
من بين كل الخارقين Super Heroes الذين تفتق عنهم خيال فنانو "دي سي" و"مارفل" فإن سبايدرمان كان دائما البطل الأصغر سناً والأكثر شباباً، حتى أسبوعين خلت، قبل صدور مسلسل Spider Noir الذي بدأت في بثه منصة برايم فيديو من انتاجها مع متروجولدن ماير.
سبايدرمان هنا يؤديه النجم نيكولاس كيج البالغ من العمر 62 عاماً، في دور بطل خارق كهل، يحاول الاحتفاظ بقدراته رغم تقدمه في السن والهموم التي تكالبت عليه.
ورغم أن كيج قد أدى صوت سبايدرمان من قبل في فيلم التحريك Spider-Man: Into Spiderverse، 2018، لكن الشخصية هنا مختلفة: هو سبايدر، نعم، ولكن ليس بيتر باركر الذي نعرفه، بل بطل يشبه الرجل العنكبوت الذي نعرفه، ولكن مختلف.
يدور المسلسل الذي أشرف على إنتاجه وشارك في كتابة واخراج بعض حلقاته أورين أوزيل، في عالم موازٍ، أو بديل كما تطلق عليه مارفل، انطلاقاً من فكرة أن هناك مجرات لا حصر لها في كون لا نهائي توجد فيه، في أزمنة وأمكنة مختلفة، نسخ من عالمنا تتشابه في معظم الأشياء وتختلف في بعضها، وهي فكرة شاهدناها بوضوح من قبل في فيلم Spider-Man: No Way Home، 2021، الذي ظهر فيه 3 نسخ من سبايدرمان بأداء كل من توم هولاند، أندرو جارفيلد وتوبي ماجواير، كما شاهدناها في الفيلم الاجتماعي الكوميدي Everything Everywhere All At Once (2022)، وكلا الفيلمان حققا نجاحاً هائلاً، بل مبالغاً فيه، خاصة الثاني الذي انتزع عدداً كبيراً غير مستحقاً من جوائز الأوسكار، ما يعكس الانبهار بالفكرة التي تكررت في العديد من الأعمال منذ ذلك الحين.
سوبر فيلم نوار!
يدور Spider Noir في مدينة نيويورك (بديلة) خلال ثلاثينيات القرن العشرين في واحد من كواكب الأرض البديلة، والتي تشبه نيويورك عالمنا إلى حد كبير، وكما نعلم فإن نيويورك الثلاثينيات هي المسرح الأساسي لنوع الـ"فيلم نوار"، الذي يدور عادة حول تحرٍ detective خاص يتورط في مهمة ضد مجرم نافد السلطة أو مجموعة من المجرمين، ولكن التحري الخاص هنا، بن رايلي (نيكولاس كيج) هو بالصدفة البطل الخارق "سبايدر" (فقط، بدون مان)، بعد أن كبر في السن وأثقلته التجارب بالهم والشعور بالذنب (تجاه موت حبيبته، كعادة أبطال هوليوود!) ما دفعه إلى اعتزال البطولات الخارقة، وزي العنكبوت، إلى أن تجبره الظروف المستجدة على العودة للعنكبة من جديد.
وعلى عكس سبايدرمان في النسخ المعروفة التي يحدث فيها التحول metamorphosis نتيجة خطأ في معمل المدرسة، فإن تحول سبايدر هنا يحدث خلال مشاركته في الحرب العالمية الأولى، حين يقتحم هو وبعض زملاءه من الجنود الأميركيين معملاً يقوم فيه العلماء الألمان المجانين باجراء تجارب على أسرى الحرب، ينتج عنها متحولين من أنواع مختلفة، منها رجل النار ورجل الرمل ورجل الكهرباء.. وأثناء قيامه بانقاذ زملاءه يتعرض بن رايلي لعضة رجل/عنكبوت متحول، فيتحول بدوره، ولكن على عكس زملاءه يستطيع أن يتحكم في قدراته الخارقة الجديدة ويوظفها لخدمة العدالة في مدينته.
هذه المعامل الألمانية "المخيفة" التي تنتج المتحولين والفيروسات المصنعة هي من نسج خيال هوليوود لشيطنة العدو التاريخي أو المختلق مثل فيروسات هذه المعامل، ولكنها في كون حقيقي وغير مواز تعكس مرآة بعض معامل التجارب الأميركية التي أنتجت فيروسات مثل الايبولا وكوفيد 19 المستجد (كما تبين مؤخراً باشراف العالم الفاسد الدكتور فوتشي ورعاية الحكومة الأميركية) وغيرها من الابتلاءات التي مني بها كوكبنا غير الموازي.
جماليات متنوعة
وبعيداً عن بعض الهراء الخيالي المعتاد في أفلام الأبطال الخارقين وغيرها، فإن Spider Noir عمل مبتكر فنياً، ممتع المشاهدة ، يمزج جماليات الفيلم نوار بجماليات الكوميكس، حيث يتوفر منه على المنصة نسختان، يمكن للمشاهد الاختيار من بينهما: الأولى بالأبيض والأسود، والثانية ملونة بدرجات تعكس جو ثلاثينيات القرن الماضي، وكلا النسختان رائعتان.
