
يبدأ فيلم Rocky بموسيقى فخمة واسم روكي يكتب بحروف ضخمة تأكل الشاشة، التيترات تنصره قبل أن يبدأ المعركة، تمهد للمتفرج أن المهزوم الذي سوف يشاهده تنتظره لحظة فخر وعلو شأن كبيرة، ثم يكتب التاريخ والمكان على الشاشة فلادلفيا 25 نوفمبر، شتاء عادي في مدينة أميركية ليست ذات صيت عالمي مثل نيويورك أو لوس أنجلوس.
المشهد الأول في الفيلم هو أيقونة للمسيح يرفع يده ممسكاً بكأس الماء المبارك، ثم تهبط الكاميرا إلى الحلبة إلى الأرض التي يتصارع عليها الرجال أو لنقل البطل، الذي يخوض مباراة صعبة مع خصم عنيد، داخل ساحة مراهانات رخيصة وجمهور وحشي، المشهد كله يذكرنا بصراع العبيد في الحلبات الرومانية القديمة، هنا الصراع تحت صورة المسيح، اللقطة تؤسس لمفارقة بصرية؛ رمز للخلاص والرحمة فوق مشهد عنيف يقوم على الضرب والمراهنات والفرجة.
روكي شاب رياضي، الكل يعترف بموهبته، ويتمنى له مستقبل جيد لكن واقعه قاتم وسخيف وسلبي، يعيش في مدينة حديدية مقفرة كأنما من دون شوارع رئيسية، لا نرى في الفصل الأول سوى حارات جانبية ضيقة، وشوارع محدودة المساحة، وأسوار لمباني تولي البطل ظهرها، بينما تحتل شريط الصوت ضوضاء المترو المزعجة كأنما الفرص التي تمضي على بطلنا، دون أن تتوقف عنده، أصوات جافة تنشر رذاذ صوتي صلب في بيئة الفيلم.
الاسم الضخم يملأ الشاشة، لكن أول ظهور للبطل يكشف إنساناً صغيراً جداً داخل العالم.
بمعنى أن الفيلم يمنح روكي المجد قبل أن يمنحه السرد أي سبب لهذا المجد، كأن صناعه يحذرون المشاهد منذ اللحظة الأولى، قد يبدو هذا الرجل تافهاً الآن، لكن لا تنخدع بالمظهر.
وهذه فكرة منسجمة تماماً مع الحلم الأميركي الذي يتغذى عليه الفيلم؛ القيمة موجودة قبل الاعتراف بها، والدراما كلها تدور حول اكتشافها.
مخرج Rocky هو جون جي. أفيلدسن، أميركي وُلد عام 1935، وتوفي عام 2017، ورغم أن اسمه لا يحظى بالشهرة الجماهيرية التي نالها بعض المخرجين الكبار من جيله، فإنه ارتبط بواحد من أكثر الموضوعات الأميركية رسوخاً في السينما وهو انتصار المستضعفين، وأشهر أعماله: Rocky الفيلم الذي حصد جائزة الأوسكار لأفضل فيلم، وفاز أفيلدسن نفسه بأوسكار أفضل مخرج، The Karate Kid وهو فيلم آخر يدور حول شاب مهمش يتعلم الصمود والانتصار على خصوم أقوى منه، عبر تعلمه الكاراتيه من معلم ياباني حكيم.
ثمة خيط يربط أفلام هذا المخرج دائماً، يمكن تلخيصه في كونه شخصياته عادية، غالباً من الطبقات الشعبية أو من الهامش، لكنها تُدفع إلى مواجهة أكبر منها بكثير، وتنجح في أن تتحقق.
في Rocky، كانت مساهمة أفيلدسن محورية، صحيح أن سيلفستر ستالون كتب السيناريو وخلق الشخصية، لكن أفيلدسن هو من منح الفيلم حسّه الواقعي والإنساني، لم يتعامل مع روكي كبطل خارق، بل كرجل وحيد يتجول في شوارع فيلادلفيا الباردة، يزور متاجر الحيوانات الأليفة، ويعاني من خجل اجتماعي، ويشعر بأن حياته تتسرب منه.
أحد أسباب قوة الفيلم أن أفيلدسن لم يقدّم الملاكمة كاستعراض بطولي فقط، بل جعلها امتداداً لحياة روكي اليومية، النزال الأخير لا يبدو منفصلاً عن العالم، بل نتيجة طبيعية لكل ما سبقه من فقر ووحدة وإحباط.
ومن اللافت أن أفيلدسن فاز بالأوسكار عن Rocky، متفوقاً على مخرجين عمالقة في العام نفسه، منهم: سيدني لوميت (Network)، آلان باكولا (All the President's Men)، إنجمار برجمان (Face to Face).
ورغم ذلك، لم يصنف أنه ينتمي لسينما المؤلف بالمعنى الذي ارتبط بأسماء مثل سكورسيزي أو كوبولا، لكنه بقي أقرب إلى صانع أفلام يركز على القصة والشخصيات أكثر من استعراض أسلوبه الشخصي.
عندما التقى أفيلدسن وستالون لم يكن الأول من نجوم الإخراج الكبار، وكان الثاني ممثلاً مغموراً يقاتل لتمثيل نصه، ربما لهذا خرج الفيلم بذلك الإحساس الصادق تجاه شخص يقاتل من أجل أن يُرى ويُسمع.
ولادة روكي
في منتصف السبعينيات كان سيلفستر ستالون ممثلاً مجهولاً تقريباً، كان يؤدي أدواراً صغيرة جداً، ويعاني مالياً إلى درجة أنه عاش فترات صعبة للغاية. لم يكن نجماً ولا حتى اسماً واعداً في هوليوود.
في 24 مارس 1975 شاهد نزال الملاكمة الشهير بين محمد علي وتشاك ويب، لم يكن ويب مرشحًا للفوز، وكان الجميع يتوقع سقوطه سريعاً، لكنه صمد بشكل مفاجئ، بل وأسقط علي أرضًا في إحدى الجولات، انتهى النزال بفوز علي، لكن قصة الرجل المجهول الذي تحدى المستحيل أشعلت خيال ستالون.
بعد مشاهدة النزال بدأ كتابة سيناريو روكي، ويُقال إنه أنجز المسودة الأولى خلال أيام قليلة جداً.
ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية، حيث أعجب المنتجون بالسيناريو، وعرضوا على ستالون مبلغاً كبيراً نسبياً بالنسبة لوضعه آنذاك لشراء النص. لكنهم أرادوا نجماً معروفاً للبطولة.
طُرحت أسماء عديدة، منها: روبرت ريدفورد، جيمس كان، رايان أونيل، لكن ستالون رفض بيع السيناريو إلا إذا لعب هو دور روكي.
من منظور المنتجين كان القرار غير منطقي؛ رجل غير معروف يريد بطولة فيلم قد يتحول إلى مشروع كبير. ومع ذلك تمسك بموقفه رغم حاجته الماسة للمال. هنا تقدم المنتجان إروين وينكلر وروبرت تشارتوف معلنين أنهم آمنوا بالمشروع، حيث وافقاً على منح ستالون البطولة، لكن بشرط خفض ميزانية الفيلم بشكل كبير.
وهكذا تحول روكي إلى فيلم منخفض التكلفة نسبياً، حيث بلغت الميزانية نحو مليون دولار تقريباً، ومن أجل هذا اعتمد الصناع على حلول إنتاجية مثل التصوير في مواقع حقيقية في فيلادلفيا والاكتفاء بعدد محدود من الممثلين والاقتصاد الفني في الديكورات، بالإضافة إلى السرعة في التصوير، حتى مشاهد الشوارع الشهيرة صُورت بطرق بسيطة مقارنة بمعايير هوليوود.
تم اختيار جون جي. أفيلدسن بعد بحث عن مخرج يستطيع التعامل مع فيلم شخصيات أكثر من كونه فيلم ملاكمة، وكان هذا قراراً مهماً جداً؛ لأن الفيلم في جوهره ليس عن الرياضة، بل عن رجل يشعر أن حياته من دون قيمة، ويحاول إثبات العكس.
خمسون عاماً من صعود الدرج
عندما يذكر Rocky، فإن أول ما يأتي إلى ذاكرة المتفرج هو مشهد صعوده درجات متحف فيلادلفيا والجري في الشوارع، والذي أصبح أحد أشهر المشاهد في تاريخ السينما.
الجميل أن التصوير استفاد من تقنية جديدة نسبياً آنذاك هي Steadicam، والتي سمحت بحركة كاميرا سلسة أثناء الجري، ومنح الفيلم طاقة وحيوية لم تكن سهلة التحقيق بالمعدات التقليدية. عند عرضه في أواخر 1976 حقق الفيلم نجاحاً هائلاً، ثم جاءت المفاجأة الأكبر في الأوسكار: أفضل فيلم، أفضل مخرج، وأفضل مونتاج.
ربما تبدو حكاية صناعة الفيلم جزء مهم من سرديته، لأنها ببساطة تعكس مضمون الفيلم نفسه بشكل يكاد يكون حرفياً؛ روكي يحكي عن رجل مغمور يحصل على فرصة واحدة لإثبات نفسه، وستالون كان ممثلاً مغموراً حصل على فرصة واحدة لإثبات نفسه، كثير من أفلام هوليوود تتحدث عن الحلم الأميركي، لكن Rocky حالة نادرة، لأن الفيلم نفسه أصبح مثالاً لهذا الحلم، نجاحه لم يكن مجرد موضوع الفيلم؛ بل جزءاً من تاريخه الواقعي.
ولهذا عندما تحتفل بمرور خمسين عاماً على Rocky، فإننا لا نحتفي فقط بشخصية خيالية صعدت إلى الحلبة، بل أيضاً بكاتب وممثل مغمور رفض بيع حلمه، فحوّل نصاً منخفض الميزانية إلى واحدة من أشهر الأساطير السينمائية في القرن العشرين.
الطفل والمرآة
في الفصل الأول عندما ندخل إلى شقة روكي المتواضعة، وهو يحمل آثار المباراة التي كسب منها مبلغاً تافهاً ربما يعينه على العيش لأسبوع أو أقل، نراه ينظر إلى نفسه في المرآة الكالحة، والتي يستغلها كإطار تذكاري يحمل ماضيه أو محطاته الباقية في ذاكرته؛ صورته وهو طفل صغير، بالأبيض والأسود، ينظر إلى نفسه كأنه لا يصدق أنه كبر، أو لا يصدق أن هذا الطفل البريء تحول إلى هذا الرجل التافه الذي يلعب من أجل المراهنات، ويعمل من مرابي قذر ليرهب المدينين بطريقة صبيانية لتسديد الأموال، ثم صورة أخرى لأباه وأمه، المهاجران الإيطاليان اللذان جاءا إلى أميركا أرض الفرص كما يطلقون عليها في الفيلم، ومن أسرتهم الصغيرة خرج روكي، لكن الحال انحدر به، حيث يظهر الفارق بين الصورة وبين شكل روكي في مرآة الحاضر حجم التدهور المادي والطبقي، ثمة فارق بين أناقة وعزة صورة الوالدين وبين الواقع المتسخ والضيق البدائي الذي يعيشه روكي الآن.
هناك أيضاً صورة الملاكم الإيطالي الشهير الذي سمي روكي نفسه على اسمه، إنه حلمه أو مصيره المأمول، وما بين صورة الطفل وصورة الملاكم يقف الرجل نصف الحاضر، من دون تحقق ولا قيمة ولا وجود يستحق الذكر أو قيمة تستحق الاحتفاء!
وعندما يجد روكي واحدة من جيرانه الفتيات، مراهقة صغيرة تقف على الناصية مع شبان يبدون منحلين أو فاسدين، يجرها جراً لكي يعيدها إلى البيت، وطوال الطريق يلعب دور الأخ الكبير، ينصح ويقوم ويعرض عليها خبراته فيما يتعلق بنظرة الشباب للفتاة التي تلوث لسانها باللغة السيئة والسباب المتواصل، مشهد طويل تسير فيه الكاميرا متابعة لروكي والفتاة إلى أن يصل بها للمنزل، وتصعد بالفعل لكنها تشتمه قبل الصعود، كأنها تبصق على كل نصائحه التافهة من وجهة نظرها، مما يدفعه للتساؤل بعد أن يمضي/ من أنت لتسدي نصيحة أيها التافه؟
هذه من أكثر المشاهد أهمية في الفصل الأول، ليس لأنها تدفع الحبكة إلى الأمام، بل لأنها تكشف جوهر روكي قبل أن يحصل على فرصة البطولة، لأن الفتاة لا تتأثر بكلمة واحدة لا توجد لحظة اهتداء، لا توجد استجابة عاطفية. تصعد الدرج وتلقي شتيمة أخيرة ثم تختفي.
وهنا يترك أفيلدسن وستالون روكي وحيداً مع سؤال موجع: ما قيمة هذه النصائح أصلاً؟
في الواقع، روكي نفسه ليس نموذجاً ناجحاً، هو ملاكم مجهول، يعمل أحياناً في تحصيل الديون لصالح مرآبٍ صغير، يعيش حياة راكدة، ويشعر في أعماقه أن قطار العمر يبتعد عنه، لذلك يمكن قراءة المشهد كأن روكي لا يحاول إنقاذ الفتاة بقدر ما يحاول إنقاذ صورة ما عن نفسه، إنه يتحدث معها بالطريقة التي يتمنى أن يتحدث بها أحد إليه، كأن النصائح موجهة إلى روكي نفسه أكثر مما هي موجهة إلى المراهقة، ولهذا يصبح سؤاله في النهاية مهماً جداً: من أنت لتسدي نصيحة أيها التافه؟
لأن الفيلم كله تقريباً يدور حول هذه العقدة. روكي لا يرى نفسه شخصاً مهماً، إنه يعيش شعوراً دائماً بعدم الكفاية، حتى قبل أن يواجه أبولو كريد، معركته الحقيقية هي مع اقتناعه الداخلي بأنه مجرد شخص عادي انتهت فرصه.
بصرياً، فإن طول المشهد له دلالة واضحة، أفيلدسن لا يختصر الطريق، يجعلنا نسير معهما في الشارع، نستمع إلى كلام يبدو عابراً وربما مملاً أحياناً، لكنه بذلك يرسخ إيقاع الحياة اليومية.
Rocky لا يبدأ كفيلم عن بطولة الملاكمة، بل كفيلم عن إنسان يتجول في حي فقير، ويحاول أن يجد معنى أو دوراً أو مكانة في عالم لا يصغي كثيراً لما يقوله.
أدريان
يمكن ان ننتقل إلى علاقة روكي بأدريان أخت صديقة مدمن الخمر، التي قدمتها تيلي شير، فتاة تعمل في محل الحيوانات الأليفة، لا ندري هل يذهب إلى المحل من أجلها أم من أجل الحيوانات - نراه وهو يعتني بزوجين من السلاحف نشعر أنهما الاستعارة الخاصة به هو وأدريان، علاقة سلاحف بطيئة يمر الزمن عليها دون أن تتغير حياتها، أو تتحرك من مكانها الضيق- أدريان بحكم النظرة الاجتماعية امرأة عانس، لا أحد يواعدها ولا أحد يشعر بوجودها سوى أخاها السكير، وروكي، هي تعرف ذلك، وترفض محاولة كسر الصدفة التي تعيش فيها، المنزل الذي يشبه صدفة السلحفاة التي يربيها روكي، لكن أخاها يدفعها دفعا لقبول دعوة روكي للخروج يوم عيد الفصح، يتمكن روكي من خلال رشوة حارس ساحة التزلج ان يمنحها دقائق من البراح والمرح، هو دائما يحاول أن يضحكها كأن الترفيه عنها غاية عاطفية وبطولية تحقق له الشعور بالوجود والقيمة، وبمجرد أن يتم الإعلان عن قبول روكي لمنازلة بطل العالم أبولو كريد، نرى أدريان مختلفة تماما، أكثر إشراقاً وقوة في التعبير عن عواطفها، نرصد حجم التطور في العلاقة بينها وبين روكي، تشع، وتتألق حتى تصبح هي انتصاره الحقيقي في النهاية، حتى عندما يعلن المذيع فوز أبولو كريد بالمباراة الدعائية الضخمة يبلور السيناريو والإخراج لحظة انتصار روكي بالنداء المستمر على أدريان، حتى يحتضنها ودماء الانتصار الوجودي والإنساني تغطي وجهه وعيناه.
أدريان ليست فقط نسخة أنثوية من روكي، بل هي مرآته، عندما ينظر إليها، يرى صورة أخرى من مصيره المحتمل، شخص طيب، وحساس، وغير مؤذٍ، لكنه يتوارى عن الأنظار حتى يكاد يصبح غير مرئي.
ولهذا فإن ذهابه المتكرر إلى متجر الحيوانات الأليفة يحمل دلالة جميلة، الفيلم لا يوضح إن كان يذهب من أجل الحيوانات أم من أجل أدريان، وربما لأن الجواب هو الاثنان معاً، المكان كله عبارة عن عالم من الكائنات المحبوسة خلف الزجاج والأقفاص، عالم يشبه الشخصيتين اللتين تعيشان فيه بطريقة أو بأخرى.
أما مشهد حلبة التزلج فهو من أجمل مشاهد الفيلم وأذكاها، في أفلام رومانسية كثيرة كان يمكن للمخرج أن يملأ المكان بالناس والأضواء والحركة. لكن هنا الحلبة شبه خالية، حتى لحظة البهجة نفسها تبدو متواضعة وفقيرة، ومع ذلك تنجح، لأن روكي لا يحاول أن يبهر أدريان، بل أن يمنحها مساحة تشعر فيها بأنها مرئية للمرة الأولى.
غالبًا ما يُنظر إلى المباراة الكبرى باعتبارها فرصة روكي، لكن الفيلم يوحي بأنها فرصة أدريان أيضاً، قبلها كانت شخصية منكمشة، خافتة، تكاد تبتلع كلماتها. بعد ذلك نراها أكثر حضوراً وثقة وقدرة على التعبير عن رغباتها ومشاعرها، وكأن الصعود الذي يعيشه روكي يسحبها معه إلى الضوء.
إن انتصار روكي الحقيقي ليس رياضياً، هذه هي العبقرية الدرامية للفيلم، أبولو يفوز بالنقا، هذا واقع الحلبة، أما روكي فيفوز بشيء آخر تماماً!
في بداية الفيلم كان أكبر خوف لديه أن يثبت أنه (لا أحد) كان يخشى أن تنتهي حياته دون معنى أو أثر! لذلك يقول لميكي قبل المباراة إنه لا يهمه الحزام بقدر ما يهمه أن يصمد حتى النهاية، وفي اللقطة الأخيرة لا يبحث عن النتيجة، كل ما يريده هو أدريان.
من الناحية الدرامية، هذه لحظة براقة، لأن السيناريو يعيد تعريف معنى الفوز أمامنا، النزال كان وسيلة لا غاية، والحلبة كانت طريقاً لا هدفاً، ما كان ينقص روكي ليس لقب بطل العالم، بل إنسان يراه ويؤمن به ويمنحه اعترافاً بوجوده.
لهذا عندما يصرخ باسم أدريان وسط الضجيج والفوضى والدماء، لا يبدو كرجل خسر بطولة العالم، بل كرجل وجد أخيراً ما كان يبحث عنه.
أبولو
يمكن أن نتوقف أخيراً أمام إطلاق اسم أبولو على البطل الأسمر الذي يعرض منازلة روكي في المباراة الدعائية، لا شك أن اختيار كارل ويذرز لتجسيد أبولو كريد، وأن يكون بطل العالم والشخصية الأكثر نجاحاً وقوة ونفوذاً في الفيلم رجلاً من ذوي الأصول الإفريقية، يحمل دلالة مهمة في أميركا عام 1976 بعد عقد حافل بالاضطرابات السياسية والاجتماعية
لكن الاسم نفسه يوحي بلمحة مثيولوجية تنضم إلى صورة المسيح في البداية، الإنسان المجهول الخاضع في تراب الواقع والحياة الأقل من العادية والإله القادم من سماوات الرأسمالية والنجاح والشهرة والقدرة على التحكم في كل عناصر المشهد والنزال، أبولو ليس فقط إحالة إلى الميثولوجيا اليونانية، بل يضيف إلى الشخصية هالة من التفوق والنجاح والتألق، عندما يدخل أبولو الفيلم لا يدخل كشخصية درامية نحتاج إلى التعرف عليها، بل كصورة مكتملة، هو مشهور أصلًا، محبوب أصلاً، الكاميرات موجودة حوله قبل أن ينطق بكلمة!
بينما روكي هو النقيض التام؛ لا يملك المال، ولا تلاحقه الكاميرات، لهذا يمكن النظر إلى النزال كله بوصفه مواجهة بين رجل وحلم.
أبولو ليس خصماً رياضياً فقط، بل هو الصورة التي تعد بها أميركا الملايين؛ النجاح، الثراء، الحضور الإعلامي، القدرة على تحويل الذات إلى علامة تجارية.
ولهذا فإن اسمه يحمل مفارقة جميلة؛ فهو من جهة تحقيق ناجح للحلم الأميركي، ومن جهة أخرى هو الذي يفتح الباب أمام روكي بسبب منطق الاستعراض والتسويق نفسه، أبولو لا يبحث عن أفضل ملاكم، بل عن قصة جيدة للبيع، يحتاج إلى حكاية جذابة للجمهور (أبولو يهزم الفحل الإيطالي كما يطلق على روكي).
الحلم الأميركي في نسخته الكلاسيكية لم يكن مجرد وعد بالمال، بل وعد بالظهور أيضًا؛ أن تكون مرئيًا، أن يلتفت العالم إليك، أن تخرج من المجهولية، روكي في بداية الفيلم ليس فقيرًا فقط، بل غير مرئي، محيط روكي كله غير مرئي ادريان وبولي ومدربه ميكي الذي أصبح رجلًا منسيًا يعيش على ذكريات مجده، أما أبولو فهو مرئي إلى درجة تكاد تسبق وجوده الحقيقي.
ولهذا يمكن القول إن الفيلم لا يسأل فقط: "هل يستطيع روكي أن يهزم أبولو؟"
بل يسأل سؤالًا أعمق: هل يستطيع إنسان مجهول أن ينتزع لنفسه مكانًا داخل الصورة الأميركية الكبرى؟
وعندما تنتهي المباراة، لا يحصل روكي على الحزام، لكنه يحصل على ما كان يفتقده طوال الفيلم؛ الاعتراف بوجوده، فجأة يصبح الرجل الذي لم يكن أحد يعرفه اسماً تتناقله الصحف والكاميرات والجماهير.
وهذا بالضبط هو جوهر الأسطورة الأميركية التي يحتفي بها الفيلم: ليس أن تصبح الأغنى أو الأقوى، بل أن تخرج من الظل إلى الضوء، ولهذا يبدو Rocky اليوم، بعد خمسين عاماً، وكأنه رسالة من زمن كانت فيه أميركا ما تزال تؤمن — أو على الأقل تحب أن تؤمن — بأن المجهول يمكن أن يصبح بطلًا إذا مُنح فرصة واحدة فقط.
* ناقد فني












