Open toolbar
هل تتجه الحكومات إلى فرض إلزامية التطعيم ضد كورونا؟
العودة العودة

هل تتجه الحكومات إلى فرض إلزامية التطعيم ضد كورونا؟

متظاهر يرتدي زي تمثال الحرية يشارك في احتجاج ضد اعتماد التصريح الصحي في باريس، فرنسا - 17 يوليو 2021. - REUTERS

شارك القصة
Resize text
دبي-

مع سعي الحكومات حول العالم إلى اعتماد استجابة فعالة لتهديد فيروس كورونا، الذي يودي بحياة المواطنين ويقوّض الاقتصاد، تبرز اللقاحات بمثابة حل بديهي، لكن هل يجب أن يكون التطعيم إلزامياً؟

البرازيل كانت أول دولة تحسم الجدل، وذلك في ديسمبر الماضي، حين أعلنت المحكمة العليا تأييدها فرض إلزامية تلقي اللقاحات المضادة لكورونا، ومنحت للولايات والبلديات حق فرض عقوبات على المواطنين الذين لا يمتثلون للقرار.

في الشهر ذاته، أعلنت منظمة الصحة العالمية موقفها لأول مرة، وقالت إنها تعارض فرض الحكومات تطعيماً إجبارياً ضد فيروس كورونا على مواطنيها.

غير أن ظهور سلالات متحورة من الفيروس أشد خطورة وتنتشر بشكل أسرع خلال الأشهر الأخيرة، أثار الجدل بشأن فرض إلزامية تلقي اللقاحات، وما إذا كانت إلزامية التطعيم إجراءً قانونياً مبرراً من منظور حقوق الإنسان، أم أنه أصبح ضرورة ملحة بالنظر إلى تهديد الفيروس للصحة العامة.

أمام هذا الوضع، اختارت غالبية الدول منطقة رمادية، حيث التطعيم غير إجباري، لكنه ضروري للتخلص من قيود الجائحة، كما الحال في دول الاتحاد الأوروبي، التي أقرت إلزامية شهادة صحية من أجل التنقل، وهو ما اعتبره معارضو القرار "إجباراً خفياً" على تلقي اللقاح.

إلزام انتقائي

وبدأ عدد من الدول في فرض إجبارية التطعيم في بعض القطاعات، إذ أقرت فرنسا في 5 أغسطس الجاري، قانوناً جديداً يفرض إلزامية تلقي التطعيم ضد كورونا للعاملين في القطاع الصحي.

والاثنين الماضي، أعلن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن في مذكرة وجهها إلى موظفي البنتاغون أن "التلقيح ضد كورونا سيصبح إلزامياً بحلول منتصف سبتمبر المقبل" لجميع عناصر القوات المسلحة الأميركية.

وبينما ما تزال معظم الحكومات حول العالم لم تحسم موقفها من تعميم التطعيم الإجباري، فإن الشركات الخاصة شرعت تفرض قواعدها الخاصة بشأن التطعيم.

وفي الولايات المتحدة، أقرت شركات تعديلات على سياساتها لتفرض على موظفيها تلقي اللقاحات، وتمنحها حق طردهم ما لم يمتثلوا للقرار، وهو إجراء لا يخالف القانون الأميركي، الذي يمنح القطاعين العام والخاص الحق في أن يطلبا من الموظفين تلقي اللقاح، وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز".

المحامي الأميركي روبيرت كراكوف، قال لـ"الشرق"، إنه قد يكون من الملائم سياسياً للحكومات السماح للشركات الخاصة بأن تعتمد سياسات مستقلة، مضيفاً أن السماح للشركات بفرض تقديم شهادات تثبت التطعيم ضدكورونا يجنّب الحكومات التصادم مع المواطنين، عبر اتخاذ قرارات مثيرة للجدل، من قبيل إلزامية التطعيم.

وأضاف: "نظراً لأن المسؤولين الحكوميين يدركون أن هناك تشريعات قضائية تتعارض مع إلزامية اللقاحات، فإن تفويض صلاحية اتخاذ القرار للشركات الخاصة، قد يجنب الحكومات فقدان المواطنين للثقة في الحكومة واللقاحات على حد سواء".

