
أثار انتشار مفاجئ لعشرات التماسيح الكبيرة رعباً شديداً بين الأهالي في عدد من القرى والمناطق القريبة من ضفاف نهر النيل في السودان، وتفاقمت تلك المخاوف بعد أن خسر عدد من الأشخاص حياتهم بين فكي تلك الزواحف المفترسة.
وقبل نحو 3 أسابيع، وقعت آخر تلك الحوادث في جزيرة "صاي" شمال السودان، حيث باغت تمساح ضخم المزارع الشاب عمر محمد عبد الخالق أثناء تأدية عمله على الضفاف.
وأمام مرأى ومسمع من الأهالي والأصدقاء، سحب التمساح المزارع بسرعة خاطفة إلى داخل المياه وسحبه حتى ابتلعه كلياً، من دون أن يتمكن أحد من إنقاذه رغم صرخات الذعر والمحاولات اليائسة.
وروى محمد آدم، صديق الضحية عمر، لـ"الشرق"، تفاصيل تلك الحادثة المأساوية التي وقعت أمامه مع اثنين آخرين من الأصدقاء، وقال: "استحممنا وكان الوضع هادئاً، ولا يوجد أي شي عند خروجنا.. ثم قام شيء بجره (الضحية عمر) من الخلف، وصاح بصوت عال، فنظرت إليه متفاجئاً، وقلت ما هذا؟ عندما نظرت، كان المكان مليئاً بالطين ولم يظهر أي شئ".
وأضاف: "نادينا على صاحب الفايبر (زورق سريع) ليأتِ إلينا، كنا قد علمنا بأنه غرق وأن شيئاً ما سحبه للخلف.. وعندما جاء الرجل قال قد يكون تمساحاً، وعندما ذهب باتجاه الشمال ليعرف أين سحبه، ظهر بالقرب منا، وكان يحمله تمساحٌ بطول يتراوح من 6 إلى 7 أمتار".
وتابع آدم: "التمساح التهم الفتى، ظللنا نصيح، عاد وغطس، وعاد مرة أخرى للسطح، أطلقوا عليه الرصاص بواسطة سلاح، عاد إلى الداخل مرة ثانية، عندما غطس لم يخرج مرة أخرى".
وأوضح أنهم لم يعثروا على جثمان عمر إلا بعد مرور 3 أيام على الواقعة الأليمة.
تماسيح أكثر من المعتاد
على الرغم من أن وجود التماسيح في نهر النيل يعد أمراً طبيعياً، إلا أن الظهور الحالي بدا مختلفاً، إذ سجّل انتشار أعداد أكبر من المعتاد في عدد من المناطق، كما لم يقتصر الأمر على مناطق شمال السودان فقط، بل ظهر عدد من التماسيح في ضاحية "الكلاكلة" جنوب العاصمة الخرطوم، وهو ما زاد من حالة الهلع والرعب بين الناس.
وقال المزارع حسن محجوب: "لا زلنا نسمع صوت التمساح منذ وقوع الحادث، حيث يضرب المياه ويقوم بالدوران فيها، ونحن لا نستطيع الذهاب، ونتواجد في أماكن الزراعة فقط.. والمزارعون يعيشون في ذعر، حتى النوم في الليل أصبح صعباً".
ويُعد التمساح النيلي (Crocodylus niloticus) أحد أهم المفترسات المائية في إفريقيا، وعنصراً أساسياً في الحفاظ على التوازن البيئي داخل النظم النهرية، وينتشر تاريخياً في النيلين الأزرق والأبيض، ونهر عطبرة، ومستنقعات الدندر، بينما تُمثل بحيرة النوبة أكبر موائله الطبيعية في السودان.
ويقول خبراء بيئيون إن خروج التماسيح النيلية واقترابها من الشواطئ المأهولة يرتبط بعدة عوامل، بعضها يتعلق بالظروف البيئية، إضافة إلى الأنشطة الزراعية وتذبذب مناسيب النيل بين الارتفاع والانحسار المفاجئ.
وهناك عامل آخر يزيد من انتشار التماسيح ويتعلق بموسم التكاثر، حيث تضع الإناث البيض بين شهري مارس ومايو، وتخرج صغار التماسيح بالتزامن مع موسم الفيضان للانتشار قرب الشواطئ.
