لقاح شخصي جديد يُظهر نتائج واعدة ضد سرطان الدماغ العدواني | الشرق للأخبار

لقاح شخصي جديد يُظهر نتائج واعدة ضد سرطان الدماغ العدواني

يفتح نافذة أمل في مواجهة سرطان دماغ شديد العدوانية

time reading iconدقائق القراءة - 9
كيم جارلاند (يسار) إحدى المشاركات في التجربة مع الباحث الرئيسي للدراسة، الدكتور تانر يوهانس، الحاصل على شهادتي الطب والدكتوراه، وهو طبيب أورام في مركز جامعة واشنطن في سانت لويس. - https://siteman.wustl.edu
كيم جارلاند (يسار) إحدى المشاركات في التجربة مع الباحث الرئيسي للدراسة، الدكتور تانر يوهانس، الحاصل على شهادتي الطب والدكتوراه، وهو طبيب أورام في مركز جامعة واشنطن في سانت لويس. - https://siteman.wustl.edu
القاهرة -

أظهر لقاح علاجي شخصي، صمم خصيصاً وفق البصمة الجزيئية لورم كل مريض، نتائج واعدة في تجربة سريرية مبكرة على مرضى مصابين بالورم الأرومي الدبقي، أحد أكثر سرطانات الدماغ شراسة وصعوبة في العلاج، فقد حفز اللقاح استجابات مناعية واسعة، وبدا أنه يبطئ عودة الورم لدى بعض المرضى بعد الجراحة، من دون تسجيل آثار جانبية خطيرة.

تأتي النتائج المنشورة في دورية Nature Cancer من تجربة سريرية من المرحلة الأولى قادها باحثون من كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس، وأجريت في مركز "سايتمان" للسرطان.

ورغم أن التجربة صغيرة ومبكرة، فإنها تقدم دليلاً أولياً على أن اللقاحات الشخصية قد تكون طريقاً جديداً للتعامل مع ورم ظل لعقود من أكثر الأورام استعصاء على العلاج.

سرطان سريع النمو ومحدود الخيارات

الورم الأرومي الدبقي سرطان دماغي سريع النمو وغير قابل للشفاء في صورته الحالية، ويصيب نحو 4 من كل 100 ألف شخص في الولايات المتحدة.

وغالبا ما يبدأ العلاج بالجراحة لإزالة أكبر قدر ممكن من الورم، ثم العلاج الإشعاعي والكيميائي، لكن المشكلة الكبرى أن هذا الورم يميل إلى العودة سريعاً، وأن خلاياه قادرة على التغير والتكيف والتهرب من الهجوم المناعي أو العلاجي.

وتزداد الصعوبة في نوع فرعي محدد من المرضى شملتهم هذه التجربة، إذ كانت أورامهم من النوع المؤثر في جين (MGMT)، وهو نمط معروف بأنه أقل استجابة للعلاج الكيميائي المتاح، لذلك فإن أي تدخل يستطيع إبطاء تقدم المرض أو تأخير عودته في هذه الفئة يعد موضع اهتمام علمي كبير، حتى لو كان ما يزال في مرحلة الاختبار المبكر.

ويقول الباحثون إن الفكرة الأساسية في اللقاح الجديد ليست منع الإصابة بالسرطان، كما تفعل اللقاحات التقليدية ضد العدوى، بل تدريب الجهاز المناعي للمريض بعد تشخيص المرض على التعرف إلى خلايا الورم ومهاجمتها.

ويعتمد ذلك على حقيقة أن كل ورم يحمل بروتينات فريدة ناتجة عن طفراته الخاصة، ويمكن للجهاز المناعي، إذا وجه بدقة، أن يتعامل معها كعلامات غريبة.

لقاح يفصل على مقاس كل ورم

يعتمد العلاج المستخدم في الدراسة، والمعروف باسم (GNOS-PV01)، على تقنية قائمة على الحمض النووي. في هذا النهج، يقوم الباحثون بتحليل ورم كل مريض لتحديد بروتينات فريدة تظهر على الخلايا السرطانية، تُعرف باسم "المستضدات الجديدة". بعد ذلك تُصمم جزيئات صناعية من الحمض النووي تحمل تعليمات تهدف إلى تنشيط الجهاز المناعي، بحيث يتعرف على هذه الأهداف، ويهاجمها بشكل انتقائي.

وبحسب الدراسة، استطاعت المنصة تنشيط الجهاز المناعي لدى كل مريض ضد ما يصل إلى 40 بروتيناً سرطانياً خاصاً بورمه، وهو عدد يفوق بنحو الضعف ما استهدفته أي علاجات لقاحية سرطانية سابقة حتى الآن.

ويقول الباحثون إن توسيع عدد الأهداف قد يكون مهماً في ورم مثل الورم الأرومي الدبقي، لأنه قادر على فقدان بعض العلامات أو تغييرها للتهرب من المناعة. وكلما زاد عدد الأهداف التي يتعلم الجهاز المناعي التعرف إليها، زادت فرص استمرار الهجوم المناعي، حتى لو تغير الورم جزئياً.

ويوضح المؤلف الرئيسي للدراسة تانر يوهانس، طبيب الأورام بجامعة واشنطن، أن اختيار منصة قائمة على الحمض النووي جاء؛ لأنها تتيح استهداف عدد أكبر من البروتينات السرطانية مقارنة بمنصات لقاحية أخرى ذات أهداف محدودة.

ووفق مضمون تصريحاته، فإن الهدف كان توليد استجابة مناعية أوسع وأكثر قوة، بما قد يمنح اللقاح فرصة أفضل في مواجهة ورم متغير وشديد العدوانية.

