Open toolbar

وزيرة الدفاع الألمانية كريستين لامبريشت تجلس فوق دبابة خلال زيارتها لقاعدة مونستر - ألمانيا- 7 فبراير 2022 - REUTERS

شارك القصة
Resize text
دبي-

تعتزم ألمانيا القيام بدور جديد في سياساتها الأمنية والدفاعية لمواكبة "التحديات العسكرية"، وذلك بالتخلي عن معتقداتها منذ انتهاء الحرب الباردة، بأن التجارة والدبلوماسية أقدرُ على إرساء الأمن والسلام من الدبابات والفرقاطات.

وقالت وزيرة الدفاع الألمانية كريستين لامبريشت، خلال ندوة عقدها المجلس الأطلسي بواشنطن، الثلاثاء، إنَّ بلادها تعتزم القيام بدور جديد في سياسات الأمن والدفاع، لافتةً إلى ضرورة التمكن من مواجهة "التحديات الحالية"، بما في ذلك عسكرياً، مع التحول في مواقف برلين إثر الغزو الروسي لأوكرانيا.

وأضافت لامبريشت، أنَّ "ألمانيا وجدت دورها الجديد في سياسات الأمن والدفاع، وهو ما عبَّر عنه المستشار أولاف شولتز بالتحول التاريخي"، مشيرة إلى أنَّ بلادها "ستتولَّى بشكل فاعل هذا الدور في تعاون وثيق مع حلفائها وشركائها في الولايات المتحدة وأوروبا".

وذكرت أنَّ برلين "تعمل على تغيير دستورها من أجل تأمين تمويل مستدام للتحول التاريخي (في سياسات الأمن والدفاع)"، لافتة إلى أنَّ ذلك سيشمل "استثمار المليارات في مشاريع تسلُّح من أجل تقديم القدرات المطلوبة بصورة عاجلة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)".

وأكدت الوزيرة الألمانية أنَّ الحكومة تعمل على "تنفيذ ما تم إقراره، وهو إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، كما أنها تعزز التزاماتها فيما يتعلَّق بخطة المشاركة النووية مع الناتو"، إضافة إلى "شراء مقاتلات إف-35 الأميركية لزيادة قدراتها الردعية".

تحول تاريخي  

ومثَّل الغزو الروسي لأوكرانيا انعطافة تاريخية في الطريقة التي تنظر بها ألمانيا إلى مسائل مثل الأمن والدفاع والإنفاق العسكري.

وقبل 3 عقود، ضم الجيش الألماني نحو 500 ألف جندي، وأكثر من 2000 دبابة، إضافة إلى ما يقرب ألف طائرة مقاتلة، وهي تجهيزات كانت كافية آنذاك، بحسب "بلومبرغ"، للوفاء بالالتزامات الدفاعية للبلاد، حال تحولت الحرب الباردة إلى مواجهة مباشرة.

لكن مع سقوط الاتحاد السوفيتي، بدأت ألمانيا تدريجياً في تقليص نفقاتها الدفاعية، وإلغاء التجنيد الإجباري، والحد من التجهيزات العسكرية، مع إعادة ضبط قواتها من أجل نوع جديد من المهام، كالتدخلات السريعة خارجياً عبر القوات الخاصة.

وفي أعقاب النظام العالمي الناشئ آنذاك، اعتقدت ألمانيا أنَّ التجارة والدبلوماسية والمساعدات الاقتصادية أقدرُ على إرساء الأمن من الدبابات والفرقاطات والطائرات الحربية، التي بدت وكأنها أمر مكلف ينتمي إلى الماضي.

لكن بعد يومين فقط من الغزو الروسي لأوكرانيا، أعلنت ألمانيا تحولاً كبيراً فيما يتعلق بتموضعها الدفاعي، وحجم الإنفاق العسكري، فالدولة التي لم تنفق أكثر من 2% من ناتجها المحلي على الدفاع منذ عام 1990 قرَّرت زيادة الإنفاق العسكري إلى أكثر من 2% بدءاً من العام الحالي.

كما أنشأت صندوقاً خاصاً بقيمة 100 مليار يورو للاستثمار في تجهيز القوات المسلحة الألمانية، وتزويدها بالقدرات العسكرية الضرورية.

وتضمَّنت التحولات الجديدة قراراً بزيادة نشر القوات الألمانية على الجناح الشرقي للناتو، وشراء مسيرات حربية، والتوجه لامتلاك نحو 30 من مقاتلات "إف-35" الأميركية، و15 طرازاً إضافياً من مقاتلات "يوروفايتر تايفون".

وفي قرار تاريخي آخر، أعلنت الحكومة أنها سترسل مضادَّات للدبابات وأسلحة أخرى إلى أوكرانيا، متخلية عن سياسة طويلة الأمد، لمنع وصول الأسلحة إلى مناطق النزاع.

