
يشكل رجل الأعمال التركي والناشط الحقوقي عثمان كافالا، منذ أكثر من 4 سنوات، مصدراً للتوتر بين تركيا ودول غربية، تتهم أنقرة باعتقاله على خلفية سياسية، فيما تصر السلطات التركية على تورطه في محاولات عدة للإطاحة بالنظام السياسي.
ولد كافالا (64 عاماً) في أسرة تعمل في مجال التبغ، وتنحدر من اليونان، حيث انتقلت أسرة كافالا من شمال اليونان إلى تركيا في عام 1923، ضمن ما عرف ببرنامج التبادل السكاني بين البلدين.
درس كافالا، بحسب موقع منظمة عثمان كافالا، الإدارة في جامعة "الشرق الأوسط التقنية" في أنقرة، والاقتصاد في جامعة مانشستر في المملكة المتحدة، وكان بصدد الحصول على الدكتوراه من جامعة "ذا نيو سكوول للأبحاث الاجتماعية" في نيويورك عام 1982 عندما توفي والده، ليقطع دراسته، ويعود إلى إسطنبول لتولي إدارة مجموعة شركات كافالا.
وبحكم اهتماته الثقافية، وسَّع كافالا الأنشطة التجارية للعائلة لتشمل النشر، حيث أسَّس في عام 1983 دار النشر "منشورات الاتصالات"، التي كانت تُعتبر "مصدراً مهماً للأفكار الديمقراطية" في تركيا في أعقاب الانقلاب العسكري عام 1980، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.
النشاط المدني
ومع انتهاء المواجهات العسكرية بين الجيش التركي والانفصاليين الأكراد في الجزء الجنوبي الشرقي من البلاد، أواخر تسعينات القرن الماضي، عمل كافالا على إطلاق منظمته "معهد الأناضول الثقافي" في عام 2002، لدعم المشاريع الثقافية والاجتماعية، وتنظيم المعارض الفنية في جميع أنحاء البلاد.
ووصفت زوجته آيس بوغرا هذا المشروع، بأنه "محاولة لتوظيف قوة الفن والثقافة في معالجة جراح البلاد"، عقب المواجهات الدامية في ثمانينات القرن الماضي بين الجيش والانفصاليين الأكراد، بحسب "نيويورك تايمز".
كما دعم كافالا، بحسب موقعه، البرامج الثقافية والفنية في كبرى مدن الأكراد ديار بكر، إضافة إلى برامج أخرى لإحياء الذاكرة الثقافية للأرمن، وتشجيع تطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا.
ومثَّل وصول اللاجئين السوريين إلى تركيا عقب اندلاع الحرب الأهلية السورية في عام 2011، مرحلة أخرى مهمة في النشاط الحقوقي لعثمان كافالا، حيث انخرط في البرامج الإنسانية المتعلقة باللاجئين وإعادة توطينهم.
العلاقة مع السلطة
ورغم أنه لم يعرف عن عثمان كافالا الانخراط بشكل مباشر في العمل السياسي، إلا أن اعتقاله المفاجئ في عام 2017، دفع الكثيرين إلى التساؤل عن دوافع هذا الاعتقال وخليفاته.
يرى بعض المقربين من الناشط التركي، بحسب "نيويورك تايمز"، أن أسباب التوقيف تعود إلى "الاختلاف الأيديولوجي"، بينه وبين السلطة، فكافالا يمثل، كما يقول هؤلاء، النخبة العلمانية ذات الميولات اليسارية، وهو ما يجعله على الطرف النقيض، للرئيس رجب طيب أردوغان وأنصاره المعروفين بتوجهاتهم المحافظة.
وقالت مديرة منظمة "معهد الأناضول الثقافي" آسينا جونال، إن "عثمان يمثل ثقافة أخرى، فهو منفتح ومثقف، وناشط اجتماعي، يتحدث الإنجليزية، ويستطيع التواصل مع الأجانب والتحدث إليهم، وهذا أمر يعتبره (أردوغان وأنصاره) خطيراً"، على حد تعبيرها.
لكن بعض المحللين يرون، بحسب "نيويورك تايمز"، أن أنشطة كافالا مع الأرمن والأكراد أثارت سخط بعض عناصر المؤسسة الأمنية في تركيا، فيما وصفه آخرون بأنه مجرد ضحية لصراع داخلي على السلطة في حكومة الرئيس أردوغان.
مسلسل الاتهامات
ويواجه عثمان كافالا اتهامات بتمويل الاحتجاجات الحاشدة في ميدان تقسيم عام 2013، من خلال العمل كقناة وصل مالية بين الملياردير الأميركي جورج سوروس، والمتظاهرين، إضافة إلى التورط في محاولة الانقلاب عام 2016.
وتم اجتجاز كافالا أول مرة في 18 أكتوبر 2017، عقب اجتماع في "معهد جوته" الألماني لبحث مشاريع مشتركة مع منظمة "معهد الأناضول الثقافي".
وفي مطلع نوفمبر 2017 اعتقل كافالا مرة أخرى، باتهامات متعلِّقة بمظاهرات ميدان تقسيم، و"محاولة الإطاحة بالنظام الدستوري"، و"إسقاط الحكومة"، وتم إرساله إلى سجن سلوري شديد التأمين الواقع خارج إسطنبول.
وفي فبراير 2020، تمت تبرئة كافالا من التهم الموجهة إليه، لكنه ما لبث أن واجه مذكرة توقيف أخرى، بتهم مختلفة هذه المرة، تتمثَّل في التورط في محاولة الانقلاب عام 2016.
