
توصلت دراسة حديثة إلى أن الطحال ليس مجرد عضو مساعد أو مخزن لخلايا الدم، بل يمكنه أن يتحول إلى خط إنتاج سريع لخلايا مناعية عالية الكفاءة خلال فترات الالتهاب المزمن.
وأفادت الدراسة التي نشرتها دورية Science Advanced، بأن الطحال قادر على إنتاج نوع مميز من العدلات يتمتع بقدرات معززة على مكافحة العدوى، ما يمنح الجسم أفضلية دفاعية في مواجهة الضغوط المناعية المستمرة.
والعدلات (Neutrophils) هي أكثر أنواع خلايا الدم البيضاء شيوعاً (تشكل ما بين 50و70% منها) وأول خط دفاع مناعي، وتتشكل في نخاع العظام لمهاجمة البكتيريا والفطريات فور دخولها الجسم؛ وتدوم حياتها ليوم واحد فقط، ويشير ارتفاعها (كثرة العدلات) غالباً إلى التهاب أو عدوى بكتيرية، بينما يشير انخفاضها (قلة العدلات) إلى خطر الإصابة بالعدوى.
ولطالما احتل نخاع العظم موقع "المصنع المركزي" لإنتاج خلايا الدم البيضاء، خاصة العدلات التي تعد خط الدفاع الأول ضد العدوى البكتيرية، لكن الأبحاث الحديثة بدأت تعيد رسم هذه الصورة التقليدية، كاشفة أن الطحال، وهو العضو الذي غالباً ما ينظر إليه كمخزن أو مرشح للدم، يمكن أن يلعب دوراً أكثر ديناميكية وتعقيداً، خصوصاً في ظروف الالتهاب المزمن والضغط المناعي المستمر.
وأظهرت الدراسة الجديدة أن الطحال لا يكتفي بدعم الجهاز المناعي بشكل غير مباشر، بل يمكنه أن يتحول إلى موقع نشط لإنتاج العدلات في عملية تعرف علمياً باسم "تكوين الخلايا الحبيبية خارج نخاع العظم".
وقال الباحثون إن هذه العملية ليست جديدة تماماً، لكنها كانت تعتبر محدودة التأثير من حيث عدد الخلايا المنتجة، لكن الجديد أن الكفاءة الوظيفية لهذه الخلايا قد تكون أهم من عددها.
استجابة متسرعة
اعتمد الباحثون على نماذج حيوانية متنوعة شملت حالات السرطان، والالتهاب المزمن، والشيخوخة، وارتفاع الكوليسترول، وهي جميعها حالات تصاحبها ضغوط التهابية طويلة الأمد.
ولاحظ الباحثون أن الطحال يبدأ بسرعة في إنتاج عدلات غير ناضجة نسبياً، يتم إطلاقها إلى مجرى الدم في وقت مبكر قبل اكتمال نضجها الكامل، وظاهريا، قد يبدو هذا كاستجابة "متسرعة" لكن النتائج كشفت مفارقة مثيرة، فالعدلات غير الناضجة كانت تمتلك قدرات وظيفية محسنة مقارنة بنظيراتها القادمة من نخاع العظم.
على المستوى الجزيئي، أظهرت تحليلات تسلسل الحمض النووي الريبي أن هذه العدلات الطحالية تمر بعمليات تسريع في النسخ الجيني، إلى جانب تغيرات في بنية الكروماتين، وهو ما يتيح لها التمايز بسرعة أكبر.
والأهم من ذلك، أنها كانت غنية بجينات مرتبطة بالتنشيط المناعي والوظائف المضادة للميكروبات؛ بمعنى آخر، رغم "حداثة" هذه الخلايا من حيث النضج، إلا أنها كانت "مسلحة" بشكل أفضل لمواجهة العدوى.
أحد المفاتيح الرئيسية التي فسرت هذه الظاهرة هو دور إشارات "النوع الأول من إشارات الإنترفيرون" داخل الطحال، وتعمل هذه الإشارات كآلية تهيئة، وتجعل العدلات أكثر استعداداً للاستجابة السريعة والقوية ضد البكتيريا.
وأثبتت التجارب أن هذه العدلات الطحالية كانت أكثر كفاءة في احتواء العدوى، مثل التهابات المثانة البكتيرية لدى الفئران، مقارنة بالعدلات التقليدية.
فهم أعمق
ووجد الباحثون دلائل مشابهة في عينات بشرية من الطحال، إذ ظهرت تجمعات لخلايا غير ناضجة تشبه تلك التي لوحظت في الفئران، ما يعزز احتمالية أن هذه الآلية ليست حكراً على النماذج الحيوانية، بل قد تكون جزءاً من الاستجابة المناعية لدى الإنسان أيضاً.
وتفتح هذه النتائج الباب أمام فهم أعمق لكيفية تكيف الجهاز المناعي مع الضغوط المزمنة، فبدلاً من الاعتماد فقط على زيادة عدد الخلايا، يبدو أن الجسم يمكنه "تعديل جودة" هذه الخلايا لتكون أكثر فعالية في ظروف معينة.
واقترح الباحثون أن إطلاق العدلات من الطحال في مراحل مختلفة من النضج قد يمنح الجسم مرونة أكبر في التعامل مع أنواع متعددة من الممرضات والبيئات المتغيرة.
وقال الباحثون إن التمكن من فهم كيفية تحفيز هذا النوع من الإنتاج الطحالي للعدلات أو تقليده، فقد يفتح ذلك آفاقاً جديدة لعلاج العدوى الشديدة أو الحالات التي يعاني فيها المرضى من ضعف في إنتاج الخلايا المناعية، مثل مرضى السرطان أو كبار السن.
وتعيد هذه الدراسة تعريف دور الطحال من مجرد "عضو ثانوي" إلى لاعب نشط وذكي في منظومة الدفاع المناعي، قادر على تعديل استجابته ليس فقط من حيث الكمية، بل من حيث الكفاءة والسرعة أيضاً.