إلا أن هذا السيناريو من غير المرجح أن يحدث في دول الاتحاد الأوروبي، وفقاً للمحامي الفرنسي وأستاذ في كلية القانون والاقتصاد في باريس،  إيلي حاتم.

وقال حاتم، وهو عضو في نقابة المحامين في باريس، لـ"الشرق"، إن إجراءات تسريح العمال في قانون العمل الأميركي "نوعاً ما سهلة، لكن هذا الأمر يصبح أكثر تعقيداً في أوروبا وتحديداً في فرنسا، حيث القوانين متشددة في حماية الموظفين".

وأشار إلى أن الإجراءات التنظيمية الجديدة في دول الاتحاد الأوروبي تشجع على العمل عن بعد لكنها لا تعطي للشركات حق طرد موظفيها بداعي عدم تلقي اللقاحات.

نحو توسيع إلزامية التطعيم

في الجزائر، أعلنت ولايات ومؤسسات عامة، بداية أغسطس الجاري، فرض إجراءات تنظيمية تمنع غير الملقحين ضد كورونا من دخول مقرات العمل والأماكن العامة المغلقة.

واعتباراً من 8 أغسطس، بدأت ولاية تيسمسليت الجزائرية تطبيق تدابير جديدة على الموظفين في الإدارات الحكومية، تنص على عدم السماح لأي موظف لم يتلق التطعيم بالدخول إلى مقر العمل، واعتباره "في حالة غياب غير مبرر، ويمكن اتخاذ الإجراءات اللازمة ضده".

رشيد لوراري، أستاذ العلوم القانونية في جامعة الجزائر، قال لـ"الشرق": "يجب أن نفهم في البداية أنه لا يوجد أي نص قانوني يلزم المواطن بأخذ اللقاح ضد كورونا".

وأضاف: "لكن أمام أخطار هذا الوباء وما نتج عنه من كوارث صحية عجزت حتى الدول المتقدمة عن مواجهتها، وانطلاقاً من رأي المتخصصين في الصحة، أعتقد من مبدأ المصلحة العامة، يمكن للسلطات أن تتخذ ما تراه مناسباً في هذا المجال، بما في ذلك إلزامية التلقيح، خصوصاً في بعض القطاعات الاستراتيجية والمهة كالصحة والتربية".

بدوره، أكد علي ربيج، النائب البرلماني ورئيس لجنة الشؤون الصحية بالبرلمان الجزائري، لـ"الشرق"، أن "فرض بعض الولايات التطعيم على عمالها لدخول أماكن العمل يشير إلى توجه نحو تعميم إلزامية التلقيح مستقبلاً".

وأضاف أن إلزامية التلقيح لدخول الأماكن والفضاءات العمومية "من بين المقاربات المطروحة للنقاش، والتي يمكن أن تعتمدها السلطات الجزائرية لمحاربة تفشٍّ أوسع لفيروس كورونا".

جدلية حقوق الإنسان

في بداية أغسطس، خرج الآلاف من المتظاهرين في فرنسا على خلفية إقرار المجلس الدستوري، الذي يعتبر أعلى سلطة قضائية في البلاد، إلزامية تقديم الشهادة الصحية في الأماكن العامة والمغلقة اعتباراً من 30 سبتمبر المقبل.

ووصف المتظاهرون الإجراء بـ"الديكتاتورية الصحية"، التي تجبر بشكل غير مباشر المواطنين بتلقي اللقاحات المضادة لكورونا، فيما يشكل انتهاكاً لحقوقهم الفردية، وفقاً لوكالة "فرانس برس".

ويبني معظم معارضي إلزامية التلقيح، موقفهم على المادة الثامنة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تحمي "الحق في احترام الحياة الخاصة".

وترفض المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هذا التبرير، إذ قالت إن التطعيم الإلزامي "ضروري في مجتمع ديمقراطي"، وذلك في قرار أصدرته المحكمة 8 أبريل الماضي، بعد أن لجأ إليها آباء لأطفال رفضت دور حضانة قبولهم لعدم تلقيهم لقاحات كورونا في التشيك.

