما نتعاون مع بيل جيتس، فإن ما نقدره كثيراً ليس أمواله، بل تأثيره الاجتماعي، وقوته في الحشد، وقدرته على الابتكار".

وآنذاك كانت الصين تشهد سلسلة من مشاريع البحث والتطوير الخاصة بالمفاعلات السريعة، التي تعرف باسم مفاعلات "الموجة المتحركة" (Traveling-wave reactors TWR)، وهي مفاعلات كبيرة تأتي بحجمين، وهما 500 ميجاوات و1000 ميجاوات.

وعززت TerraPower تعاونها مع بكين، ففي عام 2015 وقعت مذكرة تفاهم للتعاون مع شركة "CNNC" لتطوير برنامج مفاعل الموجة المتحركة Traveling-wave reactors (TWR). وفي عام 2017 أبرمت معها اتفاق تعاون لتأسيس مشروع مشترك للمشاركة في تطوير تكنولوجيا TWR.

ما هو مفاعل "TWR"؟

مفاعل الموجة المتحركة، هو نوع من مفاعل الانشطار النووي المقترح، والذي يمكن أن يحول المواد الخصبة إلى وقود قابل للاستخدام من خلال التحويل النووي بالترادف مع حرق المواد الانشطارية.

يختلف مفاعل الموجة المتحركة عن الأنواع الأخرى من مفاعلات النيوترون، والمولدات السريعة في قدرته على استخدام الوقود بكفاءة دون تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجته، حيث يستخدم اليورانيوم المنضب أو اليورانيوم الطبيعي أو الثوريوم أو الوقود المستهلك المستخرج من مفاعلات الماء الخفيف أو مزيج من هذه المواد.

وتعمل أكثر من 20 شركة أميركية على تطوير مفاعلات متقدمة من شأنها أن تغير تماماً الطريقة التي نفكر بها في الصناعة النووية.

ومعظم تصميمات المفاعلات الجديدة أصغر حجماً وأكثر مرونة وأقل تكلفة في البناء والتشغيل، وربما يستهلك بعضها الوقود النووي المستعمل، أو تساعد على توفير المياه النظيفة والطاقة الآمنة لمجتمعات لم يكن من الممكن تصورها على الإطلاق.

وتحتاج غالبية هذه التصميمات وقوداً غير متوفر بعد على نطاق تجاري، وهذا ما تسميه الصناعة اليورانيوم عالي الكثافة منخفض التخصيب، أو ما يعرف اختصاراً باسم (HALEU)، ولا تستطيع هذه الشركات بث الحياة في مفاعلاتها بدونه.

ما هو يورانيوم HALEU؟

ويتمتع وقود HALEU بمستوى أعلى من التخصيب من وقود "اليورانيوم 235" المخصب بنسبة 5%، وهو النظير الانشطاري الرئيسي الذي ينتج الطاقة أثناء التفاعل المتسلسل، والذي تستخدمه المفاعلات النووية الأميركية العاملة بالفعل، بحسب وزارة الطاقة الأميركية.

ويُخصب بنسبة تتراوح بين 5 إلى 20% (مستوى صنع الأسلحة 85% أو أكثر)، وهو مطلوب لمعظم المفاعلات المتقدمة في الولايات المتحدة لتحقيق تصميمات أصغر تحصل على طاقة أكبر لكل وحدة حجم. ويسمح HALEU أيضاً للمطورين بتحسين أنظمتهم من أجل عمر أطول، وزيادة الكفاءة، واستخدام أفضل للوقود.

ويساعد هذا الوقود عنصر الصوديوم المستخدم في عملية التبريد على الاستمرار لفترة أطول، وينتج المزيد من الطاقة باستخدام وقود أقل، بحسب مجلة "popularmechanics" الأميركية.

كم تبلغ تكلفة المشروع؟

يقول الرئيس والمدير التنفيذي لشركة TerraPower كريس ليفيسك: "عندما تبلغ طاقتها القصوى، يمكن للمحطة توليد 500 ميجا وات، وهو ما يكفي لتغذية 500 ألف منزل". 

وأشار في مقابلة مع "أسوشيتدبرس" إلى أن المشروع سيكلف ما يصل إلى 4 مليارات دولار، تمول نصفها وزارة الطاقة الأميركية، لكن التكاليف يجب أن تنخفض مع نمو الطلب على الطاقة الخالية من الكربون وبناء المزيد.

