Open toolbar

جنود أميركيون في طريقهم إلى أوروبا - نورث كارولينا - 14 فبراير 2022 - REUTERS

شارك القصة
Resize text
دبي

يدفع غزو روسيا لأوكرانيا إلى تحوّل تاريخي في تفكير الولايات المتحدة بشأن الدفاع في أوروبا، بعد قرارها الرفع من عدد جنودها في القارة الأوروبية. وقد يعني ذلك تعزيز القوة العسكرية الأميركية في أوروبا بشكل لم نشهده منذ الحرب الباردة، اعتماداً على ما سيفعله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفق تقرير لوكالة "أسوشيتد برس".

وأفادت الوكالة أن احتمال توسّع الوجود العسكري الأميركي في القارة يُعدّ تحوّلاً ملحوظاً عما كان عليه الأمر قبل سنتين. ففي عام 2020، أمر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب آلافاً من الجنود الأميركيين بالخروج من ألمانيا، نتيجة غضبه من الحلفاء الأوروبيين لواشنطن.

وبعد أيام من تنصيبه، أوقف الرئيس الأميركي جو بايدن الانسحاب قبل أن يبدأ، وشددت إدارته على أهمية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حتى عندما حدّد بايدن الصين باعتبارها أبرز تهديد بعيد المدى لأمن الولايات المتحدة.

لكن الغزو الروسي لأوكرانيا أوجد "حقبة جديدة من المواجهة المستمرة مع روسيا"، كما قال ألكسندر فيرشبو، وهو سفير أميركي سابق في موسكو ونائب سابق للأمين العام للناتو.

واعتبر أن على الولايات المتحدة، بالتعاون مع حلفائها في الناتو، اتخاذ موقف أكثر قوة للتعامل مع روسيا، بعدما باتت تشكّل تهديداً أكبر، لا سيما في أوروبا الشرقية بسبب قربها من دول البلطيق الثلاث التي كانت جمهوريات سوفيتية سابقة.

وتوجّه وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن إلى أوروبا، الثلاثاء، لإجراء جولة ثانية من المشاورات حول أوكرانيا، بمقرّ الناتو في بروكسل. وسيزور أيضاً دولتين بالحلف في أوروبا الشرقية، هما سلوفاكيا المتاخمة لأوكرانيا وبلغاريا.

وبعد اجتماع للناتو الشهر الماضي، زار أوستن دولتين أخريين ضمن الجناح الشرقي للحلف، هما بولندا وليتوانيا.

انتشار أميركي

خلال الشهرين الماضيين، ارتفع عدد الجنود الأميركيين في أوروبا من نحو 80 ألفاً إلى نحو 100 ألف، وهذا رقم يقارب ذاك المسجّل في عام 1997، عندما بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو توسيع الحلف الذي يرى بوتين أنه يهدّد روسيا، مطالباً بالحد من توسعه.

على سبيل المقارنة، تفيد سجلات وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) بأن الولايات المتحدة كانت في عام 1991 الذي شهد انهيار الاتحاد السوفيتي تنشر 305 آلاف جندي في أوروبا، بما في ذلك 224 ألفاً في ألمانيا. انخفض العدد بشكل مطرد، وبلغ 101 ألف في  2005 ونحو 64 ألفاً عام 2020.

تُصنّف عمليات تعزيز القوات الأميركية هذا العام بأنها مؤقتة، لكن مدة بقائها غير معروفة، علماً أنها تشمل لواء مدرعاً من فرقة المشاة الأولى في ألمانيا، يضمّ نحو 4 آلاف جندي، ولواء مشاة بحجم مماثل من الفرقة 82 المحمولة جواً، في بولندا.

كذلك أُرسلت وحدات من قيادة الجيش إلى بولندا وألمانيا، ومقاتلات من طراز "إف-35" إلى الجناح الشرقي للناتو، ومروحيات هجومية من طراز "أباتشي" إلى دول البلطيق.

"واقع جديد"

وخلصت مراجعة أعدّها البنتاجون أخيراً لوجوده العسكري في كل أنحاء العالم، إلى أن مستويات القوات ومواقعها في أوروبا كانت مناسبة.