تحذيرات من السباحة في الأنهار
من جهتها، حذرت قوات حماية الحياة البرية التابعة للشرطة السودانية، من خطورة السباحة في الأنهار خلال الفترة الحالية، وطالبت سكان المناطق الشاطئية بالابتعاد عن ضفاف النيل والالتزام بالإرشادات الوقائية للحد من المخاطر وحماية الأرواح.
وأكدت أن قواتها تُمشط الجزر وضفاف نهر النيل، وتكثّف التوعية بخطورة التماسيح النيلية، خاصة خلال هذه الفترة التي تشهد ظهور أعداد كبيرة من التماسيح.
وفي حديث لـ"الشرق"، أوضح الرائد محمد سيّد أن شرطة الولاية الشمالية دفعت بفرق الدفاع المدني والشرطة النهرية عقب تلقيها بلاغاً بحادث الشاب عمر، وقال: "جاءت إلينا مأموريتان من الولاية، الأولى أثناء الحادث مباشرة، حيث استجابت بإرسال فريق مختص تابع للحياة البرية، وعمل معنا يوماً كاملاً، لكن لم نجد شيئاً. وبعد 3 أيام أتت مأمورية أخرى تابعة للحياة البرية أيضاً".
ولفت سيّد إلى أنه خلال الأسابيع الثلاثة الماضية لقي نحو 4 تماسيح حتفهم في مناطق متفرقة بالولاية الشمالية.
وأضاف أن شرطة الولاية أطلقت حملة إعلامية لتحذير الناس من تجنب النزول في نهر النيل أو الوقوف بجانبه خلال الفترة الحالية بسبب النشاط المتزايد للتماسيح، مؤكداً عدم تسجيل حوادث جديدة منذ واقعة جزيرة "صاي".
هواة يخاطرون بحياتهم للتصوير
ومع تصاعد مشاهدات التماسيح، تداول مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي في السودان مقاطع فيديو وصفها المتابعون بـأنها "متهورة وانتحارية وخطرة للغاية"، أظهرت إحداها رجلاً في ولاية نهر النيل يقترب من تمساح نيلي ضخم، ويضع يده عليه محاولاً مداعبته أو دفعه وسط سكون مريب من التمساح.
وتداول مستخدمو مواقع التواصل مقطع فيديو يُظهر شاب ينجو من هجوم تمساح بشمال السودان، لكن لم يتسنّى لـ"الشرق" التأكد من موقع المقطع أو وقت تصويره.
وحذّر خبراء الحياة البرية عبر وسائل إعلام سودانية من هذه التصرفات الصادمة، مؤكدين أن هدوء التمساح لا يُعبر عن أمان، بل يمثل أسلوب تمويه وتكتيك احترافي يسبق الهجوم الخاطف الذي لا يترك أي فرصة للنجاة.
وأثار المقطع موجة واسعة من الغضب والمطالبات بعدم تقليد هذه المغامرات شديدة الخطورة، خاصة في ظل الانتشار الكثيف للتماسيح وتواجدها قرب المزارع والقرى أثناء مواسم الفيضان، للتأكيد على أن التعاطي الخاطئ مع الطبيعة النهرية قد يتحول في لحظات وجيزة إلى كارثة محققة.
وأكد خبراء بيئيون أن الإنسان ليس جزءاً من النظام الغذائي الطبيعي للتمساح، إلا أن الهجمات تقع بدافع الدفاع عن الأعشاش، أو الخطأ في التمييز داخل المياه العكرة.
ومع الظهور المتكرر للتماسيح، انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة لرجال ينفذون حملة لقتلها، لكن شرطة الحياة البرية حذّرت من المخاطر التي قد تصاحب تلك الممارسات وتضر في الوقت نفسه بالتوازن البيئي النهري.
وأكدت الشرطة أهمية التعايش الآمن واستغلال التماسيح مستقبلاً في مشروعات استثمارية لتربيتها وخلق قيمة اقتصادية.
ويقول خبراء بيئيون إن غياب الإحصاءات الدقيقة حول أعداد التماسيح وتوزيعها في السودان ما زال يشكل أكبر فجوة علمية أمام فهم ظاهرة انتشارها ووضع حلول فعالة للمواجهة.









