
في الأشهر التي سبقت انقلاب تشيلي عام 1973، يُوفد رئيس مكتب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في سانتياجو اثنين من رجاله إلى رابا نوي، المعروفة بجزيرة القيامة، هناك، يبدأ "كريس" في إملاء مذكراته، ويتقرّب من طالبتين من تشيللي، فيما يحاول شريكه "لي" متابعة المهمة والتعامل مع خلافات زوجية تصل إليه عبر الهاتف، ومن هذه الرحلة، يبني المخرج والكاتب مارتن ماكدونا فيلم Wild Horse Nine.
عُرض الفيلم في المسابقة الرسمية للدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي، وفاز مالكوفيتش عنه بجائزة أفضل ممثل، ثم عرض في مهرجان تورنتو، ومقرر طرحه في دور السينما الأميركية في 6 نوفمبر.
وخلال مؤتمر صحافي دولية مخصص لناخبي جولدن جلوب، حضرته "الشرق"، تحدث ماكدونا عن نشأة المشروع، فيما تناول جون مالكوفيتش وسام روكويل وماريانا دي جيرولامو تجاربهم مع الشخصيات والتصوير، وشرح المؤلف الموسيقي كارتر بورويل اختياراته للموسيقى.
"شهود صامتون"
بدأت الحكاية، بحسب ماكدونا، بعد زيارته الأولى لرابا نوي قبل نحو 15 عاماً، آنذاك، تخيل رجلاً مريضاً يسافر إلى الجزيرة في رحلة قد تكون الأخيرة، بصحبة شاب تجمعه به علاقة تشبه علاقة الأب بابنه، وكتب صيغاً عدة، جعل الرجلين ممثلين في إحداها، وقبل نحو 4 سنوات، عاد إلى موضوع كان يشغله منذ مراهقته، وهو دور الاستخبارات الأميركية في زعزعة حكومة سلفادور أليندي المنتخبة، عندها جعل بطليه عميلين في الوكالة، واحتفظ بالألفة التي كتبها بينهما في المسودات الأولى.
وقال المخرج إن ما يهمه في الفيلم هو ما يحدث حين تتدخل قوة كبرى في بلد أصغر يتمتع بالسيادة، ولخّص موقفه بقوله: "الفيلم يقف إلى جانب تشيلي"، وأشار إلى أنه التقى، شباناً لم يسمعوا عن تلك المرحلة، وهو ما عزز اقتناعه بأن الحكاية المشوقة والكوميديا السوداء يمكن أن تثيرا فضول الجمهور تجاه التاريخ.
وعن اختيار المكان، قال إن الخيول التي رآها تركض بحرية في زيارته الأولى بقيت في كل نسخة من السيناريو، وعندما عاد للتصوير، أمضى الفريق نحو شهرين ونصف الشهر في الجزيرة، وأراد لها حضوراً يشبه حضور مدينة بروج في In Bruges، فعمل مع مدير التصوير بن ديفيس على اختيار الطرق والزوايا التي تُبقي الجزيرة مرئية حتى في مشاهد السيارات، ووصف تماثيل المواي بأنها "شهود صامتون" على ما يفعله الرجلان.
وبسؤاله عن صلة الفيلم باللحظة الراهنة، ذكر دونالد ترمب ساخراً، ورأى في بعض ما يفعله صدى لممارسات من الماضي، مضيفاً أن التدخلات تبدو له اليوم أكثر علنية، وتناول كذلك استمرار الجدل حول اغتيال جون كينيدي. ففي رأيه، ستبقى الأسئلة مطروحة ما دامت المعلومات المتاحة لا تحسمها، وتصلح تلك الأسئلة مادة للسينما، كما قال، لكن ما استوقفه أكثر أثناء الكتابة هو العمليات التي يتطرق إليها الفيلم في تشيلي والكونغو وجواتيمالا.
رجلان في قلب الصداقة
وعن صلة فيلمه الجديد بـThe Banshees of Inisherin، وضع الفرق بينهما في توقيت الحكاية، يبدأ الفيلم السابق عند نهاية صداقة، وصفها بما يشبه نهاية علاقة حب بين رجلين، وفي Wild Horse Nine، يجد المتفرج الرجلين في قلب العلاقة، بينما يحاول أحدهما الاعتناء بصديقه المريض.
