Open toolbar

نهر دجلة في منطقة الكرخ بالعاصمة العراقية بغداد - 24 يوليو 2022 - AFP

شارك القصة
Resize text
بغداد-

يصارع نهر دجلة في العراق خطر الجفاف بعدما كان يروي حضارات عدن وسومر وبابل عبر التاريخ، إذ يهدّد النشاط البشري والتغيّر المناخي بمحو شريان حياة عمره آلاف السنين.

والعراق، الذي يبلغ عدد سكانه 42 مليوناً، ويعتبر مصدراً للحضارة وللزراعة، يصارع يومياً خطر الكوارث الطبيعية التي لا تعد ولا تحصى.

ومع دخول شهر أبريل، تبدأ درجات الحرارة في الصعود لتتجاوز 35 درجة مئوية، مصحوبة بعواصف رملية تغطي مساحات شاسعة من البلاد. ثم يحل فصل الصيف، والذي تصل الحرارة فيه إلى 50 درجة مئوية، مصحوبة بانقطاعات الكهرباء بسبب زيادة الضغط على الشبكة.

سدود تركيا

أصبح العراق اليوم واحداً من أكثر 5 بلدان في العالم عرضة لعواقب تغيّر المناخ، بحسب الأمم المتحدة، مع الجفاف وانخفاض نسبة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة والتصحّر المتسارع.

وتأثّر نهر دجلة بذلك مع تراجع الأمطار، وكذلك بسبب السدود المبنية في تركيا حيث ينبع النهر.

تبدأ الرحلة العراقية لنهر دجلة في جبال كردستان عند تقاطع العراق وسوريا وتركيا. هنا، يكسب السكان لقمة عيشهم من خلال زراعة البطاطا وتربية الأغنام.

وقرب المثلث الحدودي مع سوريا وتركيا، يقول بيبو حسن دولماسا المتحدّر من قرية زراعية في منطقة فيشخابور، والبالغ 41 عاماً: "حياتنا تعتمد على دجلة. عملنا وزراعتنا يعتمدان عليه". ويضيف: "إذا انخفض منسوب المياه، ستتأثر زراعتنا ومنطقتنا بالكامل". 

ويوضح "إن المياه تتناقص يوماً بعد يوم. من قبل كانت المياه تتدفق في سيول".

وتتهم السلطات العراقية والمزارعون الأكراد في العراق تركيا بقطع المياه عن طريق احتجازها في السدود التي أنشأتها على المجرى، قبل وصوله الى العراق.

وتؤكد الإحصاءات الرسمية ذلك، فمستوى نهر دجلة لدى وصوله من تركيا هذا العام لا يتجاوز 35% من متوسط الكمية التي تدفقت على العراق خلال 100 العام الماضية.

وكلما ازداد احتجاز المياه، قلّ تدفق النهر الذي يمتدّ على 1500 كيلومتر يجتازها نهر دجلة قبل أن يندمج مع توأمه نهر الفرات، ويلتقيان في شط العرب الذي يصب في الخليج.

وتطلب بغداد بانتظام من أنقرة الإفراج عن كميات أكبر من المياه. ورداً على ذلك، دعا السفير التركي لدى العراق علي رضا غوني في يوليو العراقيين إلى "استخدام المياه المتاحة بفعالية أكبر". وأضاف: "المياه مهدورة على نطاق واسع في العراق".

ويتحدث خبراء عن أساليب ريّ "طائشة" كما في زمن السومريين، إذ يستمر المزارعون العراقيون في إغراق حقولهم لريّها، ما يؤدي إلى هدر هائل في المياه، وفق "فرانس برس".

خفض مساحات الزراعة

في بعض الأماكن، يبدو النهر مثل برك ناتجة عن مياه الأمطار. فالتجمعات الصغيرة للمياه في مجرى نهر ديالى هي كل ما تبقى من رافد نهر دجلة في وسط العراق، الذي من دونه لا يمكن زراعة أي شيء في المحافظة.

وبسبب الجفاف، خفضت السلطات هذا العام المساحات المزروعة في كل أنحاء البلاد إلى النصف. ونظراً إلى أن لا مياه كافية في ديالى، فلن يكون هناك حصاد.

ويشكو المزارع أبو مهدي (42 عاماً) قائلاً: "سنضطر إلى التخلي عن الزراعة وبيع ماشيتنا، ونرى أين يمكننا أن نذهب".

ويضيف: "لقد شردتنا الحرب (إيران والعراق في الثمانينات). الآن سنهاجر بسبب المياه. بدون الماء، سنصبح نازحين، ولا يمكننا مطلقاً العيش في هذه المناطق".

ويتابع أبو مهدي: "استدنتُ لحفر بئر عمقه 30 متراً، لكنه كان فشلاً تاماً"، موضحاً أن المياه المالحة لا يمكن حتى استخدامها في الري أو للحيوانات.

هجرة الأرياف

وبحلول عام 2050 "سيؤدي ارتفاع الحرارة درجة مئوية واحدة وانخفاض تساقط الأمطار بنسبة 10%، إلى انخفاض بنسبة 20% في المياه العذبة المتاحة" في العراق، وفق ما حذّر البنك الدولي نهاية العام 2021.