ورغم تبرئته أيضاً من هذه الاتهامات في مارس من العام نفسه، إلا أنه ظلَّ قيد الحبس الاحتياطي على خلفية اتهامات تتعلق بـ"التجسس السياسي أو العسكري".
دمج القضايا
واستأنفت السلطات التركية دعاواها ضد كافالا في سبتمبر 2020، عندما قدَّم مكتب المدعي العام لائحة اتهامات جديدة، تتضمَّن اتهام كافالا بالتعاون مع الأكاديمي التركي البارز المقيم في الولايات المتحدة هنري جاي باركي، والاضطلاع بدور في محاولة الانقلاب.
ثم في يناير 2021، تم إبطال حكم التبرئة الصادر في قضية ميدان تقسيم، قبل أن يتم دمج هذه القضية في 28 يوليو 2021 مع قضايا أخرى ضد 3 مجموعات من المتهمين، لإنشاء قضية جديدة ضد 52 شخصاً ممن شاركوا في مظاهرات ميدان تقسيم.
ويعد كافالا أبرز شخص في هذه المجموعة، التي ضمَّت مشجعي كرة القدم، والخبراء البيئيين، والفنانين، وقد حدَّدت المحكمة 26 نوفمبر المقبل موعداً للجلسة المقبلة.
وفي رد على محاكمته، قال كافالا: "أعتقد أن السبب الحقيقي وراء اعتقالي المستمر، هو حاجة الحكومة إلى الإبقاء على رواية ارتباط احتجاجات جيزي (2013) بمؤامرة أجنبية حية".
وأضاف، بحسب وكالة "فرانس برس": "بما أنني متهم بكوني جزءاً من هذه المؤامرة المزعومة التي نظمتها قوى أجنبية، فإن إطلاق سراحي سيضعف هذه الرواية المشكوك فيها، وهذا ليس شيئاً توده الحكومة".
العلاقة مع سوروس
وتعد العلاقة ما بين عثمان كافالا والملياردير الأميركي المثير للجدل جورج سوروس، من المسائل التي دائماً ما تثيرها الدوائر المقربة من الرئيس أردوغان، باعتبارها مظهراً من مظاهر صلات كافالا الخارجية التآمرية.
وعقب عودته من جولته الإفريقية الأخيرة، وصف الرئيس التركي كافالا بأنه من "بقايا سوروس"، في إشارة لهذه العلاقة، حيث يعد الناشط التركي أحد مؤسسي "منظمة المجتمع المنفتح" التابعة لسوروس في تركيا، كما عمل عضواً في مجلس إدارتها.
وكان أردوغان اتهم سوروس بدعم كافالا في تمويل متظاهري تقسيم في 2013، والذين يعتبرهم الرئيس التركي أول تحدٍّ صريح لسلطته، والحلقة الاستهلالية في سلسلة من الأحداث قادت لمحاولة الانقلاب في 2016.
وتوضيحاً لملابسات هذه العلاقة، أصدر كافالا، الجمعة، بياناً أكد فيه أن مؤسسة سوروس كانت تعمل في تركياً وفقاً لأنظمة البلاد، من أجل دعم المنظمات غير الحكومية، مشيراً إلى أنه لم يسبق له أن عمل مديراً للمنظمة، كما أنه لم تكن لديه السلطة لتمثيل المنظمة أو جورج سوروس.
وأوضح أن اجتماعاته مع سوروس خلال الزيارات التي كان الأخير يجريها لتركيا، جاءت في إطار عمله عضواً في مجلس إدارة "منظمة المجتمع المنفتح"، وتركَّزت حول أنشطة المجتمع المدني ذات الصلة بعمل المنظمة.
وقال كافالا: "على حد علمي، فإنَّ السيد أردوغان التقى بسوروس قبل تأسيس منظمة المجتمع المفتوح، كما أن أعضاء في حزب العدالة والتنمية، ومستشارين للرئيس كانوا على اتصال بسوروس إلى ما بعد زيارته الأخيرة إلى تركيا في نوفمبر 2015"، مؤكداً أنه "لم يكن جزءاً من هذه الاتصالات، كما أنه يجهل مضامينها".
انتقادات دولية
وأثار حبس الناشط عثمان كافالا دون محاكمة انتقادات دولية، واتهامات لأنقرة بانتهاك معاهدات حقوق الإنسان.
وأصدر مجلس أوروبا لحقوق الإنسان في 17 سبتمبر الماضي، إنذاره الأخير لتركيا بالإفراج عن كافالا، محذراً من أنَّ "إجراءات الانتهاك" ضد أنقرة ستبدأ في نهاية نوفمبر المقبل إذا لم يتم الإفراج عن كافالا بحلول ذلك الوقت.
وحثَّ سفراء ألمانيا وكندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وهولندا ونيوزلندا والنرويج والسويد والولايات المتحدة، على إيجاد "حل عادل وسريع" لقضية كافالا، داعين في بيان مشترك الاثنين الماضي، تركيا إلى الامتثال لقرارات مجلس أوروبا، الهيئة الحقوقية التي انضمَّت إليها أنقرة في عام 1950.
وقال السفراء في البيان إنَّ "التأخير المستمر في محاكمة كافالا، يلقي بظلال من الشك على احترام الديمقراطية، وحكم القانون، والشفافية في النظام القضائي التركي".
بدوره، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، السبت، إنه أمر وزارة الخارجية باعتبار سفراء 10 دول، من بينها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا "أشخاصاً غير مرغوب فيهم"، بسبب دعوة تلك الدول إلى الإفراج عن كافالا.
اقرأ أيضاً:




