Open toolbar

جنديان إيرانيان خلال مناورات عسكرية على حدود أذربيجان، 1 أكتوبر 2021 - REUTERS

شارك القصة
Resize text
دبي-

عادت إلى الواجهة مجدداً العلاقات الشائكة بين إيران وأذربيجان، بعدما أثارت مناورات عسكرية نفذتها الأولى على حدود الثانية، غضباً في باكو التي تعتزم تنفيذ مناورات مع أنقرة، في إقليم بأذربيجان، متاخم لإيران.

وحرص الإيرانيون على ربط مناوراتهم في شمال غربي البلاد، بالعلاقات الوثيقة لأذربيجان مع إسرائيل. لكن هذه العلاقات ليست جديدة، إذ بدأت قبل عقود وتتعزّز باستمرار، علماً أن طائرات مسيّرة حديثة اشترتها باكو من تل أبيب، أسهمت في التفوّق العسكري لأذربيجان خلال حرب الـ 44 يوماً مع أرمينيا قبل سنة، في إقليم ناجورنو قره باغ المتنازع عليه. في المقابل، تُعتبر باكو من أبرز مزوّدي الدولة العبرية بالنفط.

وتأتي المناورات بعد توتر بين طهران وباكو، إثر فرض الأخيرة ضريبة على شاحنات تنقل وقوداً وسلعاً، من إيران إلى مناطق أرمنية في قره باغ. كذلك احتجزت السلطات الأذربيجانية سائقَين إيرانيَين، فيما ندد الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، بـ"ازدراء إيران لوحدة أراضي" بلاده، متسائلاً: "هل هذه التجارة مهمة بما يكفي لعدم احترام دولة تعتبرونها صديقة وشقيقة؟".

"لا تلعبوا بذيل الأسد"

كذلك تأتي المناورات الإيرانية بعدما استضافت أذربيجان تدريبات عسكرية مشتركة للمرة الأولى الشهر الماضي، مع القوات الخاصة التركية والباكستانية، في منطقة تبعد 500 كيلومتر عن إيران.

ممثل المرشد الإيراني علي خامنئي في مقاطعة أردبيل، حسن عاملي، علّق على هذه التدريبات، قائلاً: "عشية التدريبات، اختارت صحيفة يني شفق التركية التي تعبّر عن وجهة نظر الحكومة ورئيس تركيا، العنوان التالي لمقابلة مع نائب أذربيجاني: إيران ستختفي من الخريطة". واعتبر أن "أذربيجان وتركيا لم تحترما حقوق إيران، بوصفها جاراً"، ورأى في المناورات الإيرانية على حدود أذربيجان رسالة مفادها: "لا تلعبوا بذيل الأسد".

في السياق ذاته، اعتبر النائب الإيراني أحمد نادري، أن مسؤولين أذربيجانيين يدلون بتصريحات "أكبر من حجمهم وقدرتهم"، فيما رأى زميله، محمد رضا أحمدي سنغاري، أن باكو باتت متعجرفة بعد نصرها العسكري على يريفان في قره باغ، والذي عزاه إلى "منشطات تركية"، في إشارة إلى دعم أنقرة لأذربيجان. وأضاف، في إشارة إلى الأذربيجانيين: "عمر بلدكم الصغير أقلّ من عمر أصغر نوابنا".

ونقلت "إذاعة أوروبا الحرة" (تموّلها واشنطن) عن تورج أتابكي، وهو أستاذ فخري للتاريخ الاجتماعي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بجامعة ليدن في هولندا، قوله إن طهران قلقة من تهميشها، مضيفاً: "لدى تركيا ثاني أضخم جيش في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وباكستان قوة نووية في المنطقة. عندما تنضمّ هاتان الدولتان إلى أذربيجان في مناورات عسكرية، فإن ذلك يقلق روسيا وإيران، والمناورات العسكرية للجمهورية الإسلامية (تعكس) مخاوفها".

تراشق إعلامي

وثمة تراشق إعلامي بين طهران وباكو، إذ إن الصحافي الإيراني حسين داليريان، المحسوب على "الحرس الثوري"، كتب على "تويتر": "تخيّلوا فقط اندلاع حرب مع أذربيجان. يمكن لإيران إطلاق 1000 صاروخ بالستي واستهداف 1000 نقطة أساسية. ستنتهي الحرب خلال يوم واحد. ولن يكون هناك وقت لاستخدام عتاد آخر. لا تهتمّوا لـ"تباهي" المسؤولين الأذربيجانيين.

