Fjord.. عن العائلة والسلطة وحدود الحرية | الشرق للأخبار
خاص

Fjord.. عن العائلة والسلطة وحدود الحرية

time reading iconدقائق القراءة - 6
مشهد من الفيلم الروماني Fjord للمخرج الروماني كريستيان مونجيو - المكتب الإعلامي لمهرجان كان السينمائي
مشهد من الفيلم الروماني Fjord للمخرج الروماني كريستيان مونجيو - المكتب الإعلامي لمهرجان كان السينمائي
كان (جنوب فرنسا) -

في فيلمه الجديد Fjord، لا يبدو المخرج الروماني كريستيان مونجيو مهتماً بأن يمنحنا كمتفرجين راحة الإجابة على أي تساؤل، ولا أن يضعنا في صف واضح ضد صف آخر، ما فعله هنا هو أنه تركنا داخل مساحة قلقة، رمادية، مفتوحة، تتداخل فيها العدالة مع القسوة، والحرية مع الخطر، وحماية الأطفال مع احتمال مصادرة حق الأسرة في أن تكون مختلفة، من هنا تحديداً استمد الفيلم قوته، وأصبح جديراً بالسعفة الذهبية الثانية لمخرجه من مهرجان كان السينمائي، بعد 19 عاماً من الأولى له عن فيلم 4 Months, 3 Weeks and 2 Days.

تبدأ الحكاية من عائلة تنتقل من رومانيا إلى قرية نرويجية هادئة، تقع على مضيق بحري بارد وجميل، ميهاي، الذي يؤديه سيباستيان ستان بأداء مكبوت ومخيف في هدوئه، أب روماني متدين ومحافظ، متزوج من ليزبيت، النرويجية التي تجسدها ريناته راينسفي بحس داخلي عميق، كأنها امرأة تقف دائماً على الحافة بين الإيمان والخوف، لديهما خمسة أطفال، ونظام صارم للحياة يشمل صلاة يومية، قراءة في الكتاب المقدس، ابتعاد عن الهواتف وألعاب الفيديو والموسيقى الدنيوية، وانضباط عائلي لا يترك مساحة كبيرة للعفوية.

في البداية، تبدو هذه العائلة كجسم غريب داخل القرية النرويجية التقدمية، السكان ودودون، المدرسة منظمة، المؤسسات حاضرة، لكن ما إن تظهر كدمات على جسد الابنة الكبرى إيليا، حتى تتحرك آلية حماية الطفل بسرعة كبيرة، وتبدأ العائلة في الانهيار، يتم استجواب الأطفال، وتدخل الدولة إلى أكثر المناطق حساسية في الحياة الخاصة وهي علاقة الآباء بأبنائهم. 

من هذه اللحظة، يتجاوز Fjord كونه فيلماً عن واقعة إساءة محتملة فحسب، إلى ما هو أبعد، إلى فكرة الصدام الكامل بين ثقافتين، ونظامين أخلاقيين، وفهمين مختلفين لمعنى التربية والحرية والسلطة.

عن الهجرة وصدام القيم

براعة مونجيو تتجلى في أنه لا يبرئ العائلة، ولا يدينها بسهولة، ميهاي ليس ضحية بريئة تماماً، ولا وحشاً كاملاً، هو أب مؤمن بأنه يحمي أبناءه من عالم يراه فاسداً، لكنه في الوقت نفسه يحمل قسوة أبوية لا يمكن تبريرها بسهولة، وليزبيت قد تبدو في الظاهر مجرد زوجة تابعة، ولكنها في الحقيقة شخصية معقدة ومغلقة، تحمل داخلها توتراً صامتاً بين أفكارها القديمة وانتمائها الجديد لهذا البيت المحافظ. 