وقال إن جانباً مما يدفعه إلى الكتابة عن صداقات الرجال هو رغبته في إظهار ما يعرفه منها في حياته، ففي صداقاته مساحة للهدوء والرقة والاهتمام، ويرى أن لهذه الصفات مكاناً في فيلم هوليوودي واسع الجمهور، حتى عندما يكون بطلاه رجلين يحملان السلاح ويعملان في الاستخبارات.
وتحدث ماكدونا عن أداء جون مالكوفيتش وسام روكويل بوصفه أشبه بـ"مباراة تنس بين شخصين يحب أحدهما الآخر". فعندما يمنح مالكوفيتش مونولوجاً طويلاً، يعرف أن الممثل، بخبرته المسرحية، يستطيع أن يمضي فيه ويستمتع بصعوبته. وفي المشهد الذي يجمعه بروكويل، يصبح الإصغاء وطريقة الرد جزءاً من العلاقة التي يراها المتفرج.
أما توم ويتس، فأسند إليه ماكدونا دور شقيق كريس في مشهد واحد. وكانا قد تعارفا بعدما حضر ويتس وزوجته كاثلين إحدى مسرحياته، وتركا له رسالة، ثم عملا معاً في Seven Psychopaths، وحاولا تطوير مشروع مسرحي لم يكتمل. وفي الفيلم الجديد، أراد ماكدونا ممثلاً يستطيع الوقوف أمام مالكوفيتش بالقوة نفسها. ففي المكالمة مع شقيقه، يبدو كريس أقل ثقة مما اعتاد أن يبدو عليه أمام زملائه. وكان المخرج يحتاج أيضاً إلى رقة ويتس كي يظهر ألم الأخ في ذلك المشهد القصير. وقال مازحاً عن إعجابه به: “إذا كان الله موجوداً، فأظن أنه يشبه توم ويتس”.
"تاريخ يمشي على قدمين"
كان جون مالكوفيتش الطفل يرتدي ملابسه استعداداً للذهاب إلى المدرسة، حين شاهد على نشرة NBC صور باتريس لومومبا وهو يتعرض للمطاردة والضرب، لا يذكر كم كان عمره بالضبط، لكنه يتذكر السؤال الذي راوده وقتها: لماذا يفعل أحد هذا بإنسان آخر؟
استعاد مالكوفيتش تلك الصورة، عندسؤاله عن الطريقة التي ينظر بها "كريس"، عميل الاستخبارات الأميركية الذي يؤدي دوره، إلى ما ارتكبه، وفي أحد مشاهد الفيلم، يروي "كريس" حواراً يقول فيه لومومبا له: "إذا قتلتني، فستقتل الديمقراطية في أفريقيا للخمسين عاماً المقبلة"، فيجيبه: "وماذا تظن أننا نحاول أن نفعل؟".
وصف مالكوفيتش الرد بأنه فكاهة "سوداء كالليل"، وأضاف أن فيه، على قسوته، شيئاً يصدقه المرء حين ينظر إلى تاريخ البشر، وفي رأيه، يساعد مناخ الحرب الباردة على فهم اللغة التي برر بها رجال مثل "كريس" أفعالهم، فقد نُظر إلى صراعات ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما يقول، باعتبارها صراعاً على البقاء بين نظامين سياسيين واقتصاديين. وكريس، وهو يستعيد تلك السنوات، يعرف ما فعله، ويرى مالكوفيتش أن الرجل منشغل بمراجعة أفعاله، وقد بدأت هذه المراجعة في وقت متأخر من حياته.
ووضع مالكوفيتش الحكاية بين محطتين تاريخيتين تفصل بينهما 10 سنوات، اغتيال جون كينيدي في 1963 والانقلاب على أليندي في 1973، وفي هذا الإطار، يؤدي دور "كريس"، الذي يصفه زميله لي بأنه "تاريخ يمشي على قدمين لوكالة الاستخبارات"، وقال مالكوفيتش إن خبرة "كريس" كانت تمنحه مكانة بين زملائه، لكنه بلغ، عند بداية الحكاية، مرحلة صار يتساءل فيها عن جدوى العمل الذي كرّس له حياته.