وحذّرت الأمم المتحدة والعديد من المنظمات غير الحكومية في يونيو من أن ندرة المياه والتحديات التي تواجه الزراعة المستدامة والأمن الغذائي، هي من "الدوافع الرئيسية للهجرة من الأرياف إلى المناطق الحضرية" في العراق.

وبحلول نهاية مارس 2022، نزحت أكثر من 3300 أسرة بسبب "العوامل المناخية" في 10 مقاطعات من وسط البلاد وجنوبها، وفقاً لتقرير نشرته المنظمة الدولية للهجرة في أغسطس.

كان منسوب نهر دجلة هذا الصيف، منخفضاً في بغداد لدرجة أن شباناً يلعبون الكرة الطائرة في وسط النهر. وكانت المياه تصل بالكاد إلى مستوى خصورهم.

وتردّ وزارة الموارد المائية ذلك إلى "الرواسب الرملية". فنظراً إلى أن هذه الرواسب لم تعد تنصرف باتجاه الجنوب بسبب نقص تدفّق المياه، تراكمت في قاع دجلة واختلطت بالمياه المبتذلة، ما أدى إلى صعوبة تدفق مياه النهر.

حتى وقت قريب، كانت الحكومة ترسل آلات لشفط الرمال الراكدة في قاع النهر، لكن بسبب نقص الموارد، توقّفت غالبية المضخات عن العمل.

وتقول الناشطة البيئية هاجر هادي (28 عاماً) إن هناك "قلة إدراك" لحجم المشكلة من جانب الحكومة والسكان، علماً أن "العراقيين يشعرون بالتغيرات المناخية التي تترجم بارتفاع درجات الحرارة وانخفاض منسوب المياه، وتراجع هطول الأمطار والعواصف الترابية".

ودرست الشابة علوم الحياة في الجامعة، وهي تعمل منذ عام 2015 مع منظمة "المناخ الأخضر" العراقية غير الحكومية خصوصاً في منطقة الأهوار، لحماية البيئة ودعم السكان الأكثر ضعفاً.

وتضيف: "هذه العواصف الترابية لا تأتي من العدم، بل من زيادة التصحر وقلة المساحات الخضراء". وتوضح أن "نقص المياه من الدول المجاورة يزيد الجفاف وبالتالي التصحر".

تربة مالحة

وفي المحطة الأخيرة في رأس البيشة، على حدود العراق وإيران والكويت، يتدفق شط العرب إلى الخليج.

ويقول الملا عادل الراشد، وهو مزارع نخيل يبلغ 65 عاماً: "انظروا إلى أشجار النخيل هذه، إنها عطشى، تحتاج إلى الماء، هل أرويها بالكوب؟".

ويضيف: "انتهى نهرا دجلة والفرات، لا توجد مياه عذبة، لم تعد هناك حياة، مياه النهر مالحة".

ومع انخفاض منسوب المياه العذبة، بدأت مياه البحر تغزو شط العرب. وتشير الأمم المتحدة والمزارعون إلى أثر تملّح المياه على التربة وانعكاساته على الزراعة والمحاصيل.

ويشتري الملا عادل الراشد المياه العذبة من صهاريج، حتى يتمكن من الشرب هو وحيواناته. ويقول إن الحيوانات البرية "تغامر بالذهاب إلى المنازل للحصول على مياه الشرب من السكان".

ويعود نعيم حداد حافي القدمين بقاربه إلى منزله بعد يوم من الصيد في شط العرب. وعلى أطراف البصرة في أقصى جنوب العراق، تستقبله إحدى بناته الخمس، فيما يعرض كيساً مليئاً بالسمك.

ويقول الرجل الأربعيني: "نكرّس حياتنا للصيد بالتوارث"، مشيراً الى أن ذلك هو مصدر رزقه الوحيد الذي يسمح له بإعالة أسرته المكونة من 8 أفراد. ويضيف: "لا راتب حكومياً، ولا علاوات".

ويتابع حداد قائلاً: "في الصيف، لدينا مياه مالحة، ومياه البحر ترتفع وتصل إلى هنا".

وبلغ مستوى الملوحة في شط العرب في شمال البصرة 6800 جزء في المليون، وفق ما أفادت السلطات المحلية مطلع أغسطس.

ومن حيث المبدأ، لا تتجاوز نسبة الملوحة في المياه العذبة 1000 جزء في المليون، وفقاً لمعايير المعهد الأميركي للجيوفيزياء الذي يحدّد مستوى المياه "المتوسطة الملوحة" بين 3000 و10000 جزء في المليون.

وأدى ذلك إلى هجرة أنواع معينة من أسماك المياه العذبة التي تحظى بشعبية كبيرة لدى الصيادين في شط العرب، ما يتسبب في ظهور أنواع أخرى تعيش عادة في أعالي البحار.

ويقول حداد: "إذا نزلت المياه، انخفض الصيد وقلّت مصادر رزقنا".

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.