"الصدمة"

وفسَّرت وزيرة الدفاع الألمانية خلال ندوة "المجلس الأطلسي" التحول بـ"الصدمة" التي أحدثها الغزو الروسي لأوكرانيا في ألمانيا، فالمسافة بين برلين وكييف كما تقول "أقصر من المسافة بين واشنطن وشيكاغو".

وقالت: "حاولنا الاعتماد على المفاوضات والحوار في أوكرانيا حتى اللحظات الأخيرة، ثم اكتشفنا أنَّ كل الاتفاقات والالتزامات كانت أكاذيب، وأن هناك هجوماً وحشياً في أوكرانيا،. والقانون الدولي تم تجاهله.. من هنا قررنا تغيير السياسة، لأن الوضع حولنا تغيَّر بأكمله".

وحول انعكاس هذا التحول على ماضي ألمانيا العسكري، أوردت الوزيرة أنَّ "ألمانيا لديها الكثير من تراكمات الشعور بالذنب فيما يتعلَّق بالجرائم ضد الإنسانية، والدمار الذي أحدثته الحربان العالميتان، لذلك ألزمنا أنفسنا بأن نكون قوة للسلام، انطلاقاً من عزمنا على نشر السلام العالمي".

وأضافت لامبريشت: "لعقود طويلة التزمنا بإسهاماتنا من أجل الدبلوماسية والتكامل والتعددية، كما قدَّمنا إسهامات في مجال الردع وإدارة الأزمات الوطنية، لكننا دائماً كنا واضحين في أنَّ دورنا العسكري يجب أن يكون له حدود لا يتجاوزها، وهذا كان جيداً وناجحاً بالنسبة لنا".

وتابعت: "لكن من الواضح أن تكون قوة للسلام في الوقت الحاضر، يعني شيئاً مختلفاً عمَّا كان عليه الحال قبل 70 أو 30 عاماً، أو حتى 10 سنوات"، مشددة على أن ألمانيا يجب أن تكون "قادرة على التعاطي مع التحديات التي نواجهها حالياً، بما في ذلك عسكرياً".

واعتبرت الوزيرة أنَّه رغم التحول في الموقف الدفاعي إلا أنَّ ألمانيا "ستظل دائماً قوة للسلام، ولن تكون هناك عسكرة للسياسات الألمانية"، مؤكدة أن خيار بلادها الأول "سيكون دائماً الحوار، ولن نتصرف لوحدنا أبداً، وإنما سنكون دائماً في انخراط وثيق مع الاتحاد الأوروبي والناتو والأمم المتحدة".

تسليح أوكرانيا

وقالت الوزيرة إنَّ ألمانيا عملت على إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا في قرار تاريخي، معتبرة أن بلادها أصبحت حالياً ثاني أكبر مزود للأسلحة لأوكرانيا.

وأضافت: "بعد بداية الحرب أصبح من الضروري أن ندعم أوكرانيا ليس بالأموال فقط كما كنا نفعل منذ عام 2014، وإنما بالأسلحة أيضاً ولهذا استخدمنا مخزوننا في القوات المسلحة، كما حصلنا على أسلحة جديدة وقدمناها لأوكرانيا".

وأشارت إلى أن بلادها لديها "قيود معينة" في هذا الصدد، فهي لا تقدم أسلحة ثقيلة مثل الدبابات، مؤكدة حرصها على تجنيب أولئك العاملين في إيصال الأسلحة لأوكرانيا، من أن يصبحوا هدفاً للحرب، ولافتة إلى أنه بات هناك الآن إجراء واضح يتم اتباعه في عملية تسليم الأسلحة لأوكرانيا.

الانتشار العسكري

كشفت وزيرة الدفاع الألمانية أن برلين بدأت تحركاتها الخاصة بمجرد انطلاق الغزو الروسي، إذ سعت فوراً إلى تعزيز قواتها في الجناح الشرقي، وتحديداً في ليتوانيا، كما كثّفت جهودها لمراقبة الأجواء في رومانيا والتشيك.

وقالت إن بلادها تخطط لـ"تقديم مساهمات قوية في الأمن الأوروبي ضمن جهود ليست موازية أو منافسة للناتو، وإنما تتم على نحو تكاملي مع الحلف"، مشيرة في هذا الصدد إلى توجه بلادها لتشكيل قوة للتدخل السريع على المستوى الأوروبي.

وأكدت أن بلادها ستحقق أهداف الناتو بشكل أسرع مما وعدت به، بما في ذلك بناء فرقة عسكرية قتالية بحلول عام 2025، قبل عامين من الموعد المحدد، وهو 2027.