في المقابل، نشر الموقع الإخباري الأذربيجاني، "أذري تايمز"، تغريدة باللغة الإنجليزية، ورد فيها: "على القلقين بشأن هجوم إيراني محتمل على أذربيجان أن يُدركوا أن لأي هجوم على أذربيجان إمكانات حقيقية لتوريط قوى عظمى، إقليمية وعالمية. مثل هذا السيناريو سيكون فرصة العمر بالنسبة إلى قوى عظمى عالمية للهجوم على إيران، التي تعلم ذلك جيداً أيضاً". واستبعد الموقع "نزاعاً مسلحاً مباشراً" بين باكو وطهران، مرجّحاً أن تتعرّض "طائرات عسكرية إيرانية، أو (أجهزة) أخرى، لضربات عسكرية (مجهولة) من طرف ثالث".

أذريو إيران

خلال عرض عسكري في باكو، في 10 ديسمبر الماضي، نظمته أذربيجان احتفالاً بنصرها على أرمينيا، ألقى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قصيدة أغضبت إيران، إذ اعتبرتها دعوة إلى سلخ أراض لها. القصيدة التي كتبها الشاعر السوفييتي - الأذربيجاني، بختيار وهاب زاده، في القرن العشرين، تشير إلى نهر آرس الذي يشكّل الحدود بين جمهورية أذربيجان والمناطق العرقية الأذرية في شمال غربي إيران. ووَرَدَ في المقطع الذي تلاه أردوغان: "فصلوا نهر آرس وملأوه بحجارة وقضبان. لن أفترق عنك. فصلونا بالقوة".

يثير ذلك ملفاً معقداً في إيران، التي تضمّ بين 15 و20 مليون أذري، يشكّلون أضخم مجموعة عرقية في البلاد، التي يقطنها 85 مليوناً، ويشكون تمييزاً ضدهم، علماً أنهم أكثر من سكان أذربيجان (10 ملايين).

تعهد الرئيس الأذربيجاني الراحل، أبو الفضل إلتشي باي، في مطلع تسعينيات القرن العشرين، بالزحف إلى تبريز، عاصمة مقاطعة أذربيجان الشرقية، في شمال غربي إيران، فيما أن الرئيس الراحل حيدر علييف، الذي تولّى الحكم في عام 1993، ونجله إلهام، الذي خلفه في عام 2003، خفّفا من حدة الخطاب القومي ببلدهما. لكن مصطلحَي "أذربيجان الجنوبية"، في إشارة إلى المناطق التي يقطنها أذريون في إيران، و"أذربيجان الكبرى" المنقسمة، راسخان بقوة في الثقافة السياسية بالبلاد.

"صحوة" وتجسّس

خلال عهد الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، توترت العلاقات مع أذربيجان، لدرجة أن رئيس الأركان الإيراني آنذاك، اللواء حسن فيروز آبادي، هدّد نظام علييف بـ"صحوة الشعب" في بلده، وتابع: "الدماء الإيرانية تتدفق في عروق شعب (أذربيجان)، وقلوبهم تنبض للإسلام".

وأثناء ولاية أحمدي نجاد، أصدرت محكمة في باكو أحكاماً بالسجن لمدد طويلة على 22 أذربيجانياً، أُدينوا بالتجسّس لمصلحة "الحرس الثوري" الإيراني والتخطيط لتنفيذ هجمات ضد أهداف أميركية وإسرائيلية في أذربيجان. في المقابل، ندّدت طهران بتنظيم انفصاليين عرقيين من أذربيجان الإيرانية، مؤتمراً في باكو.

وفي عام 2013، قال النائب منصور حقيقت بور الذي كان نائباً لرئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى (البرلمان) الإيراني، إن 17 مدينة في القوقاز، بما في ذلك العاصمة الأذربيجانية باكو، قد ترحّب بضمّها مجدداً إلى إيران، مضيفاً: "نأمل بأن يتحقق هذا الهدف، من خلال تعاون الناس، ودعم شامل من الهيئات الدولية".

وأفاد موقع "إيران واير" بأن هناك أكثر من 50 موقعاً إلكترونياً نشطاً باللغة التركية الأذرية، مؤيّداً لطهران، مشيرة إلى أن باكو "تراقبها". وأضاف أن السلطات في أذربيجان أمرت "مؤسسة الإمام الخميني الخيرية" بوقف كل نشاطاتها على أراضيها، في عام 2014، في ظلّ اتهامات بدعمها "حركات انفصالية".

النموذج الإيراني وتركيا العلمانية

تقطن أغلبية من الشيعة في أذربيجان وإيران، ولدى عائلات كثيرة فروع على جانبَي الحدود بينهما. وأوردت مجلة "فورين أفيرز" أن هذه القواسم المشتركة يمكن أن تجعل البلدين، "حليفين طبيعيين"، مستدركة أن "العكس هو الصحيح".

وأضافت أن طهران اعترفت بأذربيجان كدولة مستقلة، بعد انفصالها عن الاتحاد السوفييتي، في عام 1991، "على أمل أن تكون بمثابة أرض خصبة لنشر الثورة الإسلامية". ولفتت إلى أن "النخبة الأذربيجانية" لم تهتم بمحاكاة النموذج الإيراني، و"تطلّعت إلى تركيا العلمانية، بوصفها شريكاً سياسياً واقتصادياً رئيساً لها"، علماً أن الأذريين يشتركون مع الأتراك، في العرق واللغة.

