
لا يوجد سلسلة أفلام تتبع ملحمة قصصية متواصلة تركت تأثيراً في تاريخ السينما والثقافة الشعبية والعديد من مجالات الحياة المختلفة، من السياسة إلى النظريات العلمية، مثلما فعلت سلسلة Star Wars، منذ أن بدأت في 1977 بفيلم Star Wars- Episode VI: A New Hope، وحتى ما يقرب من نصف قرن مع صدور أحدث فيلم في السلسلة وهو The Mandalorian and Grogu.
جمهور وجمهورية Star Wars
ربما لم يحقق الفيلم، الذي تجاوزت ايراداته حاجز الـ300 مليون دولار بالكاد، ما تحققه أفلام Star Wars عادة، وربما لا يتمتع بما تتميز به معظم أفلام السلسلة من تشويق وحبكة محكمة وأحداث جسيمة ومستوى فني وتقني مبهر، ربما، ولكن عشاق الملحمة المنتشرين بعشرات الملايين من مختلف الأجيال في كل أنحاء العالم لا يشغلهم كثيراً هذه المقارنات، إذ يتعاملون عادة مع كل إصداراتها، سواء كانت أفلام أو مسلسلات تليفزيونية أو ألعاب فيديو باعتبارها عالماً واحداً متكاملاً، قد يختلفون في تقييم أحدها، ولكن لا يختلفون في متابعتها بشغف وترقب.
وباعتباري أحد المشاهدين القدامى للسلسلة، بجانب قراءاتي وكتاباتي عنها على مدار عقود، ربما لاحظت أوجه النقص في The Mandalorian and Grogu، وربما شعرت بالملل في بعض المشاهد، ولكن ذلك لم يمنع استمتاعي بالفيلم ولا حالة البهجة التي خرجت بها منه.
وقد لاحظت شيئين بخصوص هذه المتعة وحالة البهجة: الأول أنها تكاد تكون جماعية، بمعنى أن جمهور السلسلة يعتبرون أنفسهم "مجتمعاً" مترابطاً وكأنهم أصدقاء أو مواطنون في جمهورية واحدة يتقاسمون شيئاً مشتركاً، والثاني أنهم يعودون إلى حالة الطفولة والصبا التي كان فيها للخيال والشخصيات الخيالية حضوراً وتأثيراً عاطفياً يفقده المرء عادة بمرور الزمن.
هذه الحالة الطفولية هي واحدة من أسرار جاذبية "حروب النجوم" وتأثيرها السحري على محبيها: أنه ليس عملاً موجهاً للأطفال بالأساس (مقارنة مثلاً بـHarry Potter أو Narnia)، ولكنه يخاطب الطفل داخل الكبار، ويؤكد هذه الحالة أن القصة الأساسية (ومعظم القصص الفرعية) وراء السفر في الفضاء والكائنات الخرافية وحروب المجرات والتكنولوجيا الفائقة التي تعج بها أعمال السلسلة، هي العلاقة بين الآباء والأبناء، تلك العلاقة التي تتعرض لأكبر المشاكل والأخطار، ولكنها تداوى في النهاية بطريقة أو أخرى.
كانت الفكرة في التساعية الأصلية هي مغامرة الفارس لوك سكايووكر نحو البطولة والدفاع عن الدولة الجديدة في مواجهة امبراطورية الاستعمار والجانب المظلم، ليجد نفسه في نهاية المطاف أمام الشرير دارث فادر ذي القناع الحديدي، ليكتشف أن دارث ما هو إلا والده المجهول، وفيما يرفض سكايووكر قتل أبيه، يضحي الأب بنفسه لحماية ابنه من امبراطور الظلام.
وتظهر علاقات البنوة والأبوة بوضوح في The Mandalorian and Grogu، من خلال الخطين الرئيسين المتقاطعين: الأب الصالح في مقابل الأب الشرير، كما سأبين بمزيد من التفصيل بعد قليل.
آباء وأبناء
ملحوظة أخرى تتعلق بالفيلم أنه استكمال لأحداث مسلسل Star Wars: The Mandalorian الذي أنتجته Disney+ في 3 مواسم و24 حلقة بداية من 2019 وكان يفترض يصدر موسمه الرابع، لكن المسئولين عن الإنتاج في "ديزني" و"لوكاس فيلم" قرروا أن يحولوه إلى فيلم، وبالتالي فإن الجمهور الذي شاهد المسلسل هو الأكثر اقبالاً وفهماً واستمتاعاً بالفيلم.
إنتاجياً يحمل The Mandalorian and Grogu رقم 13 ضمن أفلام Star Wars، ورقم 4 ضمن الأفلام التي صنعت عقب انتهاء التساعية الأصلية التي كتبها وأنتجها جورج لوكاس، وبعد الاندماج مع ديزني، ومثلما فعلت "مارفل" و"دي سي" للتكيف مع عالم المنصات والشاشات الصغيرة تقرر إنتاج بعض المسلسلات، وكان أولها The Mandalorian بمواسمه الثلاثة، والذي تدور أحداثه في منطقة وسطى بين أحداث التساعية الأصلية، وبالتحديد بعد 5 سنوات من نهاية فيلم Return of the Jedi.