وتابع: "إذا تمكنا من إثبات إمكانية بناء المحطة بتكلفة معقولة، وفي الوقت المحدد، فسنحصل على طلبات لمفاعلات النتريوم الإضافية حتى قبل بدء تشغيل المفاعل الأول"، متوقعاً أنه "في ثلاثينيات القرن الحالي، سيكون هناك طلب هائل على هذا النوع من الطاقة".

هل توجد جوانب سلبية؟

أحد الجوانب السلبية والعوائق المحتملة تتعلق بوقود المحطة هي أن المفاعلات المبردة بالصوديوم التابعة لشركة TerraPower تحتاج "اليورانيوم منخفض التخصيب مرتفع الكثافة" HALEU، والمنتج الرئيسي له حالياً هو روسيا.

وشهد مشروع "تيرا باور" في وايومنج تأخيرات؛ بسبب مخاوف بشأن إمدادات الوقود منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، لكن الشركة قالت، لوكالة "رويترز"، إنها تتوقع أن تكون الولايات المتحدة قادرة على إنتاج الوقود في العقد المقبل.

واضطرت الشركة لتأخير العرض التجريبي لمشروع مفاعلها النووي الرائد في وايومنج لمدة عامين على الأقل، وقالت إنها غير قادرة على الحصول على وقود من أي مصدر آخر غير روسيا موردها الوحيد لليورانيوم.

وتسعى الولايات المتحدة إلى بدء إنتاج وقود "HALEU" محلياً، وقد تعاقدت مع شركة تدعى "Centrus" لتطوير مشروع للقيام بذلك.

وتحتاج المحطة وقود اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، أي 4 أضعاف ما تحتاجه المحطات النووية التقليدية. ولا تقوم الولايات المتحدة حالياً بتخصيب الوقود إلى هذا المستوى من أجل الطاقة التجارية.

ومعظم المفاعلات النووية في الولايات المتحدة تستخدم الماء لتبريد النظام، لكن الماء ليس الأفضل في امتصاص الحرارة، وثمة مخاطر ضغط مرتبطة بارتفاع درجة الحرارة، الذي ربما يؤدي في النهاية إلى انصهار نووي ووقوع انفجارات لاحقة. 

ما إيجابيات الطاقة النووية؟

في مقابلة سابقة مع شبكة ABC NEWS، قال بيل جيتس "الطاقة النووية، إذا قمنا بالأمر بالطريقة الصحيحة، ستساعدنا على تحقيق أهدافنا المناخية. أي التخلص من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري دون جعل أنظمة الكهرباء أعلى تكلفة بكثير أو أقل كفاءة".

وأضاف: "للطاقة النووية بعض الإيجابيات المذهلة. الأمر لا يعتمد على الطقس، يمكنك بناء محطة، لكن كمية الطاقة التي تخرج من محطة صغيرة جداً هائلة".

وفي حين أن الطاقة النووية معروفة بأنها تحظى بالكثير من الإمكانات، لكن مخاطر السلامة المرتبطة بها كانت تقلق بعض المستثمرين؛ ومع ذلك، قال جيتس إنه واثق من قدرة TerraPower على بناء مفاعل نووي مبتكر آمن وعملي للمستقبل.

وقال جيتس: "قمنا بحل كل الجوانب التي يوجد بها تحديات تتعلق بالسلامة. وأصبح لدينا نفايات أقل إلى حد كبير. والرائع في الأمر أن الجهة التنظيمية في الولايات المتحدة هي الأفضل في العالم وتقوم بعمل جيد للغاية. لذا فإن جزءاً من العملية من الآن وحتى عام 2030 عبارة عن مراجعة مفصلة للغاية مع لجنة السلامة تلك حول مدى نجاح هذا التصميم أكثر أماناً من أي شيء جاء من قبل".

وفي تعليق على تأخيرات واجهتها المحطة الجديدة، التي بدأ التحضير لها قبل 15 عاماً، بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، أكد جيتس أن هذه المشكلات مؤقتة.

وتابع: "الكثير من مناجم اليورانيوم ومصانع المعالجة أغلقت، لأن الناس توقعوا أن تظل روسيا مورداً. ونحن بحاجة إلى تطوير ذلك محلياً". 

واختتم بالقول: "لدينا اليورانيوم المصنع محلياً.. لدينا القدرة على القيام بالمعالجة محلياً.. على المدى الطويل، بسبب رواسب اليورانيوم لدينا هنا، وبسبب كفاءة المفاعل، يمكن أن يكون لهذا الشيء سلسلة توريد محلية بالكامل".

تصنيفات

قصص قد تهمك