ويظهر هذا التردد حين يملي كريس مذكراته على جهاز تسجيل. في قراءة مالكوفيتش، يعرف الرجل ما فعله، ولا ينشغل كثيراً بتبريره. ما يشغله هو أن يعيد النظر في أمور كان يراها مقبولة حين شارك فيها، أما "لي"، فيصفه مالكوفيتش بأنه أشد ارتباطاً بالمؤسسة، ويواجه في الوقت نفسه زواجاً مضطرباً. ومن اختلاف الرجلين في تلك اللحظة تنشأ مساحة واسعة للحوار بينهما، رغم سنوات العمل المشترك.
وتحدث مالكوفيتش أيضاً عن صلته بتشيلي خارج الفيلم، فقد عمل مع المخرج راؤول رويز، وقدم عملاً موسيقياً كلاسيكياً يستند إلى The Infamous Ramírez Hoffman للكاتب روبرتو بولانيو، ويتصل بأحداث 1973 وما أعقبها، وعلى مستوى الأداء، قال إن لحوار ماكدونا منطقاً خاصاً يجعله سهل التذكر بالنسبة إليه، حتى حين يطول المونولوج.
رجل يحاول أن يلتزم بالقواعد
ووصف سام روكويل شخصيته بأنها لرجل ما زال يرى نفسه جزءاً من المؤسسة، يحاول "لي" إنجاز المهمة، ويلتزم بالقواعد ويصغي إلى رئيسه، حتى حين يصبح تنفيذ الأوامر مرهوناً بما هو مستعد لفعله بصديقه، وفي قراءة روكويل، هذا هو مأزق الشخصية، فـ"لي" يتصرف داخل منظومة اعتاد طاعتها، وعليه الآن أن يتعامل مع أثر تلك الطاعة على شخص يحبه.
وحين سُئل عن قدرته على التعاطف مع شخصيات ترتكب أفعالاً يصعب قبولها، قال إنه يبحث دائماً عن الجانب الإنساني فيها، ولفت إلى أن الشخصيات العنيفة التي أداها تتفاوت في ما تتيحه من مساحة للتعاطف أو التكفير عن أفعالها. أما في حالة "لي"، فقد عاد إلى ما يفعله الرجل تحت الضغط، وإلى التناقض بين رغبته في إتمام المهمة وعلاقته بـ"كريس".
وقال روكويل إن الحديث عن الأفلام جزء من طريقته في التحضير مع ماكدونا، وفي Wild Horse Nine، كان Five Easy Pieces بين المراجع التي تبادلا الحديث عنها، واستعاد مثالاً من Three Billboards Outside Ebbing, Missouri، حين لخّصا تحوّلاً في الشخصية بتخيل بارني فايف، وقد أصبح ترافيس بيكل، وفي Seven Psychopaths، كان Mean Streets من بين الأفلام التي ناقشاها.
وإلى جانب هذه المراجع، تحدث عن البحث الميداني الذي لجأ إليه في أعمال سابقة، مثل مرافقة عناصر من الشرطة في جولاتهم ولقاء أشخاص أصيبوا بحروق أثناء التحضير لـThree Billboards Outside Ebbing, Missouri، وقال إن ماكدونا يكتب له أحياناً، وهو أمر يشعر بالامتنان له، وذكر كولين فاريل وبريندان جليسون بوصفهما ممثلين يحظيان أيضاً بهذه الفرصة مع الكاتب والمخرج.
ولفت روكويل إلى تنوع اختيارات ماكدونا للممثلين، مستعيداً مشاركة بيتر دينكليج وجون هوكس في Three Billboards Outside Ebbing, Missouri، وحضور توم ويتس في أدوار قصيرة، واختيار ممثلات تشيليات في Wild Horse Nine، بينهن ماريانا دي جيرولامو، وفي رأيه، كان تنوّع فريق التمثيل جزءاً مما جعل العمل مع ماكدونا تجربة مختلفة في كل مرة.