وتدور القصة حول صياد الجوائز دن جارين (أو ماندو) من كوكب ماندالور، الذي يطلق عليه الماندالوري، ويؤدي دوره بيدرو باسكال، تكلف الإمبراطورية الماندالوري بالبحث عن طفل وليد خارق اسمه جروجو، وهو نسخة طفولية من عجوز وحكيم السلسلة، يودا، الذي مات في نهاية Return of The Jedi، ولكن أمام براءة الطفل وعلاقته الخارقة بالقوة العليا للكون يقرر الماندالوري حمايته بدلاً من اعادته إلى الإمبراطورية التي تنهار، ويبدأ التعاون مع الجمهورية الجديدة.
يواصل الفيلم من حيث ينتهى المسلسل بكل من الماندالوري وجروجو معاً، كأب يرعى ابنه، يحمله على ظهره دائماً، حتى أثناء المعارك، ويحميه من الأخطار الطارئة ومن مطاردات الإمبراطورية.
ويبدأ الفيلم بتكليف جديد لصائد الجوائز ياتي هذه المرة من الجمهورية الجديدة، حيث يطلب منه استعادة الكائن "روتا"، ابن التاجر والشرير البشع "جابا" الذي يلقى حتفه في معركة مع أبطال السلسلة سكايووكر وهان سولو والأميرة ليا.
ولكن سرعان ما يكتشف الماندالوري أن الأمور ليست كما تبدو عليه، وأن روتا هو مجرد ابن متمرد على ميراث أبيه الشرير، مصراً على أن يعيش حياة مستقلة، وأنه فريسة مؤامرة من تاجر جشع قام باسترقاقه ويستغله كمقاتل في لعبة مراهنات، وينوي قتله لا عتقه في نهاية المطاف.
رغم كل الخيال العلمي والتكنولوجيا والمسافات البعيدة التي تفصل بين الكواكب والمجرات، لا يزال القلب النابض في Star Wars هو العلاقة داخل النواة الأصغر للبشرية وهي العائلة الصغيرة، وبالتحديد بين الآباء والأبناء، هنا نموذجان مختلفان لهذه العلاقة، الأولى صحية ودافئة بين الماندالوري وجروجو، والثانية سامة بين الشرير الراحل جابا والابن روتا، والتي تسببت في مشاكل نفسية كبيرة لروتا، ويتعين عليه أن يخوض رحلة معاناة وتأهيل لكي يعود سوياً من جديد.
رحلة الألف بطل
بجانب الثيمة البسيطة لعلاقة الآباء والأبناء في The Mandalorian And Grogu يتبع الفيلم البناء السردي الأكثر كلاسيكية في العالم وهو "رحلة البطل"، والذي اكتشفه عالم الأنثروبولوجي الأميركي جوزيف كامبل في منتصف القرن الماضي، بعد أن لاحظ أن أساطير البطل الواحد في كل الحضارات والعصور تتبع بناءً سردياً متشابهاً بشكلٍ مذهل.
وقد تأثر الشاب جورج لوكاس بكتابات كامبل كثيراً، خاصة كتابه The Hero With a Thousand Faces، فكتب ملحمته الصغيرة معتمداً على النموذج الذي وضعه كامبل، ومن طرائف القدر أنه بعد النجاح المدوي للسلسلة صرح كامبل أكثر من مرة (خاصة في كتاب Power Of Myth) أن السينما هي صانعة أساطير عصرنا وأن "حروب النجوم" هي واحدة من أهم هذه الأساطير.
الفكرة الأساسية وراء "رحلة البطل" كما تتجسد في The Mandalorian And Grogu هي أن كل بطل يمر بمغامرات خيالية في أعماق الأرض أو أعالي السماء، حيث يواجه أقدم الوحوش أو أحدث الروبوتات، فإن هذه المغامرة تتبع مساراً واحداً يهدف إلى شيء واحد وهو تحرر هذا البطل من قيوده ونقاط ضعفه الشخصية وتسوية النزاعات النفسية داخله، التي تعود إلى علاقته بأبويه وعائلته الصغيرة!
تتلخص رحلة الماندالوري التي بدأت في المسلسل وتستكمل في الفيلم في تخلصه من نرجسية الابن المتمرد ووصوله إلى نضج الأب الراعي، وفي المقابل تبدأ رحلة جروجو بالنمو الروحي والبلوغ والتي تظهر في الجزء الأخير من الفيلم حين يقرر أن يبقى بجوار "الأب" ليشفيه ويحميه، ولمزيد من التبسيط الهوليوودي المعتاد يلخص الماندالوري الأمر في عبارة: "الكبار يرعون الصغار، ثم يأتي الدور على الصغار ليرعوا الكبار".
بالتوازي يتبع روتا، كما أشرت، رحلة مماثلة وان كانت أصعب لكي يتخلص من تأثير أبيه الشرير، وفي المقابل عادةً ما يفشل الأشرار في التخلص من التأثير السلبي للتربية ولعلاقتهم السيئة بوالديهم، وغالباً ما يكون السقوط في الجانب المظلم للشر هو نتاج هذا الفشل، كما جسده بوضوح "دارث فادر" وكثيرون من أشرار السلسلة.
