
أعلن باحثون بجامعة بيتسبرغ في الولايات المتحدة، نتائج أول تجربة سريرية من نوعها على البشر تهدف إلى "تدريب" الجهاز المناعي لتقبل الكبد المزروع، دون حاجة إلى أدوية تثبيط المناعة مدى الحياة.
وأظهرت نتائج الدراسة التي نشرتها دورية Nature Communications، إمكانية تقليل الاعتماد على أدوية تثبيط المناعة، بشكل آمن، لدى نسبة من المرضى، وهو ما يمثل تقدماً طال انتظاره في طب زراعة الأعضاء.
ولطالما شكلت أدوية تثبيط المناعة حجر الأساس في نجاح عمليات زراعة الأعضاء، لكنها في الوقت نفسه سلاح ذو حدين، فبينما تمنع هذه الأدوية الجسم من مهاجمة العضو الجديد، فإن استخدامها طويل الأمد يرتبط بمضاعفات خطيرة تشمل تلف الكلى، وزيادة خطر العدوى، وبعض أنواع مرض السرطان، بالإضافة إلى اضطرابات التمثيل الغذائي مثل السكري.
لذلك، ظل حلم الوصول إلى "تحمل مناعي" يسمح للجسم بقبول العضو المزروع، دون أدوية مستمرة، هدفاً يسعى إليه العلماء منذ عقود.
ما قبل زراعة الكبد
اعتمدت الدراسة الجديدة على فكرة مبتكرة تعرف بـ"التهيئة المناعية" تعتمد على استخدام خلايا مناعية مأخوذة من المتبرع نفسه، وإعادة برمجتها لتصبح خلايا متخصصة تعرف بالخلايا المتغصنة التنظيمية.
والخلايا المتغصنة التنظيمية هي نوع متخصص من خلايا الجهاز المناعي، يعرف بدوره في "تهدئة" الاستجابة المناعية بدلاً من تنشيطها.
وفي الحالة الطبيعية، تعمل الخلايا المتغصنة التقليدية كحراس يلتقطون الأجسام الغريبة، وعرضها على الجهاز المناعي لتحفيز الهجوم، أما النسخة التنظيمية منها، فهي تفعل العكس تقريباً؛ إذ تدرب الجهاز المناعي على التمييز بين ما يجب مهاجمته، وما يمكن التعايش معه، وتعزيز التحمل المناعي.
تقبل الجسم للكبد "كصديق"
في إطار التجربة، التي بدأت عام 2017 وشملت 13 مريضاً خضعوا لزراعة كبد من متبرعين أحياء، عزل الباحثون نوعاً من خلايا الدم البيضاء من المتبرعين، وحولوها في المختبر إلى خلايا متغضنة تنظيمية، ثم حقنوا الخلايا في أجسام المرضى قبل أسبوع من إجراء عملية الزراعة، بهدف تهيئة جهازهم المناعي مسبقاً لتقبل الكبد الجديد باعتباره "صديقاً" وليس جسماً غريباً.
وبعد مرور عام على زراعة الكبد، بدأ الباحثون تقييم المرضى لمعرفة إمكانية تقليل أدوية تثبيط المناعة تدريجياً.
وأظهرت النتائج أن 8 من أصل 13 مريضاً كانوا مؤهلين لهذه الخطوة، وتمكن 4 منهم من التوقف الكامل عن تناول الأدوية، والأهم أن 3 من المرضى ظلوا دون أي علاج مثبط للمناعة لأكثر من 3 سنوات، دون ظهور علامات رفض للعضو المزروع.
ورغم أن هذه الأرقام تبدو محدودة، إلا أنها تمثل قفزة نوعية مقارنة بالبيانات التاريخية، إذ لم تتجاوز نسبة المرضى القادرين على إيقاف الأدوية مبكراً خارج مثل هذه التجارب نحو 13%.
أما في الدراسة الجديدة، فقد بلغت النسبة نحو 37.5% بين المرضى المؤهلين، ما يشير إلى تأثير واضح لهذه المقاربة الجديدة، وإن كان لا يزال بحاجة إلى تأكيد في دراسات أكبر.
وتكمن الميزة الفريدة للكبد، مقارنة ببقية الأعضاء، في قدرته على التجدد، ما يسمح بزراعة جزء من كبد متبرع حي لينمو لاحقاً لدى كل من المتبرع والمريض. ومع ذلك، فإن هذا لا يلغي الحاجة التقليدية لتثبيط المناعة.
وهنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي تحاول تغيير هذا المفهوم من الأساس، عبر تحويل العلاقة بين الجسم والعضو المزروع من صراع دائم إلى حالة من التعايش المستقر.
نتائج مبكرة
مع ذلك، يحذر الباحثون من التسرع في تعميم النتائج؛ إذ إن التجربة لا تزال في مراحلها المبكرة وعدد المشاركين محدود، كما أنها لم تصمم لإثبات الفعالية بشكل قاطع.
لكن النتائج كافية لتبرير الانتقال إلى تجارب أكبر عدداً وأكثر دقة، تشمل مقارنة مباشرة بين المرضى الذين يتلقون هذا العلاج، وآخرين يخضعون للعلاج التقليدي.
وقد تشمل الخطوات المقبلة أيضاً تعديل نوع الأدوية المستخدمة بالتوازي مع هذه الخلايا، أو تجربة إعطاء الخلايا بعد الجراحة بدلاً من قبلها، بل وحتى استكشاف إمكانية استخدام خلايا من متبرعين متوفين.









