
أفادت دراسة سكانية واسعة في الولايات المتحدة بأن تأخر بدء علاج سرطان القولون والمستقيم، بعد التشخيص، يزيد احتمالات الوفاة بين من يصابون بالمرض قبل سن الخمسين.
وحللت الدراسة، المنشورة في دورية JAMA Oncology، بيانات أكثر من 112 ألف مريض، بينهم أكثر من 12 ألف مريض جرى تشخصيهم قبل الخمسين.
وذكرت الدراسة أن تأخر العلاج لأكثر من 6 أسابيع بعد التشخيص النسيجي لم يكن مجرد تفصيل تنظيمي في مسار الرعاية، بل ارتبط بنتائج بقاء أسوأ، حتى بعد أخذ عوامل مثل مرحلة المرض، وموقع الورم، والتأمين الصحي، والهشاشة الاجتماعية في الاعتبار.
سرطان القولون والمستقيم
ارتبط سرطان القولون والمستقيم بالتقدم في العمر، ولذلك ركزت برامج الفحص المبكر لعقود على الفئات الأكبر سناً، لكن السنوات الماضية شهدت ارتفاعاً مقلقاً في الحالات التي تظهر قبل سن الخمسين، وهي الفئة التي تعرف باسم سرطان القولون والمستقيم المبكر الظهور.
وتشير الدراسة إلى أن معدل هذا النوع من السرطان زاد بنحو 3% سنوياً خلال الـ 15 عاماً الماضية، في حين تتوقع تقديرات عالمية أن يمثل بحلول عام 2030 نحو 10% من سرطانات القولون، و25% من سرطانات المستقيم.
ويضع هذا التحول النظام الصحي أمام تحديين متداخلين؛ أولهما الاشتباه في المرض لدى أشخاص أصغر سناً قد لا يتوقعون هم ولا أطباؤهم الإصابة بسرطان القولون والمستقيم، والثاني هو ضمان ألا يؤدي التأخر، بعد التشخيص، إلى إضعاف فرص النجاة، خصوصاً أن العلاج في كثير من الحالات يعتمد على توقيت حساس، سواء كان جراحة أو علاجاً كيميائياً أو إشعاعياً.
اعتمد الباحثون على "سجل تكساس للسرطان"، وراجعوا بيانات المرضى الذين جرى تشخيصهم بين عامي 2004 و2019.
وقسمت الدراسة المرضى إلى مجموعتين؛ مرضى السرطان المبكر الظهور (قبل سن الخمسين)، ومرضى السرطان المعتاد الظهور (في سن الخمسين أو بعدها).
بلغ عدد المرضى الإجمالي أكثر من 112 ألف مريض، وكان 12 ألف و79 منهم، أي نحو 11%، ضمن فئة السرطان المبكر الظهور. وعرّف الباحثون تأخر العلاج بأنه مرور أكثر من 42 يوماً، أي 6 أسابيع، بين التشخيص النسيجي وبدء العلاج النهائي.
تأخر العلاج وتراجع النجاة
أظهرت النتائج أن تأخر العلاج ارتبط بتراجع البقاء على قيد الحياة في مجموعة مرضى سرطان القولون والمستقيم عموماً؛ إذ كان تأخر العلاج مرتبطاً بزيادة خطر الوفاة، مع معدل خطر بلغ 1.29، أما لدى مرضى السرطان المبكر الظهور تحديداً، فظل الارتباط واضحاً أيضاً؛ إذ ارتبط التأخر في العلاج بنتائج بقاء أسوأ، مع معدل خطر بلغ 1.35.
وهذا يعني أن المرضى الأصغر سناً، الذين بدأوا علاجهم بعد أكثر من 6 أسابيع من التشخيص كانت نتائج بقائهم أسوأ مقارنة بمن بدأوا العلاج في وقت أقرب، ولم يقتصر هذا النمط على مرحلة واحدة من المرض؛ فقد أشارت الدراسة إلى أن مرضى السرطان المبكر الظهور الذين تعرضوا لتأخر في العلاج أظهروا بقاء أسوأ عند تحليل المرض
وقال الباحثون إن الفئة الأصغر سناً، التي قد تكون أكثر قدرة على تحمل العلاج، وأقل معاناة من الأمراض المصاحبة، مقارنة بكبار السن، يظل عامل الوقت لديهم مهم؛ فالشباب لا يلغي خطورة التأخير، ولا يجعل الانتظار بعد التشخيص دون كلفة.
مفارقة عمرية
وقالت الدراسة إن مرضى السرطان المبكر الظهور أظهروا في المجمل بقاء عاماً أفضل من المرضى الأكبر سناً.
وقد يكون ذلك مفهوماً جزئياً؛ لأن المرضى الأصغر سناً غالباً ما تكون لديهم أمراض مصاحبة أقل، وقدرة أعلى على تحمل العلاج المكثف، كما أظهرت الدراسة أنهم كانوا أكثر احتمالاً لتلقي العلاج الكيميائي والإشعاعي مقارنة بالمرضى الأكبر سناً.
لكن هذه الصورة لا تعني أن المرض أقل خطورة لدى الشباب، وعلى العكس، بيّنت الدراسة أن مرضى السرطان الذي ظهر مبكراً كانوا أكثر عرضة للتشخيص في مراحل متقدمة؛ فقد ظهر المرض المنتشر لدى 24.9% منهم، مقابل 18.2% لدى من جرى تشخيصهم في سن الخمسين أو بعدها، كما كانت أورام الجانب الأيسر من القولون وأورام المستقيم أكثر شيوعاً في هذه الفئة الأصغر سناً.
حاجز اللغة
حللت الدراسة خصائص مرضى السرطان المبكر الظهور الذين تعرضوا لتأخر في العلاج، ووجدت أنهم كانوا أكثر احتمالاً لأن يكونوا من الرجال، أو غير مؤمن عليهم، أو مصابين بأورام في المستقيم، أو مشخصين بمرض منتشر، أو من سكان المناطق الأعلى هشاشة اجتماعياً.
وبرز عامل شديد الأهمية، وهو حاجز اللغة؛ فعند تحليل مكونات مؤشر الهشاشة الاجتماعية، ظهر أن عامل اللغة والانتماء إلى الأقليات كان مرتبطاً بتأخر العلاج، وبعد إجراء تحليل إضافي لفصل أثر اللغة عن أثر الانتماء العرقي أو الإثني، بقيت الملاحظة الأساسية قائمة، ما دفع الباحثين إلى اعتبار حاجز اللغة عاملاً قابلاً للتعديل.
وتقول النتائج إن المريض الذي لا يتحدث لغة النظام الصحي بطلاقة ربما يواجه صعوبات في فهم التشخيص، واستيعاب الخيارات العلاجية، وتنسيق المواعيد، والحصول على الموافقات، والتواصل مع الأطباء.
وفي مرض يحتاج إلى قرارات سريعة ومتعددة التخصصات، قد يتحول ضعف التواصل إلى تأخير علاجي له أثر حقيقي على البقاء.
وأوضح الباحثون أن معالجة الفجوات قد تكون فرصة لتحسين النتائج، خصوصاً أن بعض العوامل الاجتماعية أكثر قابلية للتدخل من العوامل البيولوجية، مؤكدين أن تعزيز خدمات الترجمة الطبية، وتسهيل تنسيق الرعاية، ووضع مسارات سريعة للمرضى الأصغر سناً بعد التشخيص، قد يساعد في تقليل فترة الانتظار الحرجة ما قد يحسن نتائج العلاج.










