بين الريحاني ومارلين مونرو.. أفضل طريقة لإفساد السيرة | الشرق للأخبار

بين الريحاني ومارلين مونرو.. أفضل طريقة لإفساد السيرة

time reading iconدقائق القراءة - 7
الإعلان الترويجي لفيلم "blonde" الذي بدأت منصة "نتفليكس" عرضه 28 سبتمبر 2022. - netflix.com
الإعلان الترويجي لفيلم "blonde" الذي بدأت منصة "نتفليكس" عرضه 28 سبتمبر 2022. - netflix.com
القاهرة-

ردود فعل واسعة وصاخبة صاحبت كلّ من فيلم Blonde (شقراء) للمخرج أندرو دومينيك، الذي يتناول حياة نجمة هوليوود الأشهر، مارلين مونرو، ومسلسل "الضاحك الباكي" للمخرج محمد فاضل، الذي يتناول حياة نجيب الريحاني.

وشاب أغلب ردود الفعل الاستياء من المستوى الفني للعملين ومن "تشويه" تاريخ كل من مونرو والريحاني، فالعملان نموذجان صارخان للطريقة التي لا ينبغي بها صُنع سيرة درامية عن شخصية معروفة محبوبة.

حياة مثيرة ومسلسل ممل

الريحاني واحد من أشهر وأحب نجوم المسرح والسينما في العالم العربي، وهو صاحب مدرسة في الكوميديا طالما استعار منها نجوم الكوميديا بعده، وطالما كتبت عنها الدراسات والمقالات.

وحياة الريحاني لا تقل إثارة وأهمية عن أعماله، فقد شاء حظه أن يعيش واحدة من أهم فترات مصر التاريخية على المستويين الفني والسياسي، تلك الفترة التي وُلدت خلالها روح مصر من جديد، كما سجل الأديب توفيق الحكيم في روايته "عودة الروح"، والتي شهدت ثورة 1919، كما شهدت تشكل المسرح المصري الحديث ونشأة فن السينما.

وعلى المستوى الشخصي، مر الريحاني بتجارب حياتية غاية في الدراما والغرابة، لا تقل إثارة عن الأفلام، مليئة بلحظات الصعود إلى المجد والسقوط إلى القاع، ومليئة بقصص الحب والهجر، ودائماً مفعمة بالعواطف الجياشة.

ومن الجميل أن نجيب الريحاني سجل هذا التاريخ العام والشخصي بكل صراحة في مذكرات نشرتها المجلات الفنية آنذاك ثلاث مرات: الأولى عام 1934، إذ نشرت مجلة "الاثنين والدنيا" مذكرات الريحاني فيما يزيد عن 50 حلقة على مدار عام كامل.

وكانت المرة الثانية حين نشرتها مجلة "الاستديو" عقب وفاة الريحاني عام 1949، ثم كانت المرة الثالثة عام 1952 حين أعادت مجلة "الكواكب" ما نشرته "الاثنين"، قبل أن تُصدر كتاب من مطبوعات "كتاب الهلال"، وقد صدرت منها طبعات عدة بعد ذلك.

بجانب مذكرات الريحاني، التي يروي فيها حكايات وأسرار بصراحة وصدق، هناك أيضاً مذكرات زوجته بديعة مصابني، التي روتها بعد عودتها الدائمة إلى بيروت، وصدرت في كتاب عن دار نشر "دار مكتبة الحياة"، من إعداد نازك باسيلا.

في هذه المذكرات تروي مصابني أيضا أدق أسرار حياتها، من طفولتها واحترافها الفن وسفرها لمصر وتحولها إلى أكبر نجمة عربية في عصرها، وعودتها حتى شيخوختها كصاحبة مخبز في بيروت، مروراً بعلاقتها العاصفة بنجيب الريحاني، التي استمرت لسنوات، وكللت بالزواج، وانتهت بانفصال عنيف.

هناك أيضا مذكرات بديع خيري، الصديق الأقرب للريحاني، وكتاب الصحافي عثمان العنتبلي الذي عايش الريحاني وبديع وكان صديقاً مقرباً لهما، وهناك عشرات المصادر الأخرى التي يبدو أن صُناع المسلسل لم يفكروا في الرجوع إليها، أو أنهم لم يعرفوا بوجودها.