ولكن في شهادة أدلت بها أمام لجنة في مجلس النواب، بعد أيام على غزو أوكرانيا، أشارت مارا كارلين، وهي مسؤولة بارزة في وزارة الدفاع الأميركية أشرفت على مراجعة 2021، إلى وجوب مراجعة هذا الاستنتاج. وأضافت أن على البنتاجون أن "يضمن أن لدينا قوة ردع لروسيا، وأننا نستطيع القول بنسبة 150% إن الناتو آمن ومنيع"، ليس فقط في ضوء الغزو الروسي لأوكرانيا، بل أيضاً على المدى البعيد.

هذا الغزو دفع إلى إعادة تفكير في الاحتياجات الدفاعية الإقليمية، ليس فقط من واشنطن ولكن أيضاً من حلفاء أوروبيين، بما في ذلك ألمانيا التي خالفت الشهر الماضي سياستها في الامتناع عن تصدير أسلحة إلى مناطق نزاع، وأرسلت إلى أوكرانيا أسلحة مضادة للدبابات والطائرات. كما التزمت برلين بموازنة دفاعية أكبر بكثير، بعدما تحدثت المستشار الألماني أولاف شولتز عن "واقع جديد".

جيب كالينينجراد

وأشارت "أسوشيتد برس" إلى أن بوتين لم يطالب أوكرانيا بالتراجع عن طموحها في الانضمام إلى الناتو فحسب، بل أصرّ أيضاً على أن يسحب الحلف قواته من جناحه الشرقي. لكن الولايات المتحدة والناتو رفضا ذلك، باعتباره مخالفاً للحقوق الأساسية للدول في تقرير علاقاتها الخارجية، ولالتزام الحلف بتوفير الأمن لجميع أعضائه.

إذا سيطرت روسيا على أوكرانيا بأكملها، فستكون على حدود دول أخرى في الناتو، بما في ذلك رومانيا وسلوفاكيا والمجر، علماً أن لبولندا وليتوانيا حدوداً برية مع جيب كالينينجراد الروسي، مقرّ أسطول البلطيق التابع للبحرية الروسية. وثمة قلق من أن يقرّر بوتين السيطرة على ذاك الممرّ البري الذي يبلغ طوله 95 كيلومتراً ويربط كالينينجراد ببيلاروسيا، بحسب "أسوشيتد برس".

واعتبر ألكسندر فيرشبو أن على الولايات المتحدة والناتو تجاوز اعتمادهما الحالي على مجموعات قتالية خفيفة بحجم كتيبة في أوروبا الشرقية، ونشر قوات بشكل دائم هناك، تكون أضخم حجماً ومزوّدة بأسلحة ثقيلة.

"أزمات عسكرية متقطعة"

يندرج هذا الأمر على الجناح الشرقي للحلف في إطار ما يعتبره بوتين تهديداً لروسيا، متوعداً بأنه لن يتسامح مع ذلك بعد الآن. وطالب بالعودة إلى ترتيبات كانت قائمة في عام 1997، عند توقيع "القانون التأسيسي للناتو وروسيا".

في تلك الوثيقة، أقرّت موسكو بأن الحلف سيمضي في خططه لدعوة بولندا والمجر والتشيك للانضمام إلى الناتو. وذكرت الوثيقة أيضاً أن الحلف سيتخلّى عن "تمركز دائم إضافي لقوات قتالية ضخمة في أراضي الأعضاء الجدد"، إذا تأمّنت "البيئة الأمنية المتوقعة" لذلك.

ورجّح تقرير أعدّه مركز "سكوكروفت للاستراتيجيات والأمن"، التابع لمعهد "أتلانتيك"، ألا يمنع هذا الأمر خيار تعزيز القوات الأميركية في أوروبا الشرقية، معتبراً أن القيود المفروضة على الوجود العسكري للناتو في أوروبا الشرقية، المنصوص عليه في "القانون التأسيسي للناتو وروسيا" لعام 1997، لا تندرج في هذا الإطار، في ضوء الغزو الروسي لأوكرانيا.

وأضاف: "نحن في منطقة جديدة وخطرة، وفي فترة توترات مستمرة، وتحركات عسكرية وتحركات مضادة، وأزمات عسكرية كبرى متقطعة في المنطقة الأوروبية الأطلسية التي ستشهد مداً وجزراً على الأقل لما تبقى من عشرينات القرن الحادي والعشرين، إن لم يكن لفترة أطول".

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.