وبجانب التصوير الذي يجمع بين أسلوب الفيلم نوار الكلاسيكي، من تغليب للعتمة والظلال، والتباين بين الأسود والأبيض، وأسلوب مسلسلات الأبطال الخارقين الأولى لتليفزيون الخمسينيات، يتميز Spider Noir بتصميم المناظر والملابس والموسيقى التصويرية مع اختيار الممثلين ذوي الملامح القديمة، وكلها عناصر تتضافر معاً لإشاعة الجو والتأثير الملائم، الذي يشعر المشاهد وكأنه يعيش داخل هذه النيويورك نصف الحقيقية نصف الافتراضية التي طالما صورتها أفلام النوار والأبطال الخارقين.
تدور أفلام النوار عادة في النوادي الليلية، حيث يلتقي المجرمون والبلطجية والموسيقيون وفنانات الاستعراض من المغنيات والراقصات وفتيات الليل، وحيث تباع الممنوعات (في زمن منع الخمور خلال الأزمة الاقتصادية الكبرى في الثلاثينيات).
ويبدأ Spider Noir ببطلنا وقد تم تكليفه بمهمة تبدو بسيطة، ولكن سرعان ما يتبين أن وراءها رجل الأعمال (غير المشروعة) وصاحب أحد الملاهي الليلية سيلفرمان (بريندان جليسون)، وهو الملهى الذي تعمل فيه المغنية الجميلة ذات الأصل الآسيوي الشبيهة بالقطة والتي تحمل اسم "كات" (لي جون لي).
وبذلك يكتمل الثلاثي الرئيسي لفيلم النوار: التحري، المجرم والمرأة الفتاكة، أو الـ Femme Fatale وفقاً للمصطلح الفرنسي الذي يستخدم عادة لوصف المرأة المثيرة الغاوية التي تشكل خطراً على حياة من يقترب منها، وخاصة البطل، وقد يتبين بمرور الفيلم أنها شريرة، أو طيبة، وأحياناً يضم الفيلم امرأتين إحداهما طيبة والثانية شريرة، إحداهما شقراء والثانية سوداء الشعر.
فتنة الشرق وصوابية الألوان
في Spider Noir تظل شخصية كات غامضة، موزعة الانتماءات، إلى قرب النهاية، وهي صينية الملامح لا شقراء، ربما لأن مصدر الغواية والغموض يأتي من الشرق الأقصى هذه الأيام، ومن الطريف أن الشقراء هنا، وهي خطيبة رايلي الميتة، هي مجرد شبح يتراءى في ذاكرته من حين لآخر، بأداء الشقراء آماندا شول! وفي المقابل تسند شخصية الطيبة الوفية للسكرتيرة ذات الشعر الأسود والأصل اللاتيني جانيت (كارين رودريجيز)، مساعدة رايلي وكاتمة أسراره، وهي تمثل نموذجاً "بيتياً" طفولياً، بدينة ذات وجه طفولي ومرحة، على النقيض من المرأة الجذابة الخطرة التي تمثلها كل من الشقراء المتوفية والآسيوية ذات الصوت المخملي والقوام الرشيق.
يولف Spider Noir كما يدل عنوانه بين نوع النوار ونوع الأبطال الخارقين وفقاً لدي سي ومارفل، وبالتحديد من قصص سبايدرمان، ومن هذه القصص نجد المتحولين المعتادين، من رجل الرمل إلى رجل الكهرباء إلى رجل النار، كما نجد الصحافة التي تغطي أخبار البطل الخارق، وقد ترفعه إلى عنان السماء أو تظلمه فتدفع الناس إلى كراهيته والخوف منه. وفي Spider Noir يوجد صحفي صديق للبطل، ومساعده في تنفيذ بعض المهام البطولية، هو روبي روبرتسون (لامورن موريس) الأميركي الإفريقي، الذي يتحدى الأعراف وظروف العنصرية العرقية في ذلك الوقت، والتي يوحى بها من بعيد دون أن يغامر صناع الفيلم بالتعرض لها بشكل مباشر (ففي النهاية هذا عمل هروبي مسلي ليس من الملائم أن يشغل المشاهد بقضايا حقيقية مزعجة)، روبي هو أيضاً مصدر الكوميديا في المسلسل بجانب السكرتيرة جانيت، والإثنان يشكلان ثنائياً متجانساً وجذاباً في المشاهد التي يظهران فيها معاً.
وجوه في لوحة
وبمناسبة التجانس فإن أحد أفضل عناصر العمل هو اختيار الممثلين الذين يشكلون Palette، أو "لوحة ألوان"، متناغمة، حيث يبرع بريندان جليسون في شخصية رجل العصابات القاسي، كما يبرع ممثلوا أدوار المتحولين خاصة أندرو لويس كارديل في دور رجل الكهرباء.
وبينما يشيع نيكولاس كيج نجوميته المألوفة، ذات الطابع الغريب والمتفرد، فإن الجاذبية الكبرى في العمل تنبع من لي جون لي وأداءها لشخصية المرأة الفاتنة الغامضة بشكلٍ يعيد للذهن نجمات الأربعينيات والخمسينيات الكبار.. حيث يبدو المسلسل، بطريقة ما، وكأنه لوحة جدارية على حائط قديم تضم وجوهاً متعددة الأجناس والطبائع، تشكل في مجموعها عالماً متناغماً، متوازناً، يشغل فيه وجه كيدج نصف المغطى بقناع العنكبوت، ووجه لي بجماله الأسيوي المميز، مركز الصدارة.
*ناقد فني











