Apex.. مشروع فيلم كبير تهدره التسلية | الشرق للأخبار
خاص

Apex.. مشروع فيلم كبير تهدره التسلية

time reading iconدقائق القراءة - 11
مشهد من الفيلم الأميركي Apex للمخرج بالتاسار كورماكور - facebook/netflixmiddleeastnorthafrica
مشهد من الفيلم الأميركي Apex للمخرج بالتاسار كورماكور - facebook/netflixmiddleeastnorthafrica
القاهرة -

حقق فيلم Apex منذ عرضه على منصة نتفليكس، في أبريل الماضي، عدداً من المشاهدات القياسية، وصلت إلى أكثر من 38 مليون مشاهدة في أول 3 أيام، ليرتفع العدد إلى أكثر من 40 مليون في الأسبوع الثاني، ويتجاوز حاجز الـ100 مليون قبل مرور شهر، ويحتل المركز الأول أو أحد المراكز العشرة الأولى في معظم البلاد. 

لكن الملفت، بالرغم من كل هذه المشاهدات، أن تقييمات الفيلم بين الجمهور، سواء على موقع IMDB أو Rotten Tomatoes أو غيرهما، متوسطة، إن لم نقل ضعيفة.

تقنية مبهرة

كيف يمكن أن يقبل الجمهور بحماس على مشاهدة عمل ما، وفي الوقت نفسه يعبر عن عدم إعجابه به؟ سؤال تكمن إجابته في الفيلم نفسه، الذي يحمل بذرة عمل ممتاز، قام بتنفيذه مخرج متمكن من التقنية، ولكن متوسط الموهبة، تشغله التسلية، بدلاً من أن يرتفع بالسيناريو إلى القمة، توقف به أعلى الجبل، غير قادر على المزيد من الصعود، وغير قادر على السقوط.. مثلما يحدث لشخصيتي متسلقي الجبال في بداية الفيلم!

حالة Apex ليست استثناءاً، بالرغم من كونها مثالاً واضحاً على نسبة غالبة من الأعمال التي تنتجها وتعرضها المنصات، ونتفليكس بشكلٍ خاص، هي امتداد وتطور لمفهوم الفن سريع التعليب، سريع الاستهلاك، سريع النسيان، جدير بثقافة عامة مشابهة، ووسائط مثل اليوتيوب والتيك توك ومواقع التواصل، والشاشات الصغيرة الكثيرة، تحمل إرهاصاً وتمهيداً لعصر الميكرودراما، والميكروسينما، والميكرومشاهدين!

أبرز ما يلفت الانتباه في Apex تقنياته الجيدة: تنفيذ المشاهد الخطرة وتصوير الطبيعة الخلابة، والسيناريو محكم الكتابة الذي يتنقل بين الأنواع الفنية بيسر وسرعة، وخلوه من الثرثرة والفذلكة الحوارية واعتماده على لغة الصورة بالأساس، مع ذلك يبدو الفيلم ثنائي البعد وسطحياً لا يتجاوز تقنياته المبهرة إلى لمس الوجدان أو اللعب في الدماغ كما تفعل الأعمال الفنية الجيدة. 

عناصر كلاسيكية

لكن Apex، وهذا مكمن الغرابة، يحمل من السينما الكلاسيكية التقليدية كثير من عناصرها: النوع الفني، داخل قالب سردي محفوظ، والاعتماد على نجمة طاغية الحضور تذكر بفاتنات العصر الذهبي، وكثير من المؤثرات البصرية والسمعية، بالإضافة إلى مواقع تصوير خلابة وسط طبيعة بكر تشارك كشخصية أساسية في الأحداث وتحريك الدراما مع أبطال الفيلم.

ولكن هذه العناصر، على تميزها، تخدم لأجل ذاتها، وليس بهدف التوحد بإنسجام في كيان جسم وروح، ومع أن الفيلم يذكر بأعمال سابقة، بشكلٍ إيجابي نعم، ولكنه يفتقد للشخصية والأصالة لسبب ما يصعب الإمساك به.

ربما يكون مخرج الفيلم بالتزار كورماكور، الذي قدم من قبل عدداً من الأعمال متوسطة القيمة، لكن جيدة التنفيذ، أنجحها جماهيرياً ونقدياً هوEverest ، 2015، الذي يدور مثل Apex عن رياضة تسلق الجبال، وقد تميز بالمؤثرات الخاصة والحركات الخطرة، وذلك بالضبط سبب الاستعانة به هنا.

وربما تكمن المشكلة، قبل ذلك، في السيناريو الذي كتبه جيرمي روبنز، وهو سيناريو يمتلئ بالأفكار الجيدة، ولكن لا يركز على أحدها أو بعضها، وإن كانت قابلة بالطبع لأن تصبح أكثر عمقاً وتأثيراً مع مخرج لديه تفسير وارتباط وجداني ونفسي بالعمل.

على سبيل النجومية

ومع أن تشارليز ثيرون تحمل الفيلم، حرفياً، على كتفيها، ليس فقط كممثلة وبطلة أساسية ولكن كمنتجة، لكنها أقوى وأكثر حضوراً من الشخصية المكتوبة، والجهد الكبير الذي تبذله في تسلق الجبال وقيادة القوارب في الشلالات الخطرة، والمطاردات والمعارك التي تخوضها ضد مجنون آكل لحوم بشر، تجعلنا نعجب ببطلة الفيلم، التي تجاوزت الخمسين من العمر ولديها كل هذه العضلات والرشاقة والجاذبية، وإن كان من الصعب أن نتماهى أو نتوحد مع شخصية ساشا التي لا نستطيع أن نتعرف عليها من خلف قناع Persona تشارليز ثيرون.

ثيرون في شخصية ساشا تظهر في كل مشهد تقريباً، منذ الافتتاحية المبهرة التي يفترض أنها تدور فوق أعلى قمة حائط ترول في النرويج، حيث توشك ساشا وصديقها وأستاذها تومي (إريك بانا) على الوصول إلى القمة، لا يفصلهما عنها سوى أمتار معدودة وصعبة، يزيدها صعوبة سوء الأحوال الجوية، وعناد ساشا التي تصر على مواصلة الصعود.

ولكن النتيجة أنهما يتعرضان لرياح ثلجية عنيفة وسقوط قطع من الجبل فوقهما، تكون نتيجته إصابة تومي بالاغماء، وتأرجحه في الهواء، ما يوجب على ساشا اتخاذ قرار: هل تفك نفسها من الحبال تاركة تومي يسقط إلى حتفه، أم تظل تتشبث بالجبل حتى تنهار، فيسقطان معاً؟ وفي اللحظة الأخيرة تختار الحل الأول.

بعد خمسة أشهر تذهب ساشا إلى أستراليا، بلد تومي، لتدفن بعض متعلقاته في الحديقة الوطنية التي يرتادها محبوا المغامرات أمثالها للصيد أو قيادة القوارب عبر الشلالات أو تسلق المرتفعات، أو أشياء أكثر خطورة وبشاعة كما سيتبين بعد قليل.

تتفادى ساشا بعض "المتحرشين المعتادين" من رجال بدائيي المظهر، يطلقون لحاهم وشواربهم ولا يكفون عن شرب الخمر وإقامة حفل شواء للحيوان الجميل الذي قاموا بصيده، وعندما تثق في شاب وسيم تبدو عليه البراءة والتحضر (تارون ايجرتون) سرعان ما يتبين أنه قاتل متسلسل وآكل لحوم بشر، يصطاد ضحاياه من رواد الحديقة، ومنهم رجال ونساء وأطفال وأسر بأكملها، وتخوض ساشا أصعب تجربة في حياتها في محاولة الهرب من الشاب المجنون.

ثيمات مستهلكة

هذا باختصار مضمون فيلم Apex، وهي "ثيمة" محفوظة مكررة عمرها أكثر من مئة عام، يؤرخ لظهورها نقاد الأدب بصدور رواية The Most Dangerous Game لريتشارد كونلي، في 1924، والتي تروي عن شرير مختل يعيش في جزيرة نائية ويصطاد من يصل إليها على سبيل التسلية.

وقد راجت هذه "الثيمة" خلال العقدين الأخيرين، وظهرت عشرات الأفلام، بعضها ينتمي لنوع الرعب، وبعضها لنوع التشويق Thriller، وبعضها يخلط الأنواع معاً مثلما يفعل Apex، الذي يبدأ كفيلم "رياضات خطرة" مثل تسلق المرتفعات وسباق السيارات، ليتحول إلى نوع السفاح ولا يخلو من لحظات رعب أحياناً.

واحد من أشهر الأفلام التي تتناول "ثيمة" المختل المنعزل القاتل هو Psycho ألفريد هيتشكوك، 1960، الذي يستلهمه، أو يعارضه Apex في جزء كبير منه: امرأة ناضجة قوية تهرب من شيء ما تقابل على الطريق شاب صغير طيب، يتضح أنه ضحية الارتباط المرضي بأمه، التي قام بقتلها، قبل أن يتحول إلى مهووس بالقتل.

ومنذ أن اكتشفت دراسات علم الجريمة أن معظم السفاحين لديهم علاقة مرضية بأمهاتهم، لا يكاد يخلو فيلم سفاح من استخدام الفكرة كأنها تكفي لتفسير دوافع الشخصية، ولكن أحياناً، كما في Apex، يكون استخدامها سطحياً وغير عضوي في بناء وتكوين وعي الفيلم الظاهر والباطن، كما في حالة Psycho.

أعماق لا تتجاوز السطح

مع ذلك، وكما أشرت، كان بإمكان Apex أن يكون مختلفاً ومتميزاً لو تم تطوير هذه الفكرة وبناء جذور وفروع وثمار لها.

في Psycho تنشأ لحظة اعجاب متبادل بين الشاب والزائرة الجميلة الناضجة، تبدو خلالها وكأنها صورة من أمه المشتهاة الخاطئة، في نظره، التي قام بقتلها، ولكن النجمة جانيت لي التي تؤدي المرأة سرعان ما يتم قتلها بوحشية صادمة، تدوي صوت السكين وصرخاتها والموسيقى التصويرية المصاحبة عبر تاريخ السينما كله منذ ذلك الحين.

غالباً ما تجسد المرأة الجميلة في أفلام الرعب والسفاحين، دور الضحية الخائفة الصارخة طوال الوقت، التي تكاد تنهار تحت الضغط طوال الوقت، وربما تنجح، أو لا تنجح، في تمالك نفسها في اللحظة الأخيرة وتقتل مطاردها أو تهرب منه.

ولكن في الآونة الأخيرة بدأت تظهر صور أخرى أكثر قوة للمرأة التي تتعرض لاعتداءات الرجال، وساشا، بأداء تشارليز ثيرون، هي واحدة من أقوى نساء السينما.. هي بطلة خارقة منذ اللحظة الأولى، قوية البنية كأقوى الرجال، رابطة الجأش، لا ينتابها الخوف تحت أي ظرف، وحتى في أكثر اللحظات ارعاباً تتعامل مع السفاح الصغير كما لو كانت أمه الأكثر عقلانية وفهماً في مواجهة جنوحه وجنونه.

ولكن تلك الصورة المختلفة للمرأة القوية لا تستغل بوعي كافٍ في الفيلم، وهي كما أشرت، تستخدم لخدمة نجومية ثيرون أكثر مما تستغل للتعبير عن فكرة المرأة العصرية القوية، ورغم أن السيناريو يحتوي بالفعل على هذه الإمكانية التي يجرى هدرها: يبدأ الفيلم بتخلص المرأة من حبيبها وأستاذها (صورة الأب والزوج) لكي تنقذ نفسها، وهي تعاني من الشعور بالذنب بسبب ذلك، ومع نهاية الفيلم تفعل الشيء نفسه مع السفاح، الذي يجسد صورة الابن الراغب في أكل لحم أمه (حرفياً!)، حيث تحرر نفسها من الحبل السري الذي يربط بينهما فوق الجبل وتتركه ليسقط  ميتاً.

في المرة الأولى تحرر ساشا نفسها من الرجل من أجل النجاة بحياتها وتشعر بالذنب، ولكن في المرة الثانية تفعل ذلك لتقتل عن عمد، وعلى العكس لا تندم، لإن الرجل في المرة الثانية يستحق القتل.

ولكن ما الفكرة التي يريد الفيلم أن يوصلها: أن القتل ليس جرماً في حد ذاته، ولكن العبرة بمن تقتله، وما إذا كنت مضطراً لذلك باعتبار هذا القتل السبيل الوحيد للنجاة.

في عالم الحيوان                                       

من الأفكار الثرية التي يحتويها سيناريو الفيلم، ولكن لا تظهر أيضاً سوى بشكلٍ سطحي الإشارة إلى  الجانب الحيواني في البشر، سواء من خلال طقوس أكل لحوم البقر والبشر، أو من الغريزة التي تحرك الناس لعمل أشياء غير معقولة، مثل إدمان الألعاب الخطرة مثل تسلق الجبال والتقافز بين الصخور والشلالات أو التلهي بصيد الحيوانات وصولاً إلى صيد البشر وقتلهم وأكلهم.

كل الشخصيات في الفيلم خاضعة لهذه الغرائز كما لو أننا نشاهد برنامجاً عن عالم الحيوانات، وحين نقارن Apex بعمل مثل The Silence of The Lambs مثلاً، يمكن استنتاج الفرق بين تحويل قصة تجارية إلى فيلم فني عظيم، وتحويل سيناريو يحمل عمقاً إلى فيلم مسلي سطحي.

* ناقد فني

تصنيفات

قصص قد تهمك