"الريحاني" بلا روح

كثيرون على بعض مواقع الأخبار والتواصل الاجتماعي أشاروا إلى بعض الأخطاء التاريخية التي يحتويها المسلسل، ولعل أكبر هذه الأخطاء هو ما يتعلق بعلاقة الريحاني بالنساء، بداية بأمه، التي تؤكد كل المصادر أنها كانت مقربة إليه، وأنها كانت خفيفة الظل، إذ إن فنان الكوميديا الأول كان يلجأ إليها عندما ينضب خياله لتزوده ببعض حكاياتها ونوادرها ونكاتها اللاذعة. 

الأمر نفسه يمتد لعلاقته ببديعة مصابني، وصالحة قاصين، والفتاة الفرنسية لوسي دي فيرناي، وغيرهن من النساء اللواتي لعبن أدواراً مهمة في تاريخ الريحاني إنسانياً وفنياً، والأخطاء لا تقتصر على رسم الشخصيات بطريقة سطحية، ولكن تمتد إلى التواريخ والأماكن، حتى أن الأحداث تبدو بلا سياق أو رابط، منزوعة من سياقها الزمني والجغرافي!.

المشكلة الكبيرة التي نتجت عن ذلك، هي رسم شخصية ضعيفة للريحاني، تخلو من روحه القوية وجاذبيته الساحرة، ولا تظهر موهبته المبهرة وشخصيته المتمردة، البوهيمية، التي كانت وراء إبداعه وأيضاً وراء كسله الأسطوري وإهماله للحياة العملية والمادية، وهي أشياء تٌجمع عليها المصادر بداية من مذكراته إلى شهادات معظم من عرفوه.

الحرص على عدم التعرض لأي شيء مثير للجدل في حياة الريحاني، وعلى إظهاره بلا عيوب أو أخطاء جعله يبدو باهتاً، بلا طعم، خاوياً من الحياة. وساهم في ذلك بالطبع إخراج تقليدي مدرسي، وتمثيل مصطنع بلا روح أو طاقة.

نجمة بلا ضوء

على العكس تماماً، أثار فيلم Blonde ردود فعل متباينة وجدلاً بسبب "حيويته" الزائدة عن الحد، وإفراطه في "فضح" الشخصية التي يتناولها حد المبالغة.

Blonde يدور حول نجمة نجمات هوليوود مارلين مونرو، جميلة الجميلات، وملكة الإغراء، وغيرها من الأوصاف التي أطلقت على الممثلة والمغنية التي ظهرت في سماء السينما العالمية كالشهاب اللامع سريع الاحتراق.

فبعد حياة صاخبة شهدت منتهى الهوان، ومنتهى المجد، منتهى البؤس ومنتهى الفرح، ماتت مارلين مونرو في سن الـ36 منتحرة، أو مقتولة حسب استنتاجات وتأويلات عدة، لكننا في فيلم Blonde لا نجد سوى فتاة مسكينة مستغلة، كمصباح مكسور خبا منه الضوء.

ومع أن حياة مارلين مونرو كانت مباحة ومعروضة للبيع في حياتها وبعد مماتها، ولم تترك الصحافة سراً في حياتها لم تكشفه، وكانت هذه الحياة النارية موضوعاً للعشرات من التحقيقات والكتب والأفلام الوثائقية والروائية، من بينها الرواية التي أقتبس منها فيلم Blonde  للكاتبة جويس كارول أوتس.

دراما المبالغات القصوى

المبالغة والتركيز على الجانب المظللم فقط، ربما كانا يصلحان مع الرواية، حيث يقوم القارئ عادة باستكمال الصورة بنفسه، ولكن صورة السينما ديكتاتورية وتفرض رأيها، خاصة عندما يكون الأسلوب التعبيري ذاتياً ومفرطاً كما في فيلم Blonde.

والجدل الذي أثاره الفيلم ليس سببه المضمون المعروف مسبقاً، بل المبالغة الشديدة والإفراط الأسلوبي في التعبير عن هذا المضمون، حتى بدت حياة النجمة وكأنها سلسلة لا تتوقف من الإهانات والمذلة وسوء المعاملة.

وبالقطع يصعب اختزال حياة أي إنسان، وخاصة مارلين مونرو، في وجه واحد مظلم وشنيع إلى هذا الحد، وعوضاً عن الشعور بالتعاطف والحب تجاه الشخصية، ساهمت المبالغة والإفراط التعبيري في نفور المشاهد واتخاذ مسافة من الشخصية.

في مسلسل "الضاحك الباكي"، هناك خوف وحياء، وفي فيلم Blonde  هناك رغبة شديدة في الكشف والجرأة وصدم المشاهد، وفي الحالتين خرج العمل بعيداً عن روح الشخصيتين اللتين يدورا عنهما.

* ناقد فني

تصنيفات