
أصبحت الطائرات المسيرة الصغيرة منتشرة في كافة المناطق حول العالم، وتتميز بأنها رخيصة الثمن، وسهلة الاستخدام، ومتاحة للجميع.
ويزيد من خطر المسيرات أن أجهزة استشعار الدفاع الجوي الحالية صُممت في الغالب لرصد التهديدات الأكبر حجماً، مثل الطائرات المأهولة والصواريخ، وفق مجلة "إيكونوميست" البريطانية.
لذا، يكمن التحدي في تطوير أنظمة يمكنها رصد الطائرات المسيرة الصغيرة والمنخفضة الارتفاع، والتي قد تحلق مثل الطيور قريبة من قمم الأشجار، وتتسلل عبر العوائق المحيطة.
أحد طرق حل هذه المشكلة يتمثل في إعادة تصميم أنظمة الرادارات، بينما تعتمد طريقة أخرى على الاستخدام الذكي للموجات الصوتية. هذه الابتكارات لن تنهي هيمنة الطائرات المسيرة الصغيرة في القريب العاجل، ولكن يبدو أن النقاط العمياء التي تستغلها قد بدأت تضيق وتغلق.
ترسل الرادارات نبضات من الموجات اللاسلكية، وتلتقط الانعكاسات المرتدة عنها، وهي تعمل بكفاءة متساوية ليلاً، وفي الطقس السيئ، ويمكنها رصد أي جسم في الهواء. ولكن، وفقاً لـ"توماس ويثينجتون"، خبير الحرب الإلكترونية في معهد "روسي" (RUSI) البريطاني للأبحاث، فإن الرادارات عادةً ما تقوم بتصفية (فلترة) الأجسام الصغيرة والمنخفضة الارتفاع وتتجاهلها، بافتراض أنها مجرد طيور.
وتعمل شركة "إيكوداين " (Echodyne)، ومقرها واشنطن، على تطوير بديل أكثر ذكاءً. ويقول إيبين فرانكنبرج، رئيس الشركة، إن رادارها يستخدم ثلاثة ابتكارات مميزة لتحديد التهديدات "الأصغر، والأبطأ، والأكثر انخفاضاً".
آليات فعالة لكن مكلفة
تولد معظم أنظمة الرادار الحديثة حزمها الإشعاعية باستخدام مصفوفات من البواعث الصلبة، وهي أجهزة تشبه مصابيح LED ترسل موجات لاسلكية بدلاً من الضوء، بدلاً من الأطباق المتحركة التي كانت سائدة في الماضي. وهذه المصفوفات فعالة ولكنها مكلفة.
وكان الحل البديل الذي قدمته "إيكوداين" هو استخدام عدد صغير من البواعث مع هوائيات متخصصة تضبط الموجات التي تبثها، ويُعد هذا الخيار مثالياً لنظام منخفض الطاقة ومنخفض التكلفة مخصص للمهام قصيرة المدى. ويزعم فرانكنبرج أن رادارهم أقل تكلفة بمقدار عشرة أضعاف من الأنظمة التقليدية.
يقوم رادار "إيكوداين" أيضاً بتغيير "الشكل الموجي" لنبضاته بسرعة، الذي يعني طولها وكثافتها وترددها. ويسمح هذا للحزمة بالانتقال بين وضعيات مختلفة أثناء مسحها للسماء. ويشير فرانكنبرج إلى أن الأشكال الموجية المختلفة تتوفر للكشف عن الأهداف في المساحات المفتوحة، أو في البيئات المليئة بالعوائق مثل المباني.
وصُممت بعض الأشكال الموجية خصيصاً لرصد شفرات الدوارات، وهي طريقة ممتازة للتمييز بين الطائرة المسيرة والطائر.
وأخيراً، يصنف النظام الأجسام التي يتتبعها باستخدام نموذج للتعلم الآلي؛ حيث يتعلم الأنماط التي تتوافق مع كل نوع من أنواع المسارات الجوية، من الطيور والبالونات إلى الطائرات رباعية المروحيات والطائرات ذات الأجنحة الثابتة، مما يعزز موثوقية الرصد.
ويُعد هذا مفيداً بشكل خاص لالتقاط الإشارات الضعيفة المغمورة وسط الضوضاء المحيطة، مثل طائرة مسيرة تحلق على خلفية نباتات تتحرك مع الرياح.
الطائرات المسيرة متناهية الصغر
وتتيح هذه التقنيات لرادار "إيكوشيلد" (EchoShield) من إنتاج "إيكوداين"، وهو جهاز بحجم الكمبيوتر المحمول، رصد وتتبع وتصنيف حتى الطائرات المسيرة متناهية الصغر على مدى يصل إلى حوالي خمسة كيلومترات. ويتميز التتبع بدقة كافية لتوجيه كاميرا، أو سلاح، نحو الطائرة المسيرة المتحركة.
وهناك طريقة أخرى لاصطياد الطائرات المسيرة وهي استخدام الصوت، وهو نهج كانت أوكرانيا سباقة فيه؛ حيث تنتشر الميكروفونات في الحقول والغابات هناك للاستماع إلى طنين الطائرات المسيرة الروسية.
