
أظهرت دراسة واسعة النطاق أن مخططات نمو الأجنة الموحدة، المستخدمة في مستشفيات هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا لمتابعة نمو الأطفال قبل الولادة، قد تفشل في رصد بعض الأطفال المعرّضين للخطر، أو تصنّف آخرين على أنهم صغار أو كبار الحجم على غير الحقيقة، بما قد يؤدي إلى تفويت حالات معرّضة لمضاعفات خطيرة أو إلى تدخلات طبية غير ضرورية.
وبحسب الدراسة، التي نشرتها دورية BMJ وشملت أكثر من 3.2 مليون ولادة في إنجلترا بين عامي 2015 و2025، فإن الاعتماد على مقاس واحد لتقييم نمو الأجنة لا يعكس دائماً الفروق الطبيعية بين الحوامل، مثل وزن الأم وأصلها العرقي، وهي عوامل يمكن أن تؤثر في الحجم المتوقع للجنين داخل الرحم.
ومخططات نمو الأجنة هي رسوم بيانية يستخدمها الأطباء أثناء الحمل لمقارنة حجم الجنين ووزنه المتوقع بالسونار مع الحجم الطبيعي لعمره داخل الرحم، بحيث يعرفون هل ينمو بالمعدل المناسب أم أنه أصغر أو أكبر من المتوقع؛ وتكمن أهميتها في رصد حالات تقييد نمو الجنين مبكراً، وهي حالة قد ترتبط بمشكلات في المشيمة أو تدفق الدم وتزيد مخاطر المضاعفات.
مخططات موحدة
لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن المخططات الموحدة التي تتعامل مع كل الحوامل بالطريقة نفسها قد تخطئ أحياناً؛ لأنها لا تراعي اختلافات طبيعية مثل وزن الأم وطولها وأصلها العرقي، لذلك يرى الباحثون أن المخططات المخصصة لكل أم قد تساعد على اكتشاف الأطفال المعرّضين للخطر بدقة أكبر، وتجنب في الوقت نفسه تدخلات طبية غير ضرورية.
وقال الباحثون من "معهد الفترة المحيطة بالولادة في برمنجهام" (Perinatal Institute)، إن المخططات المخصصة التي تعدل التقديرات وفق خصائص الأم قد توفر تقييماً أكثر دقة واتساقاً، وتساعد القابلات والأطباء على تحديد الأجنة الذين يحتاجون إلى متابعة إضافية خلال الحمل.
ويُعد تقييد نمو الجنين، أي نموه داخل الرحم بمعدل أبطأ من المتوقع، من عوامل الخطر المهمة المرتبطة بنتائج حمل سيئة، بينها ولادة جنين ميت.
وأشارت الدراسة إلى أن عدم التعرف على هذه المشكلة أثناء الحمل يظل أحد أكثر الأسباب شيوعاً للوفيات التي يمكن تجنبها قبل الولادة أو بعدها.
وتستخدم مستشفيات مختلفة داخل النظام الصحي البريطاني عدة مخططات لتقدير ما إذا كان الجنين صغيراً أو كبيراً بالنسبة لعمر الحمل، بينها مخططات هادلوك، وإنترجروث-21، ومنظمة الصحة العالمية، ومؤسسة طب الجنين، إضافة إلى مخططات "جرو" المخصصة التي يمكن تعديلها حسب خصائص كل أم.
عمر الحمل
وقارن الباحثون أداء تلك المخططات في بيانات ولادات غطّت 38 من أصل 42 مجلس رعاية صحية متكاملة في إنجلترا، وهي مناطق تنظيمية تشرف على تقديم خدمات الرعاية الصحية. ووجدوا أن المخططات غير القابلة للتعديل أعطت معدلات شديدة التباين للأطفال المصنفين على أنهم صغار أو كبار بالنسبة لعمر الحمل.
وعلى سبيل المثال، تراوحت نسبة الأطفال المولودين بعد الأسبوع السابع والثلاثين من الحمل والمصنفين على أنهم صغار بالنسبة لعمر الحمل، أي دون الشريحة المئوية العاشرة، بين 4.8% عند استخدام مخطط إنترجروث، و17.2% عند استخدام مخططات منظمة الصحة العالمية ومؤسسة طب الجنين، مقابل 12.3% باستخدام مخططات "جرو" المخصصة.
