تراجع منسوب المياه بسبب عمليات التوسعة.. واستمرار خفض الطاقة الاستيعابية في 2024

الجفاف و"قطار المحيطات" يهددان قناة بنما

عبور سفينة بضائع في قناة بنما. 19 أبريل 2023 - REUTERS
عبور سفينة بضائع في قناة بنما. 19 أبريل 2023 - REUTERS
ساو باولو -هاني الدرساني

تواجه قناة بنما تحدياً بسبب موجة جفاف تضرب بحيرات ألاخويلا وجاتون، ومشروع "قطار المحيطات" الذي نفذته المكسيك، ما يشكل تهديداً لانتظام حركة الملاحة، وبالتالي انخفاض الدخل السنوي لبنما، وتأثر حركة التجارة العالمية.

وقال الصحافي المتخصص في الشؤون السياسية والاجتماعية البنمية عبدييل دي ليون لـ"الشرق"، إن "المنطقة المحيطة بالقناة تشهد إحدى أكثر السنوات جفافاً، ولم تشهد له مثيلاً خلال 143 عاماً من تاريخ حفظ السجلات في البلاد".

وأضاف أن قياسات هطول الأمطار تعد أقل من المعدل الطبيعي بنسبة ما بين 40 و 50%، بسبب ظاهرة "النينو" الجوية المرتبطة بارتفاع درجات حرارة سطح المياه في شرق ووسط المحيط الهادئ.

واعتبر أن مشكلة المناخ ساهمت في تراجع حركة السفن داخل القناة، لكن العامل الرئيسي الآخر يتمثل في سوء التخطيط، لا سيما في عمليات التوسعة، وتسببت في خفض منسوب المياه في بحيرة جاتون.

وأوضح الصحافي البنمي أن عملية التوسعة بدأتها الهيئة في عام 2006، وانتهت في عام 2016، بتكلفة قاربت 5 مليارات دولار، بهدف "نقل سفن ذات أحجام أكبر عبر بناء ممرات جديدة"، لكن الهيئة لم تبن خزانات جديدة لضخ ما يكفي من الماء داخل ممرات القناة، ما زاد عملية سحب المياه من بحيرة جاتون، وتسبب في تراجع منسوبها من 26 متر إلى قرابة 21 متر.

آلية عمل القناة

تحتاج القناة إلى كمية مياه كبيرة لرفع السفن من مستوى سطح البحر إلى ارتفاع 26 متراً؛ لتتمكن من العبور من خلال بحيرة جاتون باتجاه الطرف الآخر من المحيط، وتستهلك هذه العملية 200 مليون لتر من المياه العذبة لنقل كل سفينة.

وكان المعدل اليومي لعبور السفن عبر قناة بنما 37 سفينة في مايو 2023، ومع تراجع منسوب المياه، قررت الهيئة تخفيض الطاقة الاستيعابية بشكل تدريجي. وفي ديسمبر، انخفض عدد السفن التي يسمح لها بعبور القناة إلى 22 سفينة يومياً.

وذكر مسؤولون بالقناة، أن عمليات خفض الطاقة الاستيعابية مستمرة في 2024، متوقعين أن يشهد فبراير المقبل، تراجعاً في عدد السفن المسموح لها بالعبور إلى 18 سفينة يومياً، موضحين أن عودة حركة الملاحة إلى سابق عهدها مرهونة بموسم الأمطار السنوي، ما يتسبب في خسارة القناة من 400 إلى 700 مليون دولار سنوياً.

ضربة جديدة للاقتصاد العالمي

وقناة بنما مسؤولة عن 6% من حركة التجارة العالمية، وتبلغ قيمة البضائع التي تعبر القناة حوالي 270 مليار دولار سنوياً، ولذلك فإن تراجع الحركة إلى قرابة النصف ستكون له عواقب اقتصادية كبيرة، وتتوقع حكومة بنما انخفاض الدخل السنوي بنسبة 8 إلى 15%.

ويطال التأثير الاقتصاد العالمي، إذ تستغرق السفينة 21 يوماً لتتمكن من العبور، ووصل عدد السفن في قائمة الانتظار لشهر ديسمبر 160 سفينة، وتسبب هذا التأخير في ارتفاع الأسعار، وزيادة التضخم العالمي.

وتوقع بعض المحللين أن تؤدي القيود بالفعل إلى ارتفاع أسعار الشحن الفوري بين الصين والولايات المتحدة، بما يصل إلى 36%، وربما تشهد القارة الأوروبية تأثيراً كبيراً على اقتصادها، مع انخفاض الاستهلاك داخل الاتحاد الأوروبي بسبب النقص المحتمل، وهو ما يسبب انكماش القطاع المالي؛ وانخفاض التدفق التجاري اليومي الناتج عن نقص المواد الخام.