من "بارد" إلى "ساخن"

تصف الأبحاث المناعية بعض الأورام بأنها "باردة" أي أن بيئتها الداخلية لا تجذب خلايا المناعة، أو لا تسمح لها بالعمل بفعالية. وينتمي الورم الأرومي الدبقي إلى هذه الفئة، فهو لا يكتفي بالنمو داخل الدماغ، بل يخلق حوله بيئة تساعده على الاختباء من الجهاز المناعي.

وتسعى فكرة اللقاح في هذه التجربة إلى تغيير المعادلة، فإلى جانب تعليم المناعة التعرف إلى بروتينات الورم، يهدف اللقاح إلى جعل بيئة الورم أكثر قابلية للتنشيط المناعي، أي تحويله من ورم "بارد" إلى ورم "ساخن" يمكن للجهاز المناعي مهاجمته بصورة أفضل.

ويقول يوهانس إن هذا الجانب مهم لأن فشل كثير من العلاجات المناعية السابقة في الورم الأرومي الدبقي قد يكون مرتبطاً بقدرة الورم على منع المناعة من الوصول الفعال إليه أو العمل داخله.

وشملت التجربة 9 مرضى بالغين شخصوا حديثاً بالورم الأرومي الدبقي، وتلقوا العلاج في مركز "سايتمان" للسرطان.

وبعد الجراحة، أخذت معلومات ورمية خاصة بكل مريض، ثم صنع لقاح شخصي خلال فترة التعافي وما تلاها من علاج إشعاعي.

بدأت حقن اللقاح، في المتوسط، بعد 10 أسابيع من الجراحة، وأعطيت الجرعات كل 3 أسابيع لمدة 9 أسابيع، ثم كل 9 أسابيع بعد ذلك ما دام المرضى قادرين على الاستمرار في المشاركة.

وأظهرت النتائج أن جميع المشاركين، باستثناء مريض واحد كان يتناول دواء ستيرويدياً مثبطا للمناعة، سجلوا زيادة في نشاط الخلايا المناعية، بما يشير إلى حدوث استجابة للقاح.

على مستوى النتائج السريرية، لم يظهر تقدم للسرطان لدى ثلثي المرضى بعد 6 أشهر من الجراحة، كما بقي ثلثا المرضى على قيد الحياة بعد عام. وتشير الدراسة إلى أن النسبة المعتادة تاريخياً لمرضى الورم الأرومي الدبقي الذين يصلون إلى أي من هذين المؤشرين تقارب 40%.

وبعد عامين، كان ثلث المشاركين ما يزالون على قيد الحياة، وهي نسبة تعادل ضعف معدل البقاء التاريخي لهذه الفئة من المرضى. كما بقيت إحدى المشاركات على قيد الحياة، ومن دون عودة للمرض بعد نحو 5 سنوات من التشخيص الأولي.

ولا تعني هذه النتائج أن اللقاح أثبت فعاليته النهائية، لأن التجربة صغيرة وغير مصممة بعد للمقارنة الحاسمة مع العلاج القياسي في مجموعة كبيرة. لكنها تمنح الباحثين سبباً قوياً للانتقال إلى دراسات أوسع، خصوصاً أن اللقاح لم يسبب آثاراً جانبية خطيرة في هذه المجموعة المبكرة.

قصة مريضة 

من بين المشاركين في التجربة كيم جارلاند وهي ممرضة مدرسية متقاعدة من ولاية ميزوري. بدأت قصتها في يونيو 2021، عندما لاحظت أسرتها أثناء مشاركتها في مخيم شبابي أنها تعاني نوبات من الارتباك والنسيان، مع صداع متقطع خلال اليوم. وبعد فحص في قسم الطوارئ، أظهرت الصور وجود كتلة في الدماغ يبلغ قطرها 6.5 سنتيمتر.

خضعت جارلاند لجراحة لإزالة الورم، ثم جاء التشخيص الذي أكد أن الكتلة ورم أرومي دبقي من الدرجة الرابعة. وعندما عرضت عليها المشاركة في التجربة السريرية، وافقت على أمل أن تسهم تجربتها في تحسين علاجات المستقبل. لم تكن هي وزوجها يتوقعان، بعد هذا التشخيص، أن تمر قرابة 5 سنوات من دون عودة المرض.

تظل هذه الحالة فردية، ولا يمكن تعميمها على كل المرضى، لكنها تبرز ما يبحث عنه العلماء في مثل هذه التجارب والمتمثل في فهم لماذا يستفيد بعض المرضى بصورة كبيرة، وكيف يمكن جعل هذه الاستفادة أكثر اتساعاً وانتظاماً.

يؤكد الباحثون أن المرحلة المقبلة يجب أن تختبر اللقاح في مجموعة أكبر من المرضى، وأن توسع استخدامه ليشمل أنواعاً مختلفة من الورم الأرومي الدبقي، لا النوع الفرعي شديد الصعوبة الذي ركزت عليه التجربة الحالية فقط. كما تدرس جامعة واشنطن إمكانات الجمع بين هذه المنصة الشخصية وعلاجات أخرى، على أمل تعزيز الاستجابة المناعية وتحسين النتائج.

ويرى المؤلف المشارك في الدراسة جافين دن جراح الأورام العصبية، أن اللقاحات العلاجية الشخصية التي تستهدف المستضدات الجديدة تمثل اتجاها واعدا في الورم الأرومي الدبقي وغيره من السرطانات، لكنها تتطلب تعاوناً عالي التنظيم بين فرق الجراحة والأورام والمناعة والتحليل الجيني والتصنيع الحيوي.

تصنيفات

قصص قد تهمك