
طوّر باحثون نموذجاً للذكاء الاصطناعي يستطيع تقدير احتمالات الإصابة بسرطان الثدي، قبل 10 سنوات من حدوثها، اعتماداً على صور الماموجرام الرقمية، بحسب دراسة حديثة.
وأظهرت نتائج الدراسة، المنشورة في دورية Science Translational Medicine، أن النموذج الجديد تفوق على أداة سريرية مستخدمة حالياً لتقدير الخطر طويل الأمد.
وتمكن النموذج، عند تطبيق الإرشادات السريرية، من تحديد 40% من سرطانات الثدي، في مؤشر ربما يفتح الباب أمام دور أوسع للذكاء الاصطناعي في الوقاية الأولية.
فحص سرطان الثدي
تعتمد مواجهة سرطان الثدي على مزيج من التوعية، وتعديل نمط الحياة، والفحص الدوري، خاصة عبر تصوير الثدي بالأشعة السينية، المعروف بالماموجرام، لكن التحدي الأكبر لا يقتصر على اكتشاف الورم بعد ظهوره، بل يشمل تحديد النساء الأكثر عرضة للإصابة قبل سنوات، حتى يمكن توجيه جهود الوقاية والمتابعة المكثفة إليهن بدقة أكبر.
وتعرف هذه المقاربة باسم الوقاية الأولية، أي التدخل قبل حدوث المرض، أو قبل تحوله إلى مشكلة سريرية واضحة.
وعادة ما يستخدم الأطباء نماذج سريرية لتقدير خطر الإصابة بسرطان الثدي، منها نموذج "تايرر-كوزيك" (Tyrer-Cuzick Model) في نسخته الثامنة، يعتمد على عوامل معروفة مثل التاريخ العائلي، وبعض المعطيات السريرية، غير أن هذه النماذج قد لا تلتقط كل الإشارات البيولوجية الدقيقة التي يمكن أن تكون موجودة بالفعل داخل صورة الثدي نفسها.
وأفادت الدراسة بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يستخدم كأداة تحليل قادرة على قراءة أنماط معقدة في الصور الرقمية، قد لا تكون واضحة للعين البشرية، أو للنماذج التقليدية.
الذكاء الاصطناعي والتنبؤ بالسرطان
ظهرت في السنوات الأخيرة نماذج ذكاء اصطناعي متعددة لتحليل صور الماموجرام، وتقدير خطر سرطان الثدي، لكن معظمها صمم للتنبؤ بالخطر قصير الأمد، لكنه لا يلبي بالكامل الحاجة السريرية إلى معرفة النساء الأكثر عرضة للإصابة خلال فترة أطول تمتد 10 سنوات.
ولسد هذه الفجوة، طور الباحثون نموذجاً لتقدير خطر الإصابة خلال 10 سنوات، سواء في الأورام الغازية، أو السرطانات الموضعية غير الغازية.
واعتمد الباحثون على بيانات صور ماموجرام رقمية من مجموعتين كبيرتين في الولايات المتحدة والسويد، جمعت بين عامي 2010 و2020.
وشملت البيانات 8696 شخصاً، من بينهم 1633 مريضة بسرطان الثدي، وبذلك أتيحت للنموذج فرصة التعلم من صور تعود لأشخاص أصيبوا لاحقاً بالمرض، ومقارنتها بصور أشخاص غير مصابين، بهدف تحديد السمات التصويرية المرتبطة بارتفاع الخطر على المدى الطويل.
أداء واعد وتحديات
قدر النموذج الخطر الإجمالي للإصابة بسرطان الثدي خلال 10 سنوات بنسبة 3.83% في إحدى المجموعتين، و3.14% في المجموعة الأخرى.
كما أظهر أداءً واعداً في تقدير خطر الإصابة بالأورام الغازية تحديداً، وهي الفئة ذات الأهمية السريرية الكبيرة؛ لأنها تمثل سرطانات قادرة على غزو الأنسجة المحيطة، وربما تحتاج إلى تدخل علاجي أكثر تعقيداً.
وعند مقارنة النموذج بأدوات أخرى، تفوق على نموذج "تايرر-كوزيك" في نسخته الثامنة، وكذلك على نموذج ذكاء اصطناعي مخصص لتقدير الخطر خلال 5 سنوات يعرف باسم "ميراي"، في التنبؤ بالسرطانات بين أعلى 10% من الأشخاص من حيث الخطر.
وتشير النتائج إلى أن النموذج استطاع تحديد 40% من سرطانات الثدي باستخدام الإرشادات السريرية، وهي نتيجة تعزز فكرة دمجه المحتمل في بروتوكولات الفحص القائمة، بحيث تصبح صورة الماموجرام مصدراً مزدوج الفائدة، يكشف عما هو موجود الآن، ويساعد في تقدير ما قد يحدث لاحقاً.
وإذا تأكدت هذه النتائج في دراسات لاحقة وأكثر تنوعاً، فربما يصبح تحليل الماموجرام بالذكاء الاصطناعي جزءاً من مسار الوقاية الشخصية من سرطان الثدي.
ولكن رغم النتائج الواعدة، يقول الباحثون إن معظم المشاركين في الدراسة كانوا من أصول أوروبية، وهذا يعني أن أداء النموذج قد لا يكون مضموناً بنفس الدرجة لدى مجموعات سكانية أكثر تنوعاً من حيث الخلفية الوراثية، والبنية السكانية، وأنماط كثافة الثدي، وسياقات الرعاية الصحية.