وأثار ترويج باكو لفكرة "أذربيجان الكبرى"، التي توحّد جمهورية أذربيجان والمقاطعة الإيرانية، مخاوف في طهران من تأجيج نزعات انفصالية، فدعمت أرمينيا في الحرب مع أذربيجان التي أسفرت عن سيطرتها على قره باغ، في مطلع التسعينيات، وفق المجلة.

لكن طهران أعلنت أيضاً أنها ساندت باكو خلال الحرب، إذ كتب الرئيس الإيراني الراحل، هاشمي رفسنجاني، في مذكراته، أن بلاده أمّنت لأذربيجان تدريباً عسكرياً ومساعدة مالية، في عام 1993.

وروى عبد العلي زاده، الذي كان آنذاك حاكماً لمقاطعة أذربيجان الشرقية، أن "حيدر علييف اتصل بهاشمي رفسنجاني في منتصف الليل، قائلاً: إن لم ترسل لنا خبزاً بحلول الصباح، فلن ننجو. في الليلة ذاتها، اتصل بي الراحل هاشمي وأبلغني بذلك. في صباح اليوم التالي، وصلت شحنتنا الأولى من الخبز إلى باكو قبل الظهر، وفي اليوم ذاته، اتصل حيدر علييف وشكرني".

حرق صور لخامنئي

بعد الحرب الأولى، باتت العلاقات الرسمية بين أذربيجان وإيران أكثر استقراراً، فيما أبقت طهران على علاقاتها الوثيقة مع يريفان. واستقبلت طهران الاثنين وزير الخارجية الأرميني، أرارات ميرزويان، فيما سعى رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، إلى طمأنة إيران بأن بلاده "لم ولن تكون جزءاً من أي مؤامرة ضدها".

وفي الحرب الثانية لقره باغ، أعلنت طهران حيادها، لكنها جهرت لاحقاً بتأييدها لباكو، بعدما شهدت مدن إيرانية يقطنها أذريون، بما في ذلك تبريز وأرومية وأردبيل وزنجان، تظاهرات طالبت بـ"تحرير" الإقليم، وندّد مشاركون فيها بمعلومات أفادت بأن طهران أرسلت شاحنات محمّلة بمساعدات عسكرية إلى يريفان. وهتف محتجون في تبريز: "الأكراد والفرس والأرمن أعداء لأذربيجان".

على رغم ذلك، بقيت العلاقات ملتبسة بين أذربيجان وإيران، وشهدت اعتقال مواطنين من البلدين، بتهم تجسّس، واستدعاء سفيرَيهما، في مايو 2012، بعد احتجاج طهران على حرق صور لخامنئي، خلال تجمّع مناهض لإيران في باكو.

كذلك اتهمت طهران مسؤولين أذربيجانيين بمساعدة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية (موساد)، في اغتيال علماء نوويين إيرانيين، بحسب "فورين أفيرز".

طهران اتهمت باكو أيضاً بالسماح لطائرات مسيّرة إسرائيلية بالتجسس على منشآت نووية في عمق إيران التي "استخدمت شركات واجهة أرمينية، لتجاوز العقوبات الدولية المفروضة" عليها، وفق "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى".

وجنّد "الحرس الثوري" الإيراني أذربيجانيين للقتال في سوريا، في قوة أطلق عليها اسم "حسينيون"، أصدرت محكمة في باكو حكماً بسجن خمسة منهم.

بلاد فارس وروسيا القيصرية

بعد خسارة بلاد فارس حربين ضد روسيا القيصرية، في عامَي 1813 و1828، تنازلت لها عن أغلبية أراضيها في جنوب القوقاز، فأصبح الأذريون المقيمون في شمال نهر آراس، رعايا في روسيا، وبقي أولئك المقيمون جنوب النهر تحت الحكم الفارسي.

وأفاد موقع "ميدان تي في"، الذي أسّسه في برلين، سجين سياسي سابق في أذربيجان، بأن "إيران تقلق قبل كل شيء، من احتمال تشكيل دولة قوية في أذربيجان وطابعها العلماني، ما يؤثر سلباً" في نظامها.

وفي مؤشر محتمل إلى أن العلاقات الشائكة بين باكو وطهران، ستبقى كذلك في المدى المنظور، ذكّر حيدر ميرزا، وهو موظف في "مركز الدراسات الاستراتيجية" التابع للرئاسة الأذربيجانية، بعودة الخميني إلى طهران من باريس، بعد سقوط نظام الشاه، في فبراير 1979، قائلاً: "إذا كان مؤسّس النظام الحالي في إيران عاد من المنفى على متن الخطوط الجوية الفرنسية، فيمكن بسهولة أن ينزل (المؤسّس) التالي من طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية الأذربيجانية".

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.