Parallel Tales.. عندما يضيع الإنسان داخل أفكار أصغر فرهادي | الشرق للأخبار
خاص

Parallel Tales.. عندما يضيع الإنسان داخل أفكار أصغر فرهادي

time reading iconدقائق القراءة - 6
الملصق الدعائي لفيلم Parallel Tales للمخرج أصغر فرهادي - المكتب الإعلامي للشركة المنتجة
الملصق الدعائي لفيلم Parallel Tales للمخرج أصغر فرهادي - المكتب الإعلامي للشركة المنتجة

منذ بداياته، بنى المخرج الإيراني أصغر فرهادي عالمه السينمائي على البشر أكثر من الأفكار، شخصياته كانت دائماً تبدو وكأنها خرجت للتو من الحياة اليومية: أسر مفككة، أزواج يختنقون بالأسرار، وطبقات اجتماعية تتصارع تحت ضغط أخلاقي ونفسي متواصل. 

لهذا جاءت أفلام مثل A Separation وThe Salesman وA Hero حافلة بذلك التوتر الواقعي الذي جعل فرهادي واحداً من أهم مخرجي السينما الإنسانية في العالم خلال العقدين الأخيرين.

لكن فيلمه الجديد Parallel Tales، المعروض ضمن المسابقة الرسمية للدورة ٧٩ لمهرجان كان السينمائي، يذهب في اتجاه مختلف تماماً، هنا لا ينشغل فرهادي بالواقع الاجتماعي بقدر انشغاله بفكرة المراقبة نفسها، وبالعلاقة المرتبكة بين ما نراه وما نتخيله، وبين البشر الحقيقيين والنسخ التي نصنعها عنهم داخل رؤوسنا.

المخرج  الإيراني الذي أصبح واحداً من الأسماء الثابتة داخل المهرجان خلال السنوات الأخيرة منذ The Past، ثم The Salesman الذي فاز بجائزة أفضل سيناريو قبل أن يحصد لاحقاً أوسكار أفضل فيلم أجنبي، وصولاً إلى Everybody Knows وA Hero، طوال تلك الرحلة، ارتبط اسمه بقدرته على تقديم دراما أخلاقية مشدودة الأعصاب، بسيطة في ظاهرها، لكنها معقدة إنسانياً، لهذا يبدو Parallel Tales كأنه محاولة واعية للهرب من تلك المنطقة المألوفة، حتى لو قادته هذه المحاولة إلى عمل أقل تماسكاً من أفلامه السابقة.

الفيلم يبدأ من عزلة روائية فرنسية ستينية تدعى "سيلفي"، تؤدي دورها إيزابيل أوبير، تعيش داخل شقة باريسية قديمة تبدو مثل امتداد لشخصيتها المنطفئة، تراقب من نافذتها استوديو تسجيل صوتي في المبنى المقابل، وتبدأ في اختراع حياة كاملة للعاملين داخله. امرأة شابة، مدير أكبر سناً، وزميل آخر أصغر عمراً، من خلال المنظار، ومن خلال الكتابة، تتحول المراقبة إلى إعادة خلق للواقع نفسه.

بين فرهادي وكيشلوفسكي 

في البداية، يبدو الفيلم وكأنه يدخل منطقة أفلام التلصص الكلاسيكية، مستدعياً بشكل واضح أجواء Rear Window وBlow-Up، لكنه هنا في الأساس يستند إلى فيلم A Short Film About Love للمخرج كريستوف كيشلوفسكي، الذي يستعير منه فرهادي الفكرة الأساسية: شخص يراقب آخرين من بعيد، قبل أن يبدأ الخيال في التداخل مع الحقيقة.

غير أن الفارق بين الفيلمين يكشف أزمة Parallel Tales الأساسية، كيشلوفسكي كان يستخدم التلصص لفهم الوحدة والرغبة والحرمان الإنساني، بينما يتحول الأمر عند فرهادي إلى لعبة ذهنية معقدة أكثر مما ينبغي، الفيلم يبني متاهة من القصص المتداخلة والنسخ المتخيلة والواقع البديل، لكنه يفقد تدريجياً الرابط العاطفي مع شخصياته.

لاحقاً يدخل “آدم”، الشاب المشرد الذي يؤدي دوره آدم بيسا، ليعثر على مخطوطة الرواية ويبدأ في التعامل معها كأنها حقيقة يجب أن تتحقق، هنا يحاول الفيلم الانتقال من التأمل النفسي إلى الإثارة، لكن التحول لا يبدو متماسكاً بالكامل، آدم ليس شخصية مكتملة بقدر ما يبدو أداة لتحريك الفكرة، وهذا ما يجعل حضوره بارداً رغم أهميته داخل البناء الدرامي.

لعبة سردية

واحدة من أكثر مشكلات الفيلم وضوحاً هي أن فرهادي، الذي اعتاد استخراج التوتر من أبسط التفاصيل اليومية، يبدو هذه المرة مفتوناً بالبناء النظري أكثر من البشر أنفسهم، الشخصيات تتحرك أحياناً كأنها أجزاء داخل لعبة سردية، وليس ككائنات حقيقية تملك دوافع واضحة أو مشاعر معقدة، حتى العلاقات العاطفية داخل الفيلم تبدو أقرب إلى تصورات روائية عنها إلى علاقات حقيقية نابضة بالحياة.

كذلك يفقد الفيلم تدريجياً إيقاعه، فبعد افتتاحية تحمل قدراً من الغموض والجاذبية، يبدأ السرد في الدوران داخل نفسه، تتكرر مشاهد المراقبة، ويتوسع الخط الفاصل بين الحقيقة والخيال إلى درجة يصبح معها الفيلم أقل إثارة بدلاً من أن يصبح أكثر عمقاً.

اقرأ أيضاً

أفلام العزلة والهوية تتصدر ثاني أيام مهرجان كان السينمائي

شهد ثاني أيام مهرجان كان نقاشات حول الذكاء الاصطناعي في السينما، إلى جانب عروض لأفلام ركزت على العزلة والتحولات النفسية للشخصيات

ورغم ذلك، لا يخلو Parallel Tales من لحظات لافتة، خصوصاً في تعامله مع الصوت، فكون الشخصيات تعمل داخل استوديو للمؤثرات الصوتية يمنح الفيلم مساحة ذكية للحديث عن كيفية "صناعة" الواقع سينمائياً، أصوات الأقدام، الطيور، الحيوانات، وحتى الصمت نفسه، تتحول إلى جزء من فكرة أكبر: العالم ليس كما نراه فقط، لكنه كما نعيد تركيبه داخل أذهاننا.

أكبر مشكلة في الفيلم ربما تكمن في أنه يريد أن يكون غامضاً أكثر من كونه مؤثراً، يريد أن يناقش الخيال والواقع والتجسس والكتابة والهوية، لكنه يظل يدور حول هذه الأفكار أكثر مما يغوص داخلها فعلاً، وفي اللحظة التي يحاول فيها الانتقال إلى مناطق أكثر قتامة قرب النهاية، لا يكون البناء الدرامي قد منح الشخصيات العمق الكافي لتحمل هذا التحول.

يبدو Parallel Tales كفيلم لمخرج يسعى لإعادة اكتشاف نفسه خارج منطقته المعتادة، لكنه يفقد خلال الرحلة ذلك الصفاء الإنساني الذي صنع أعظم أفلامه، العمل ليس فاشلاً بصورة كاملة، لكنه أيضاً بعيد عن القوة الأخلاقية والعاطفية التي جعلت سينما أصغر فرهادي واحدة من أهم تجارب السينما المعاصرة.

تصنيفات

قصص قد تهمك