واعتبرت أنَّ "المسألة الآن ليست متعلقة بوجود عدد معين من الجنود أو المجموعات القتالية في كل دولة، وإنما بالنظر فيما نحتاجه فعلاً، لنكون قادرين على الرد بشكل سريع متى دعت الحاجة إلى ذلك".

وحول انتشار القوات الألمانية على المدى الطويل، وما إذا كانت بلادها ستتحول إلى لاعب عسكري دائم، قالت: "المهم هو الاستجابة بشكل سريع، إذ علينا تقديم مساعدة ملموسة عاجلة، أما على المدييْن المتوسط والطويل، فالمهم بالنسبة لنا أن نكون مستعدين بشكل صحيح على الجناح الشرقي".

وكشفت أن ألمانيا ستقدم مساهمة كبيرة في هذ الصدد عبر إرسال أكثر من 15 ألف جندي، ممن سيتم استخدامهم لدعم الجناح الشرقي العام المقبل.

تحديات التحول

لكن على الرغم من الخطط الطموحة لإعادة بناء صورة الجيش الألماني أوروبياً وعالمياً، إلا أنه من الصعب إيجاد حلول سريعة لسنوات من السياسات العسكرية في البلاد.

ومع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا نشر قائد الجيش الألماني الجنرال الفونس ميس، تقييماً لاذعاً للقوات الألمانية، واصفاً الجيش بأنه "مفلس إلى حد ما، وأنَّ الخيارات التي يمكنه تقديمها لصانعي السياسات لدعم التحالف محدودة للغاية"، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

ووفقاً للصحيفة، يعاني الجيش الألماني نقصاً في كل شيء، من السترات الواقية إلى المعدات اللاسلكية التي انتهت صلاحية بعضها منذ 30 عاماً، مشيرة إلى أن سفينة واحدة فقط من كل 3 سفن حربية جاهزة للانتشار، وهو رقم قليل جداً لدرجة أن البحرية تخشى عدم قدرتها على الوفاء بجميع التزاماتها الدولية.

وحتى القوات الألمانية المنتشرة في إطار الناتو في ليتوانيا، تواجه نقصاً في الموارد، فبعض المدرعات عمرها خمسة عقود، وخلال التدريبات الدولية في ليتوانيا، جعلت هذه المعدات القديمة الوحدات الألمانية "الحلقة الأضعف في السلسلة"، بحسب الصحيفة الأميركية.

 واعتبرت "بلومبرغ" أنه إلى جانب حرمان الجيش الألماني من الموارد، فقد ابتلي أيضاً بسوء الإدارة، على حد تعبيرها، إذ استقال بعض وزراء الدفاع نتيجة لفضائح خلال عهدي أنجيلا ميركل وجيرهارد شرودر، وقليل منهم خدم فترة كاملة. 

ولفتت الوكالة إلى أنه حتى أرسولا فون دير لاين، التي كانت وزيرة دفاع لميركل لمدة 5 سنوات قبل أن تصبح رئيسة للمفوضية الأوروبية في عام 2019، واصلت سياسة التخفيضات في مجالات مثل الدبابات.

 وإلى جانب الإدارة، تبرز مشكلة أخرى تتعلق بالإمدادات، إذ يستغرق طلب استبدال قذائف الدبابات حوالي سبعة أشهر للتسليم، ويمكن أن يستغرق تنفيذ عمليات الشراء الأكثر تعقيداً للمعدات مثل ناقلات الجنود المدرعة ما يصل إلى 10 سنوات، وفقاً لشركة "راينميتال"، وهي أكبر شركة دفاعية في ألمانيا.

دروس الحرب

لكن الوزيرة كريستين لامبرشيت تؤكد أن بلادها تعلمت من دروس الحرب في أوكرانيا ضرورة التحرك بسرعة، مشيرة إلى أن هذا سينعكس على قدرة بلادها في تطوير فرق التدخل السريع في الجيش.

كما أنه رغم التوجه الألماني لبذل المزيد على المستوى العسكري، إلا أن الوزيرة تؤكد على حاجة أوروبا إلى الناتو، وقوة الولايات المتحدة.

وشدَّدت على أهمية زيادة الحضور الأميركي في أوروبا، بدلاً من خفض القوات الذي قرره سلف الرئيس الأميركي جو بايدن، في إشارة إلى قرار الرئيس السابق دونالد ترمب تقليص عدد القوات الأميركية في ألمانيا.

وفيما يتعلق بالجوانب الصناعية واللوجيستية، أكدت لامبرشيت أنه "عندما يتعلق الأمر بالصناعة فإن ألمانيا تركز على الإجراءات السريعة والشفافة، وكل ما نحتاج للحصول عليه سنحصل عليه في الإطار الزمني الذي حددناه".

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.