وتضطر العديد من السفن، إلى تقليل حمولاتها في الموانئ على طول طرق التجارة، ما يؤدي إلى زيادة التكاليف في المنتجات النهائية، ويسبب ذلك خسائر يومية لشركات الشحن وعملائها الذين يعتمدون على هذه المنتجات للحفاظ على تدفق التجارة.

ومن المرجح أن تضطر شركات الشحن التي تستخدم السفن الأكبر حجماً للبحث عن طريق بديلة، مثل إعادة استخدام ممر ماجلان، وبالتالي زيادة مسافة الرحلة بنحو 13 ألف كيلو متر، أو اللجوء إلى الطريق الجديد المتمثل في ممر مضيق تيهوانتيبيك، وهو مشروع مكسيكي يربط المحيط الهادئ بالمحيط الأطلسي من خلال سكك حديد وعدد من الموانئ والمطارات.

هل يفاقم قطار المحيطات أزمة قناة بنما؟ 

في 22 ديسمبر الماضي، افتتح رئيس المكسيك، أندريس أوبرادور، مشروع مضيق تيهوانتيبيك، الذي يتكون من عدة موانئ بحرية وخطوط سكك حديد تقطع البلاد عرضاً على امتداد 303 كيلومترات، وهي أضيق مسافة داخل المكسيك للربط بين المحيطين، لتصل بين ميناء سالينا كروز في أواكساكا على المحيط الهادئ بميناء كواتزاكوالكوس في فيراكروز على الجانب الآخر من ممر تيهوانتيبيك على المحيط الأطلسي.

وبدأت السكك الحديدية تسيير رحلتين يومياً ذهاباً وإياباً للركاب و 3 رحلات للبضائع. ومن المتوقع أن يشهد الخط عبور 300 ألف حاوية بضائع بحلول عام 2028، ومن المخطط أن يصل إلى 1.4 مليون حاوية، أي حوالي 33 مليون طن بحلول عام 2033.

وقال لويس إجناسيو رومان أستاذ الاقتصاد في جامعة ITESO بالمكسيك، إن هذا المشروع بُني لأول مرة بأمر من حكومة الرئيس السابق، بورفيريو دياز، واُفْتُتِح عام 1907، وسمي خط "المايا"، إذ كان يعبر من خلاله 60 قطاراً من وإلى موانئ سالينا كروز، وكواتزاكوالكوس، لكن تم تدمير هذا الخط مع اندلاع الثورة المكسيكية عام 1910، ومع افتتاح قناة بنما في 1914 تم تجاهله.

وأعلنت الحكومة أن إعادة تأهيل الخط، تكلفت قرابة 2.85 مليار دولار، وتعتبر خطة طموحة بهدف منافسة قناة بنما المزدحمة حالياً، والتي تعاني الجفاف، وتوجد خطط لجعله أحد أكثر المسارات كفاءة وأهمية في العالم، ويكون وسيلة سريعة وفعالة لنقل البضائع والركاب.

وفي نهاية العام الماضي، أقر مدير قناة بنما بأنه في ظل مشكلات المياه التي تواجهها القناة، فإن المشروع المكسيكي يمكن أن يشكل تهديداً محتملاً للقناة، لكنه أكد أنه لن تكون هناك حاجة إلى طريق بديل، إلا إذا كانت القناة في حالة جفاف تام.

الممر الجديد والاقتصاد المكسيكي

وقال بعض الاقتصاديين إن تشغيل المشروع بكامل طاقته يرفع معدل نمو الاقتصاد المكسيكي، ما يعزز من مكانة المكسيك كأكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، إذ حلت محل الصين، خلال الأشهر الأربعة الأولى في 2023، مستغلة القرب الجغرافي، بعد دخول اتفاقية التجارة الحرة التي وقعتها مع كل من الولايات المتحدة، وكندا حيز التنفيذ أوائل عام 2020.

ومن المتوقع زيادة حجم التجارة مع أميركا الوسطى وآسيا، ما يساهم في تضاعف حركة البضائع والتدفق المالي وصناعة التحويل جنوب البلاد، ويمكن أن يمثل الممر التجاري حوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي للمكسيك.

ويشكل المشروع فرصة مهمة لزيادة الاستثمارات الأجنبية في مناطق جنوب المكسيك الأكثر فقراً، وسط توقعات بأن يجذب المشروع استثمارات بقيمة 200 مليار دولار بحلول عام 2050، عبر تحويل حركة مرور الحاويات العابرة لقناة بنما باتجاه مشروع "قطار المحيطات".

وتسعى الحكومة إلى الاستفادة من رغبة الشركات متعددة الجنسيات في أن تكون قرب أسواق أميركا الشمالية.

ويُتوقع أن يخلق المشروع 10 آلاف فرصة عمل مباشرة في عام 2024، و550 ألف فرصة عمل بحلول 2050، ما يؤثر إيجاباً في تنمية المناطق الجنوبية الفقيرة من المكسيك. 

تصنيفات

قصص قد تهمك