ويرى الباحثون أن ذلك التباين لا يعكس بالضرورة اختلافاً حقيقياً في صحة الأجنة، بل قد يكون نتيجة لاختلاف طريقة بناء المخططات نفسها. فبعض المخططات العالمية استند إلى بيانات من دول وسكان مختلفين، بينما استند معيار "جرو" إلى بيانات سكانية من داخل المملكة المتحدة، مع إمكانية تعديل التقدير وفقاً لاختلافات الأم الطبيعية.
وذكرت الدراسة أن المشكلة لا تقتصر على اختلاف النتائج بين مخطط وآخر، إذ ظهرت أيضاً فروق واسعة عند استخدام المخطط نفسه في مناطق مختلفة، بسبب اختلاف خصائص السكان محلياً. لكن هذا التباين كان أقل وضوحاً مع المخططات المخصصة، لأنها تراعي هذه الفروق عند حساب النمو المتوقع.
وتكمن أهمية النتيجة في أن تصنيف الجنين على أنه صغير جداً قد يدفع إلى تكثيف الفحوص أو التعجيل بالولادة، بينما قد يؤدي عدم رصد تقييد النمو الحقيقي إلى غياب المتابعة اللازمة في وقت يمكن فيه التدخل لتقليل المخاطر.
كما أن تصنيف الجنين على أنه كبير الحجم قد يرفع احتمال اللجوء إلى تدخلات مثل الولادة القيصرية أو التحريض المبكر للولادة دون حاجة واضحة.
تحرك عاجل
وشدد الباحثون على أن النتائج قائمة على دراسة رصدية، وبالتالي لا تثبت وحدها أن نوع المخطط المستخدم يؤدي مباشرة إلى نتائج أسوأ أو أفضل.
كما أقروا بأنهم استخدموا وزن الطفل عند الولادة، وليس الوزن المقدر بالموجات فوق الصوتية أثناء الحمل، لتقييم أداء المخططات. لكنهم قالوا إن هذا النهج أتاح إدراج جميع الحالات، بما في ذلك الحوامل اللواتي لم يخضعن لفحوص نمو إضافية أثناء الحمل.
وأضافوا أن حجم البيانات يمنح النتائج قوة مهمة، إذ اعتمد التحليل على معلومات روتينية تغطي نحو 90% من مناطق هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا، وهو ما يدعم دعوتهم إلى توحيد طريقة تقييم نمو الأجنة على مستوى وطني.
وتدعو الدراسة إلى تحرك عاجل لتوحيد مخططات النمو المستخدمة في خدمات الأمومة داخل النظام الصحي البريطاني، معتبرة أن غياب معيار موحد قد يخلق تفاوتاً في جودة الرعاية بين منطقة وأخرى، ويجعل سلامة الحمل مرتبطة بالمكان الذي تتابع فيه المرأة حملها.
وتأتي النتائج في سياق نقاش أوسع داخل بريطانيا بشأن سلامة خدمات الأمومة والحد من وفيات الفترة المحيطة بالولادة. وذكر الباحثون أن الاعتماد على بروتوكولات محلية متفرقة قد يجعل بعض المستشفيات لا تكتشف أن ممارساتها تساهم في نتائج نادرة لكنها كارثية إلا بعد فوات الأوان.
واقترح الباحثون إنشاء برنامج منسق على مستوى هيئة الخدمات الصحية الوطنية، يتضمن رقابة وطنية شبه فورية على جودة تقييم نمو الأجنة وسلامة الممارسات المرتبطة به، حتى يمكن رصد المشكلات مبكراً وتعديل السياسات قبل تكرار الأضرار.
ولا تعني النتائج، بحسب الباحثين، أن كل جنين صغير الحجم معرّض بالضرورة للخطر، أو أن كل جنين كبير الحجم يحتاج إلى تدخل طبي، لكنها تشير إلى أن التمييز بين الاختلاف الطبيعي في حجم الجنين وبين النمو غير السليم يحتاج إلى أدوات أكثر دقة من المخططات الموحدة التي تتعامل مع جميع الحوامل بالطريقة نفسها.
ويقول الباحثون إن الهدف من المخططات المخصصة ليس زيادة التدخلات الطبية، بل تحسين القدرة على توجيه الرعاية إلى الحالات التي تحتاجها فعلاً، وتجنب القلق أو الإجراءات غير الضرورية للحالات التي يقع حجم الجنين فيها ضمن حدود الاختلاف الطبيعي.










