
تستعد الحكومة الجزائرية للدخول في جولة مفاوضات جديدة مع نظيرتها الفرنسية، بشأن ما يعرف لدى البلدين بـ"ملف الذاكرة المشتركة"، وهي فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر من سنة 1830 إلى 1962.
وستعرض الحكومة الجزائرية خلال الأيام المقبلة أمام البرلمان، في أول دورة له منذ انتخاب أعضائه في يونيو الماضي، مخطط عملها الذي يتضمن محور "استكمال ملفات الذاكرة"، وهو ملف يعيق أي تقارب بين البلدين، رغم تأكيد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون رغبتهما في الدفع بعلاقات باريس والجزائر إلى الأمام.
ويتضمن هذا الملف استرجاع بقية رفات وجماجم المقاومين الجزائريين خلال القرن التاسع عشر، والموجودة داخل متحف الإنسان في باريس، والأرشيف الجزائري خلال فترة الاستعمار وما قبلها. إضافة إلى التجارب النووية في الصحراء الجزائرية، والمفقودين خلال حرب التحرير (1954 – 1962)، والملفات الأخرى المرتبطة بالمنفيين والمهجّرين، وجميع ما تعتبره الجزائر "جرائم استعمارية ارتكبت إبان فترة الاحتلال"، بحسب ما أوردت صحيفة "الشروق" الجزائرية.
استرجاع بقية الجماجم
مخطط الحكومة الجزائرية لم يفصّل طبيعة مشاريع القوانين التي ستطرحها لاحقاً على البرلمان، لكن صحيفة "الشروق" ذكرت أن الحكومة التي يرأسها وزير المالية أيمن بن عبد الرحمن قررت الذهاب بعيداً في ملف "الذاكرة الوطنية"، خصوصاً ما يتعلق باسترجاع كل رفات المقاومين الجزائريين.
وكانت الجزائر في 5 يوليو 2020 استقبلت رفات 24 مقاوماً، من بينهم رفات الشيخ بوزيان زعيم "انتفاضة الزعاطشة" شرق الجزائر عام 1849. وكان هو ورفاقه قد ألقي القبض عليهم وقطعت رؤوسهم بعد قتلهم وتم نقلها إلى باريس. وكان الجنود الفرنسيون يعتبرون هذه الجماجم "غنائم حرب".
وتحتفظ فرنسا بعدد أكبر من جماجم المقاومين الجزائريين، وهي محل مطالب من قبل السلطات الجزائرية باسترجاعها.
وتسعى الحكومة الجزائرية لاسترجاع أرشيفها الذي تم نقله سابقاً إلى فرنسا بعد الاستقلال في عام 1962.
وأشارت "الشروق" إلى أن المفاوضات السابقة بين البلدين "أثبتت أن باريس غير جادة"، إذ إنها سلمت نحو 0.2% فقط من هذا الأرشيف.
كما أن هناك ملفات أخرى يبحثها البلدان، وهي تلك المتعلقة بالمفقودين إبان حرب التحرير، ممن خطفهم الجيش الفرنسي وأخضعهم للتعذيب، مثل جريمة تصفية المناضل علي بومنجل الذي اعترف ماكرون في مارس الماضي بأنه تم تعذيبه وقتله على يد الجيش الفرنسي.
وسيتم تسليط الضوء أيضاً على قضية المنفيين والمهجّرين الجزائريين، والذين رُحّلوا قسراً إلى مناطق بعيدة جداً، وأغلبهم إلى كاليدونيا الجديدة في المحيط الهادئ.
التفجيرات النووية
التفجيرات النووية تعتبر من أبرز مسائل الخلاف بين الجزائر وفرنسا، خصوصاً أن باريس ترفض إلى اليوم كشف مكان نفاياتها النووية، أو منح تعويضات للأشخاص المتضررين.
وتطالب الجزائر بتسليمها خارطة التفجيرات النووية، مع تحمّل أعباء تنقية مناطق التجارب ومحيطها من الإشعاعات النووية، وتعويض الضحايا مالياً والتكفل بهم صحياً.
ورغم سَنّ باريس "قانون موران" عام 2010، الذي ينظم آلية تعويض المتضررين من الإشعاعات، إلا أن الحكومة الفرنسية لم تعوّض أي جزائري، رغم تسبب هذه الإشعاعات في أمراض مزمنة، بحسب ما كشفته الحكومة الجزائرية.
وفي 8 أبريل الماضي، دعا رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق سعيد شنقريحة نظيره الفرنسي فرانسوا لوكوانتر، خلال استقباله في العاصمة الجزائر، إلى تسليم خرائط مخلفات التجارب النووية التي أجريت جنوب الجزائر، والتي تعتبرها باريس سراً عسكرياً.
ونفّذت فرنسا التي احتلت الجزائر، بين عامي 1830 و1962، 17 تجربة نووية في الصحراء بين 1960 و1966 في منطقتي "رقان" و"إن إيكر" أقصى الجنوب الجزائري.
وكانت السلطات الفرنسية أكدت بعد ثلاثة أيام من أول تجربة نووية بالجزائر، في 13 فبراير 1960، أن الإشعاع أدنى من مستويات السلامة المقبولة. لكن وثائق رفعت عنها السرية في عام 2013 أظهرت أن الإشعاع أعلى بكثير مما أعلن حينها، ويصل إلى كامل غرب إفريقيا وجنوب أوروبا.
وجرت 11 من تلك التجارب، وجميعها تحت الأرض، بعد توقيع اتفاقات إيفيان عام 1962، التي قادت إلى استقلال الجزائر، ولكنها تضمنت بنوداً تسمح لفرنسا باستعمال مواقع في الصحراء حتى عام 1967.
ووفق دراسات تاريخية تم إجراؤها في الجزائر، تسببت 17 تجربة نووية قامت بها فرنسا في الصحراء الجزائرية، ما بين 1960 و1966، في مقتل 42 ألف جزائري وإصابة آلاف آخرين بإشعاعات نووية.