الجانب الآخر من التاريخ
تؤدي دي جيرولامو دور مونيكا، طالبة يسارية تصفها بأنها مثالية ومتفائلة، وتؤمن بقدرة الناس على العمل معاً، وفي مشهد على الشاطئ، تدعو كريس إلى الجلوس بجوارها. وقالت الممثلة إن ما جذبها إلى اللقاء هو فضول مونيكا تجاه رجل ينتمي إلى الجانب الآخر من تاريخ بلادها، ورأت أن استعداد الطالبة لسماعه يمنح اللقاء أهميته، خصوصاً مع ما يعرفه كل منهما عن العالم الذي جاء منه الآخر.
وحصلت دي جيرولامو على الدور بعد 3 اختبارات أداء، وهو أول أفلامها بالإنجليزية، بعد تجارب في التلفزيون والمسرح والسينما، ومشاركتين سابقتين في فينيسيا مع Ema وKill the Jockey، بدأت البروفات في مسرح بابليك في نيويورك، حيث سمعت مالكوفيتش وروكويل يقرآن الحوار معاً للمرة الأولى، وقالت إنها كانت متوترة قبل اللقاء، لكن الفيلم، بالنسبة إليها، بدا موجوداً بالفعل في أصواتهما.
وفي رابا نوي، ساعدها مالكوفيتش على مراجعة الحوار والعمل بالإيقاع الذي يناسبها في الإنجليزية، وأمضت نحو شهر ونصف الشهر على الجزيرة، وزارت مع أيلين سالاس أماكن تعرّفت إليها بمرافقة السكان، وكانت ترى زملاءها يراجعون المشاهد في الحانة، وتلتقيهم على الشاطئ، حتى بدا لها فريق العمل أقرب إلى فرقة مسرحية تقيم في مكان واحد.
لحن من أفلام الغرب
ومن جانبه قال المؤلف الموسيقي كارتر بورويل، نه قرأ نسخة من السيناريو قبل التصوير بسنوات، وتبادل مع ماكدونا أفكاراً أولية عن الموسيقى، لكنه بدأ التأليف بعدما رأى الصورة والملابس والممثلين في المكان، وكان يبحث عن لحن يستوعب المودة بين العميلين وخشونة العمل الذي يؤديانه، ووجد ما يريده في جملة موسيقية تستدعي أفلام الغرب الأميركي في خمسينيات القرن الماضي. جرّبها على مشهد يجمع مالكوفيتش وروكويل، ووافق ماكدونا على الاتجاه.
واستخدم بورويل آلات وترية أنديزية، بينها التشارانجو، إلى جانب الوتريات وآلات النفخ الخشبية، ليظل دفء العلاقة مسموعاً حين يتشاجر الرجلان، وناقش مع ماكدونا مواضع دخول الموسيقى في لندن، ثم عاد إلى نيويورك لكتابتها، قبل أن يلتقيا مجدداً عند التسجيل في استوديوهات آبي رود، وإلى جانب الموسيقى المؤلفة، اختار ماكدونا أغنيات من زمن الحكاية، بينها أغانٍ خفيفة تخيل أنها قد تكون مما يستمع إليه عملاء الوكالة.
وقال بورويل إنه يفضل ترك بعض الحوارات من دون موسيقى، خصوصاً حين يحاول المشاهد أن يعرف ما إذا كانت الشخصية تكذب، فدخول اللحن قد يرجّح إجابة قبل أن يكوّن المتفرج رأيه، لكنه اتخذ قراراً آخر في مقاطع المذكرات، فعندما يروي كريس اغتيال باتريس لومومبا، ثم يتذكر أنه كان يحب نظارته الصغيرة، تكاد الموسيقى تبدو كأنها تهويدة، اختار بورويل أن يتبع خفة التفصيل الذي يتوقف عنده كريس، فيما تظل قسوة الواقعة في الكلمات التي يمليها على جهاز التسجيل.