كائنات أكثر إنسانية
ورغم ما يبدو من تنوع الكائنات والشخصيات التي تعج بها الملحمة، إلا أنها "مؤنسنة" بشكل واضح، حتى الحيوانات والآلات، ويذكر مشاهدو Star Wars بالتأكيد شخصيات آلية تكنولوجية مثل C-3PO، R2-D2 وحيوانية مثل شويباكا، أو شخصية الكائن الفضائي شبه الإنساني يودا من الملحمة الأصلية، والتي نجح لوكاس في بث الحياة و"الإنسانية" فيها، فصارت من أكثر الشخصيات السينمائية تأثيراً وحضوراً في الذاكرة.
هنا أيضاَ يحظى جروجو بحضور أخاذ ومثير للتعاطف أكثر من أي شخصية أخرى. ومن الغريب في أمر هذا الفيلم أن الشخصيات البشرية تكاد تكون باردة وبلا روح: من البطل المقنع والمغطى بالفولاذ الذي لا يظهر وجهه (بملامح بيدرو باسكال) سوى لدقائق معدودة طوال الفيلم، وباقي الساعتين هناك "دوبلير" stunt يقوم بدوره. أما الممثلة الكبيرة سيجورني ويفر التي تقوم بدور قائد عسكري في الجمهورية الجديدة، فتقريباً ليس لديها شيئ لتشعر به أو تقوله طوال الفيلم. وربما كان الأفضل نسبياً هو جوني كوين في دور الشرير جانو كوين (ويبدو أن الشخصية مستلهمة من الممثل واسمه!) وذلك بفضل حضوره الكوميدي الخفيف.
من الناحية الثانية هناك جروجو، وروتا، وحتى القرد بائع السندوتشات هوجو بأداء صوت مارتن سكورسيزي، وغيرهم من الشخصيات الجرافيك فهم أكثر حيوية من البشريين.
ملاحظات ختامية
لا يمكن الحديث عن Star Wars دون الحديث عن التكنولوجيا، فمنذ شبابه المبكر ومنذ الفيلم الأول في السلسلة وجورج لوكاس مهتم بالتطور الصناعي للوسيط السينمائي وهو أكثر من ساهم في التطور التكنولوجي الذي وصلت إليه السينما من بين كل المنتجين والمخرجين العالميين.
ورغم أن لوكاس لا يشارك في الفيلم كمؤلف أو مخرج (حيث يضلع جون فافرو، صانع مسلسل The Mandalorian، بالمهمتين) إلا أنه حاضر من خلال شركته للتكنولوجيا البصرية، ومن خلال تقنية الشاشات الخلفية ذات الأبعاد الثلاثية 360 درجة، وغيرها من التقنيات المتطورة.
لا يمكن الحديث عن Star Wars أيضاً دون الحديث عن الموسيقى التصويرية التي دشنها العظيم جون ويليامز، والتي صارت واحدة من أشهر وأحب القطع الموسيقية.
في The Mandalorian يقوم مؤلف عظيم آخر هو لودفيج جورانسون بوضع موسيقى هي العنصر الفني الأفضل في الفيلم، ومهما كان رأيك أو انطباعك عن العمل ككل، فغالباً ستغادر قاعة العرض مشبعاً بتلك الموسيقى البديعة التي تحتوي الفيلم كله.
أخيراً لا يمكن ترك عمل من Star Wars دون الإشارة إلى التاثيرات الثقافية المتعددة، خاصة الأسيوية، وبالأخص اليابانية، التي يحملها العمل. وقد اعترف لوكاس أكثر من مرة بأنه استلهم عالم ملحمته من رائعة المخرج الياباني أكيرا كوروساو The Hidden Fortress عام 1958، أما أكثر التأثيرات وضوحاً في "الماندالوري" فهي قصص المانجا اليابانية Lone Wolf And Cub التي تروي عن ساموراي وحيد مقنع يتبنى طفلاً، ويخوض الاثنان مغامرات مشابهة للمسلسل والفيلم.
من ناحية أخرى هناك تأثيرات سينما "الويسترن" أو الغرب الأميركي، ومغامرات راعي البقر الوحيد صائد الجوائز الذي يتمتع بضمير وحس بالعدالة.
في النهاية، يعيد الفيلم بناء أسطورة البطل الأميركي منقذ البشرية ومحقق العدالة.. هذه الأسطورة "الأسطورية" التي قامت عليها السينما (والحضارة) الأميركية بأسرها.
ولكن السؤال الذي يبقى عالقاً: هل هذه الحكايات لا تزال قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة، وهل ستظل صالحة لعصر الروبوتات والذكاء الصناعي؟! أو مستعيرين عنوان قصة الأديب يحي الطاهر عبد الله "الحقائق القديمة صالحة لإثارة الدهشة"، فهل الأساطير القديمة أيضاً لا تزال صالحة لإثارة الدهشة؟!
* ناقد فني












