
أبرمت شركة الذكاء الاصطناعي الصينية "مون شوت" (Moonshot) اتفاقاً للحصول على قدرات حوسبية من مجموعة "علي بابا" (Alibaba)، تعتمد على نحو 20 ألف شريحة من شركة "إنفيديا" (Nvidia)، رغم القيود الأميركية.
وبحسب تقرير نشرته "بلومبرغ"، أكد أشخاص مطلعون على عمليات الشركتين، أن تلك الشرائح تشكل جزءاً كبيراً من إجمالي القدرات الحوسبية التي تستخدمها Moonshot لتطوير وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لعائلة Kimi.
وبرز فريق Moonshot على الساحة العالمية في وقت سابق من الشهر الجاري، مع إطلاق نموذج Kimi K3 مفتوح المصدر، الذي تمكَّن، وفق بعض مقاييس الأداء، من الاقتراب بشدة من مستوى النماذج الرائدة التي تطورها شركات مثل "أوبن إيه آي" (OpenAI) و"أنثروبيك" (Anthropic).
وامتنعت كل من Moonshot وNvidia عن طلبات "بلومبرغ" للتعليق على تفاصيل الترتيبات المتعلقة بتوفير تلك القدرات الحوسبية.
علاقة عميقة
تُعد Alibaba واحدة من أكبر المستثمرين في Moonshot، وتتوقع المجموعة الصينية أن تعتمد الشركات التي تستثمر فيها على خدماتها السحابية، وفق "بلومبرغ".
لكن العلاقة بين الشركتين لا تقتصر على الاستثمار وتوفير البنية التحتية، إذ تتنافسان أيضاً بصورة مباشرة في سوق نماذج الذكاء الاصطناعي.
والمفارقة أن نموذج Kimi، الذي يستفيد من بنية حوسبية توفرها Alibaba، تمكَّن من التفوق على منتجات Qwen التابعة للعملاق الصيني في عدد من مقاييس الأداء المهمة.
وأصبح ذلك مصدراً لخيبة الأمل لدى بعض العاملين داخل Alibaba، وفق شخص مطلع على المناقشات الداخلية في الشركة، خصوصاً أن فرق الذكاء الاصطناعي المتنافسة تستطيع الوصول إلى موارد تدريب متشابهة.
نموذج يثير القلق
أثار إطلاق نموذج Kimi K3 مخاوف امتدت من واشنطن إلى وول ستريت ووادي السيليكون، بشأن سرعة نجاح شركات الذكاء الاصطناعي الصينية في تضييق الفجوة التي تفصلها عن مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية الرائدة.
وأعاد صعود Moonshot إلى الأذهان الاختراق الذي حققته شركة "ديب سيك" (DeepSeek) خلال العام الماضي، عندما أظهرت شركة صينية قدرتها على المنافسة في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة رغم القيود المفروضة على وصول الصين إلى أحدث التقنيات الأميركية.
ويتركز جزء كبير من المخاوف المتعلقة بصعود Moonshot حول سؤال رئيسي بشأن العتاد الحوسبي الذي استخدمته الشركة لتطوير نموذجها.
وفرضت الولايات المتحدة على مدار سنوات قيوداً على وصول الصين إلى شرائح Nvidia المتقدمة، إلى جانب فرض قيود على وصول الشركات الصينية إلى الأدوات والمعدات اللازمة لتصنيع معالجات الذكاء الاصطناعي المتقدمة محلياً.
وتأتي هذه القيود في الوقت الذي تضخ فيه الشركات الأميركية مئات المليارات من الدولارات في إنشاء وتوسيع مراكز بيانات تحتوي على أعداد ضخمة من مسرعات الذكاء الاصطناعي التي تشهد طلباً عالمياً هائلاً.
ورغم تلك القيود، تمكنت Moonshot من تطوير Kimi K3، وهو ما أشعل نقاشاً بين المستثمرين بشأن اقتصاديات موجة الإنفاق الهائلة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الغرب، كما أثار نقاشاً بين صناع السياسات بشأن مدى فاعلية النهج الذي تتبعه الحكومة الأميركية لمنع الصين من الوصول إلى أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي.
التفاف على القيود
واتهم مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض، مايكل كراتسيوس، الشركة الصينية الأسبوع الماضي بالحصول بصورة غير قانونية على أحدث شرائح Blackwell التي تنتجها شركة Nvidia.
وتُعد معالجات Blackwell أقوى مسرعات الذكاء الاصطناعي المتاحة في السوق من الشركة الأميركية.
ولم يتضح عدد معالجات Blackwell التي تعتقد الحكومة الأميركية أن Moonshot حصلت عليها.
وتتطلب مبيعات تلك الشرائح إلى الشركات الصينية الحصول على إذن من الحكومة الأميركية، كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب صراحة أنه لا يريد السماح للصين بشراء مسرعات الذكاء الاصطناعي التابعة لعائلة Blackwell.
ويعتقد مسؤولون أميركيون أيضاً أن شركة DeepSeek تمتلك شرائح Blackwell، بحسب ما أوردته "بلومبرغ" في وقت سابق.
ولجأت شركات الحوسبة السحابية الصينية في بعض الأحيان إلى آليات تسمح لها بالالتفاف عملياً حول آثار القيود الأميركية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتهاك القواعد القائمة.