وتعمل شركة "براندتل داينامكس" (Prandtl Dynamics)، وهي شركة ناشئة مقرها تورونتو، على تطوير التقنية الصوتية بشكل أكبر، وتزعم أن معداتها يمكنها الكشف عن وجود طائرة مسيرة مخفية في مكان قريب حتى قبل تشغيلها.
يقوم نظام براندتل، الذي يُطلق عليه اسم "دوم" (Dome)، بإطلاق نبضات من الموجات فوق الصوتية غير المسموعة. وإذا كانت هناك طائرة مسيرة في المنطقة، فإن هذا "الاستجواب الصوتي" يجعل أجزاءها الإلكترونية والميكانيكية تهتز، مما ينتج عنه أصوات زقزقة تفضح وجودها.
ويقول بارث ماهيندرو، رئيس شركة براندتل، إن الفكرة تكمن في تحويل الطائرة المسيرة المخفية إلى "مكبر صوت صغير يبث موقعها". وتقول الشركة إن نظام "دوم" تمكن من العثور على طائرات مسيرة داخل حقيبة ظهر، وخلف حافة سطح مبنى، وحتى داخل سيارة في بعض الحالات.
وفي الوقت الحالي، تقتصر عمليات الرصد هذه على الطائرات المسيرة الثابتة المتواجدة على بُعد بضعة عقود من الأمتار. ومع ذلك، فإن هذا يكفي لمنح الفرق الأمنية "ميزة عملياتية هائلة"، وفقاً لما ذكره دان ستانيك، رئيس العمليات في شركة "أوتو إنجينيرينج" (otto Engineering)، وهي شركة في إلينوي تورد معدات اتصالات لوكالات الدفاع والاستخبارات والأمن، بما في ذلك جهاز الخدمة السرية الأميركي.
وتخطط "أوتو" للشراكة مع "براندتل" في الإنتاج. وقال جو داي، كبير التقنيين في براندتل، إن نموذجاً صغيراً يعمل بالبطارية يحمل اسم "دوم-سي" (Dome-c)، ويُستخدم مثل "جهاز محمول باليد لتعقب أجهزة التنصت والمسيرات"، ينبغي أن يكون جاهزاً للطرح في الأسواق هذا الصيف.
وتعمل "براندتل" أيضاً على تطوير نسخة أكبر يتم توصيلها بمصدر الكهرباء وتُثبت على حامل ثلاثي القوائم. وتؤدي الموجات فوق الصوتية المنبعثة من جهاز "دوم-أو" (Dome-o)، كما يُطلق على هذا النموذج الأكبر، إلى جعل الطائرات المسيرة تصدر زقزقة أيضاً.
ولكن يمكن تشغيل "دوم-أو" بالتعاون مع أنظمة الميكروفونات، مثل تلك المنتشرة في أوكرانيا، والتي ترصد الطائرات المسيرة أثناء طيرانها.
وتعمل نبضات الموجات فوق الصوتية الصادرة عن "دوم-أو"، والتي تُعد أوسع من الحزم الضيقة التي ينتجها "دوم-سي"، على تضخيم البصمة الصوتية التي تنتجها بالفعل محركات الطائرة المسيرة ومروحياتها وعبورها في الهواء، مما يساعد الميكروفونات على التقاطها من مسافات أبعد.
المسيرات الخفيفة
وفي مدينة صاخبة، يمكن لمصفوفة "براندتل" المكونة من 16 ميكروفوناً، والتي تُدعى "أوسكورا" (Oscura)، رصد وتتبع الطائرات المسيرة القادمة التي يصل وزنها الخفيف إلى 250 جراماً على مسافة تصل إلى حوالي 200 متر. وقال ماهيندرو إنه عند تشغيل "دوم-أو"، يمكن لمدى نظام "أوسكورا" أن يمتد لمسافة أبعد بنحو 75 متراً.
وقد وُضعت هذه المنظومة قيد الاختبار في مسابقة لمكافحة الطائرات المسيرة استضافتها وزارة الدفاع الوطني الكندية في وسط مدينة أوتاوا في نوفمبر. ويقول كريستيان لابي، وهو مقدم شارك في التجارب التي استمرت خمسة أيام، إن تكنولوجيا براندتل كانت قادرة على تتبع الطائرات المسيرة وسط ضوضاء أعمال البناء، حتى عندما كانت خارج نطاق الرؤية.
وأضاف أن المعدات ليست جاهزة بعد للاستخدام العسكري، مشيراً إلى الإنذارات الخاطئة والهشاشة النسبية للنظام، لكنها اعتبرت واعدة بما يكفي لتعادل شركة براندتل في المركز الثاني، وحصولها على جائزة "الماس الخام" بقيمة 270 ألف دولار.
من جانبها، باعت شركة "إيكوداين" بالفعل أجهزة الرادار الخاصة بها للقوات الجوية الأميركية. وتُثبت معدات الشركة الآن على السفن الحربية، وتُجهز للدفاع عن القواعد العسكرية، كما أن هناك نسخة مثبتة على المركبات دخلت الخدمة بالفعل، وتخطط القوات الجوية وجهات أخرى لنشر العديد من هذه الأنظمة.