أما الأطفال، فهم مركز الألم الحقيقي في الفيلم، خاصة حين يستخدم مونجيو حضورهم ليجعلنا نتساءل عن هل تقتضي حمايتهم بالضرورة انتزاعهم من بيتهم؟ وهل بقاءهم في البيت يعني قبول العنف أو التغاضي عنه؟

هذه الأسئلة هي جوهر الفيلم وجوهرته، وهي أيضاً سبب تميزه، حين يتجنب مونجيو الأحكام السريعة، ويختار البطء والتعقيد، لا يرفع لافتة ضد الدولة، ولا يصفق للمؤسسة، لا يتعامل مع التدين المحافظ باعتباره مجرد اضطهاد يتعرض له أصحابه، ولا باعتباره خطراً يجب استئصاله، هو في هذا الفيلم يختبر الجميع بداية من الآباء والمدرسة، مروراً بالقانون والمجتمع الليبرالي، وحتى المشاهد نفسه، الذي يجبره الفيلم أن يسأل، هل يدافع عن الحرية فقط عندما تشبهه؟ وهل يقبل تدخل الدولة فقط حين يكون ضد من يختلف معهم؟

بهذا المعنى، يعتبر Fjord فيلماً عن أوروبا المعاصرة، وربما عن العالم كله، وليس النرويج أو رومانيا وحدهما، هو فيلم عن الهجرة التي تتحول إلى صداماً بين منظومات القيم أكثر من كونها انتقالاً جغرافياً فقط، عن الديمقراطية حين تكتشف أن اختبارها الأصعب يأتي في التعامل مع الأفكار المزعجة والمرفوضة والمقلقة، وليس فقط الأفكار المقبولة.

تصدعات غير مرئية

على المستوى البصري، يستفيد الفيلم بذكاء من طبيعة المكان، المضيق البحري مرآة لحالة الشخصيات، وليس مجرد خلفية جميلة، المياه الباردة، الجبال الصامتة، الثلوج التي تتراكم ثم تنهار، كلها عناصر تمنح الفيلم إحساساً بأن الطبيعة هادئة من الخارج، لكنها قابلة للانفجار في أي لحظة، اللقطات الواسعة، برود الألوان، المسافات بين الشخصيات داخل الكادر، كلها تؤكد أن هذا العالم منظم ظاهرياً، لكنه مليء بتصدعات غير مرئية.

أداء سيباستيان ستان يستحق وقفة خاصة، بعيداً عن صورته الهوليوودية المعروفة، يقدم هنا شخصية صعبة، غير محبوبة غالباً، لكنها ليست مسطحة، صمته ثقيل، نظراته محسوبة، وطريقته في الحديث تحمل يقيناً مزعجاً، أما ريناته راينسفي، فتقدم أداءً أقل صخباً وأكثر إيلاماً، كأن ليزبيت تعيش داخل غرفة داخلية لا يراها أحد، قوتها في امتناعها عن الشرح، وفي قدرتها على جعل الصمت مساحة درامية.

ربما يكون الفيلم طويل (146 دقيقة)، لكنه لا يبدو مترهلاً، امتداده الزمني جزء من تجربته الأخلاقية، مونجيو يريدنا أن نبقى داخل المسألة، دون أن نمر عليها بسرعة، وذلك من خلال جلسات التحقيق، المواجهات القانونية، توتر الجيران، احتجاجات ميهاي، كلها خيوط لا تتجمع في إجابة نهائية بقدر ما تصنع شبكة من الالتباسات. 

ولعل ما جعل Fjord جديراً بالسعفة الذهبية هو أنه حقق ما يفترض أن تفعله السينما الكبرى في مهرجان مثل كان، حيث يفتح جرحاً فكرياً وأخلاقياً يصعب إغلاقه بعد الخروج من القاعة، ولا يكتفي بأن يكون جيد الصنع، أو مهماً في موضوعه فقط. 

 Fjord أحد من أكثر أفلام كريستيان مونجيو نضجاً واتساعاً، فهو يمتلك تعقيداً يناسب الفترة الحالية التي يتحدث فيه الجميع ولا أحد يصغي، ويحمل صرامة فنية وجرأة أخلاقية ووعي عميق بتصدعات العصر، إنه فيلم عن الاستقطاب من دون أن يكون مُستقطباً، وعن العنف من دون أن يستثمر فيه عاطفياً، وعن الحرية من دون أن يحولها إلى شعار.

تصنيفات

قصص قد تهمك