وتتمثل إحدى الآليات في الوصول إلى شرائح خاضعة للقيود الأميركية ومملوكة لشركات أجنبية، على أن تكون موجودة فعلياً في مواقع خارج الصين.
وتسمح القواعد الأميركية بهذا النوع من الوصول بصورة عامة، ويمكن لشركات الحوسبة السحابية الصينية بعد ذلك إعادة تأجير القدرة الحوسبية التي توفرها تلك الشرائح ضمن خدماتها السحابية الخاصة.
وبهذه الطريقة تستطيع شركة صينية الاستفادة من القدرات التي توفرها معالجات لا يمكن بالضرورة شحنها مباشرة إلى الصين، طالما بقيت الأجهزة نفسها موجودة خارج الأراضي الصينية وتم الوصول إليها عن بُعد باعتبارها خدمة حوسبية.
وفي حالة الاتفاق بين Alibaba وMoonshot، لا يزال الموقع الجغرافي الفعلي للقدرات الحوسبية التي توفرها Alibaba للشركة المطورة لنماذج Kimi غير واضح.
مسار بديل للشرائح
وقال مايكل كراتسيوس إن Moonshot استخدمت ذلك المسار أيضاً، من خلال جهة لم يسمّها موجودة في تايلندا، وإن الشركة الصينية استخدمت على الأرجح هذه المسرعات في تدريب نموذج Kimi K3.
كما زعم المسؤول الأميركي، من دون تقديم أدلة ملموسة تدعم هذا الادعاء، أن Moonshot استخدمت تقنية تُعرف باسم التقطير Distillation لتدريب K3 بالاعتماد على مخرجات أنتجها نموذج "فيبل" (Fable) الأكثر تقدماً من Anthropic.
ومن شأن الاعتماد على تلك التقنية مساعدة Moonshot في تعويض امتلاكها موارد حوسبية أكثر محدودية مقارنة بالشركات الأميركية الكبرى.
وأكد شخص مطلع على استراتيجية Moonshot لشراء والحصول على الموارد الحوسبية، أن الشركة لديها بالفعل قناة تتيح لها الوصول إلى معالجات Blackwell عبر جنوب شرق آسيا.
لكن المصدر لم يحدد ما إذا كانت تلك القناة تعتمد على استئجار قدرات حوسبية قائمة على شرائح Blackwell، وهو أمر قانوني في معظم الحالات، أم أنها تعتمد على شراء الشرائح مباشرة، وهو ما يمثّل انتهاكاً للوائح التصدير الأميركية.
وفي الوقت نفسه، أفاد موقع "ذي إنفورميشن"، هذا الأسبوع بأن Moonshot تسعى للحصول على المزيد من معالجات Blackwell بهدف استخدامها في تدريب نموذجها المقبل.
20 ألف شريحة
أما الشرائح البالغ عددها نحو 20 ألفاً التي تحصل Moonshot على قدراتها الحوسبية عبر Alibaba، فتنتمي إلى الجيل السابق من منتجات NVIDIA المعروف باسم Hopper، بحسب الأشخاص المطلعين على الاتفاق.
وكانت معالجات Hopper تمثّل المعيار الصناعي الأساسي المستخدم في تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، قبل أن تطلق NVIDIA الجيل الأحدث من معالجاتها تحت اسم Blackwell.
وكانت أقوى المعالجات ضمن عائلة Hopper تتطلب دائماً الحصول على ترخيص تصدير أميركي قبل السماح بشحنها إلى الصين.
أما النماذج الأقل تقدماً من هذه العائلة، ومن بينها H800 وH20، فكان مسموحاً في مرحلة سابقة بتصديرها بحرية إلى الصين، قبل تغيير القيود الأميركية لتصبح هي الأخرى بحاجة إلى موافقة من واشنطن.
وقال عدة أشخاص مقربين من Moonshot إن الاتفاق مع Alibaba يتعلق تحديداً بشرائح H200، وهي أقوى مسرعات الذكاء الاصطناعي التابعة لجيل Hopper، لكن Alibaba اعترضت على هذه المعلومة.
وقال متحدث باسم Alibaba إن الادعاء بأن الشركة تزود Moonshot بشرائح H200 لا أساس له من الصحة على الإطلاق، إلا أنها لم تنفِ توفير Moonshot قدرات حوسبية قائمة على نحو 20 ألف شريحة من NVIDIA.
كما امتنعت المجموعة الصينية عن التعليق بشأن نوع الشرائح التي تشكل أساس الاتفاق مع Moonshot، ما إذا كانت تلك الشرائح من شريحة H200.
تحول الموقف أميركي
يُذكر أن الولايات المتحدة قد أصدرت تراخيص تسمح ببعض المبيعات المباشرة لشرائح H200 إلى الصين، في تحول كبير في السياسة الأميركية خلال إدارة الرئيس دونالد ترمب، وذلك نهاية العام الماضي.
لكن مسؤولاً أميركياً بارزاً قال مؤخراً إن عدداً ضئيلاً فقط من هذه الشرائح تم شحنه فعلياً إلى الصين بموجب تلك التراخيص.
وفي الوقت نفسه، أبدت بكين تردداً في منح الشركات الصينية الموافقات اللازمة لشراء هذه المعالجات، بالتزامن مع ضغوط تمارسها السلطات الصينية على الشركات المحلية لاستخدام شرائح مصنعة داخل البلاد، مثل المعالجات التي تنتجها شركة هواوي.