المحامي الفرنسي إيلي حاتم، قال لـ"الشرق"، إن القوانين الدولية ومبادئ حقوق الإنسان، تنص على مبدأ حماية الحريات، وضمنها حرية الفرد في التنقل وفي الأمان على شخصه، "لكنها تنص أيضاً على مسؤولية الحكومات في حماية السلامة العامة".

وأضاف، أن "السؤال الذي طُرح خلال الأشهر الأخيرة في الدول الديمقراطية هو ما إذا كان يجب تقديم الحريات الفردية على الصحة العامة، أو العكس".

وأوضح أن المجلس الدستوري الفرنسي انتصر في بداية أغسطس الجاري إلى الإلزامية غير المباشرة، عن طريق إقرار تشريع ينص على إجبار العاملين في القطاع الصحي على تلقي التطعيم، واستخدام الشهادة الصحية، باعتباره "توازناً" بين مخاوف الصحة العامة والحرية الشخصية.

ولفت عضو هيئة المحامين في باريس، إلى أن معظم الدول تتجه إلى اعتماد المقاربة الفرنسية، لإيمانها بأن حماية الصحة العامة أهم من الحريات الفردية.

واعتبر أن التشريع  الفرنسي الجديد "يدفع نحو تلقي اللقاحات، ولا يعارض مبادئ الحريات، لأننا نعيش فترة استثنائية بسبب كورونا، حتى وإن كانت فعالية اللقاحات في الحماية من السلالات المتحورة غير مؤكدة".

كورونا "أكثر خطراً"

الاختصاصي في أمراض الرئة والتنفس، والمقيم في باريس أنطوان أشقر، انتقد المترددين في تلقي اللقاحات، واعتبر أن التطعيم هو "الأمل الحالي الوحيد" لمواجهة الموجات المتعاقة لفيروس كورونا.

وقال أشقر لـ"الشرق"، إن اللقاحات توفر حماية بنسبة 80% من المضاعفات الخطيرة جراء الإصابة بالفيروس، التي تتطلب الدخول إلى المستشفى، وتقلص تفشيه وسط المطعمين.

وأكد على أن "اللقاحات أصبحت ضرورية من أجل التأقلم مع الفيروس، بعد فشل استراتيجية مناعة القطيع في تحقيق أهدافها"، مشدداً على ضرورة تطعيم "جميع سكان الأرض، بما في ذلك الأطفال، بعد ثبوت إمكانية إصابتهم بالفيروس أيضاً".

واعتبر أشقر أن رفض تلقي اللقاحات بناءً على مخاوف من تداعيات صحية على المستوى البعيد "تبرير غير مقبول"، قائلاً إن "اللقاحات أثبتت فعاليتها السريعة، ونحن بحاجة إلى القضاء على الفيروس بأسرع وقت ممكن، وليس بعد عقود".

وتابع: "هناك معلومات متوفرة حالياً بشأن المضاعفات المحتملة لكل اللقاحات في غضون 6 أشهر على الأقل بعد التطعيم، وهي مضاعفات بسيطة ولا تشكل خطورة كبيرة. وعدم معرفة المضاعفات على المدى البعيد أمر طبيعي، وهو ينطبق على كل الأدوية، إذ لا يمكن اكتشاف كل مضاعفاتها بشكل سريع".

في المقابل، قال أشقر: "نعلم أن مضاعفات الإصابة بالفيروس قد تستمر لفترة طويلة جداً، حتى في حال التعافي منه. كما نعلم أن الفيروس، في حال عدم تسريع وتيرة التطعيم، فإنه قد يودي بحياة الملايين".

وتابع: "في حال مقارنة المخاطر، فإن الكفة تميل لمصلحة التطعيم، لأن مخاطر الفيروس أكبر من تداعيات اللقاحات".

بدوره، قال المحامي روبيرت كراكوف لـ"الشرق"، إن الحكومات يجب أن تقنع المواطنين بسلامة اللقاحات "بدلاً من إكراههم بشكل مباشر أو غير مباشر".

وأضاف: "إذا كانت اللقاحات مهمة جداً وكانت فوائدها تفوق مخاطرها، فيجب على الحكومة الاعتماد على هذه الحجة وإقناع الناس بالحصول عليها، لأن وجود مواقف رمادية للحد من الحقوق الأساسية لغير الملقحين، تقوّض جهود الإقناع".

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.