دراسة: الميتوكوندريا تقود معركة الخلايا ضد البكتيريا | الشرق للأخبار

"انقسام الميتوكوندريا".. اكتشاف سلاح جديد ضد العدوى البكتيرية

تساعد الخلية في القضاء على البكتيريا وقد تكون هدفاً لعلاج مقاومة المضادات الحيوية

time reading iconدقائق القراءة - 6
آليات خفية داخل خلايا الإنسان قد تكون سلاحاً قوياً في مواجهة العدوى. - الشرق/ الذكاء الاصطناعي
آليات خفية داخل خلايا الإنسان قد تكون سلاحاً قوياً في مواجهة العدوى. - الشرق/ الذكاء الاصطناعي
القاهرة -

كشفت دراسة حديثة عن دور غير متوقع للميتوكوندريا داخل الخلايا المناعية، إذ لا تقتصر وظيفتها على إنتاج الطاقة، بل تمتد لتشمل تعزيز الدفاعات ضد البكتيريا.

وأظهرت النتائج أن انقسام الميتوكوندريا يسهم في تنشيط مسارات مضادة للميكروبات داخل الخلية، ما يساعد على القضاء على العدوى بكفاءة أكبر. 

ويأتي هذا الاكتشاف في وقت تتزايد فيه المخاوف العالمية من مقاومة المضادات الحيوية، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة تعتمد على دعم آليات الدفاع الطبيعية في الجسم.

وتكشف الأبحاث الحديثة عن آليات خفية داخل خلايانا قد تكون سلاحاً قوياً في مواجهة العدوى، خاصة في زمن تتزايد فيه مقاومة المضادات الحيوية.

وقال الباحثون إن واحدة من هذه الآليات تتعلق بـ"الميتوكوندريا"، وهي العضيات المعروفة بأنها مصانع الطاقة داخل الخلايا، والتي يتضح الآن أنها تلعب دوراً أكبر بكثير من مجرد إنتاج الطاقة.

وأشارت الدراسة المنشورة في دورية Science Immunology إلى أن انقسام الميتوكوندريا، أو ما يُعرف بـ"الانشطار"، يمكن أن يعزز دفاعات الجسم ضد البكتيريا.

ولم يقتصر هذا الاكتشاف على خلايا الثدييات فقط، بل تم رصده أيضاً في كائنات بسيطة مثل الديدان، ما يدل على أن هذه الآلية محفوظة عبر التطور منذ ملايين السنين.

ولفت الباحثون إلى أن الخلية لا تنتظر المساعدة من الجهاز المناعي ككل، بل تمتلك أدواتها الخاصة لمحاربة العدوى بشكل مباشر.

ما هي الميتوكوندريا؟

الميتوكوندريا هي عضيات صغيرة موجودة داخل خلايا معظم الكائنات الحية، وتُعرف غالباً بأنها "محطات توليد الطاقة" في الخلية، وتتمثل وظيفتها الأساسية في إنتاج جزيء مهم يسمى ATP، وهو الوقود الذي تعتمد عليه الخلايا للقيام بكل أنشطتها الحيوية، من الانقسام إلى الحركة وحتى نقل الإشارات العصبية.

تتميز الميتوكوندريا بتركيب فريد، إذ تمتلك غشائين؛ أحدهما خارجي أملس، والآخر داخلي مطوي بشكل معقد ليكوّن ما يُعرف بـ"الأعراف" وهذه الطيات تزيد من مساحة السطح الداخلي، ما يسمح بإنتاج كميات أكبر من الطاقة بكفاءة عالية.

كما تحتوي الميتوكوندريا على مادة وراثية خاصة بها ما يجعلها مميزة عن باقي مكونات الخلية ويعكس أصلها التطوري القديم.

لكن دور الميتوكوندريا لا يقتصر فقط على إنتاج الطاقة، فهي تشارك أيضاً في تنظيم موت الخلايا المبرمج الذي يُعد عملية ضرورية للحفاظ على توازن الجسم والتخلص من الخلايا التالفة أو غير الطبيعية، بالإضافة إلى ذلك، تلعب دوراً في تنظيم مستويات الكالسيوم داخل الخلية.

ليست مجرد محطات طاقة

عند دخول بكتيريا مثل الإشريكية القولونية إلى الجسم، تقوم بإحداث تغييرات داخل خلايا المناعة، خاصة "الماكروفاج"، وهي خلايا متخصصة في ابتلاع وقتل الميكروبات، وأحد هذه التغييرات هو تحفيز انقسام الميتوكوندريا، كما أن هذا الانقسام لا يحدث بشكل عشوائي، بل يؤدي إلى سلسلة من التفاعلات التي تعزز قدرة الخلية على التخلص من البكتيريا.

ومن بين هذه التفاعلات، تكوين "قطيرات دهنية" داخل الخلية، وهي ليست مجرد مخازن للطاقة كما كان يعتقد سابقاً، بل تلعب دوراً نشطاً في قتل البكتيريا، كما يتم تنشيط مسار يُعرف باسم "استجابة البروتينات غير المطوية في الميتوكوندريا"، وهو نظام إنذار داخلي يساعد الخلية على التعامل مع الضغوط.

ويؤدي ذلك المسار إلى انتقال عامل نسخي يدعى ATF5 إلى نواة الخلية، حيث يقوم بتفعيل جينات مسؤولة عن إنتاج مواد مضادة للبكتيريا.

ونبّه الباحثون إلى أن هذا العامل النسخي لا يعمل فقط كمنشط، بل يلعب أيضاً دوراً تنظيمياً مهماً، إذ يحد من إنتاج القطيرات الدهنية المرتبطة بالدفاع، لمنع حدوث استجابة مفرطة قد تضر بالخلية نفسها.

في المقابل، لا تقف البكتيريا مكتوفة الأيدي، فقد أظهرت الدراسة أن بعض الأنواع مثل السالمونيلا طورت آليات للتهرب من هذا الدفاع، إذ تقوم بتثبيط انقسام الميتوكوندريا داخل الخلية، ما يسمح لها بالبقاء والتكاثر دون مقاومة فعّالة.

وتوصلت الدراسة أيضاً لدور إنزيم يُعرف بـ HDAC6، إذ تبيّن أن تثبيطه يؤدي إلى تعزيز انقسام الميتوكوندريا وزيادة تكوين القطيرات الدهنية، وبالتالي تحسين قدرة الخلايا على القضاء على البكتيريا، ما يفتح الباب أمام تطوير علاجات جديدة تستهدف هذا الإنزيم، بدلاً من الاعتماد فقط على المضادات الحيوية التقليدية.

وتقدم النتائج رؤية جديدة تماماً لكيفية عمل خلايانا في مواجهة العدوى، وتؤكد أن الميتوكوندريا ليست مجرد "محطات طاقة"، بل عناصر فاعلة في جهاز الدفاع المناعي.

ومع تزايد التهديدات من البكتيريا المقاومة، قد يكون فهم تلك الآليات الدقيقة هو المفتاح لتطوير جيل جديد من العلاجات القادرة على مواجهة هذا التحدي العالمي.

تصنيفات

قصص قد تهمك