
كشفت أكبر دراسة جينية من نوعها عن عوامل خطر وراثية ترتبط بمتلازمة الألم العضلي الليفي "الفيبروميالجيا"، في نتائج تدعم فرضية أن الاضطراب يرتبط بآليات معالجة الجهاز العصبي الألم، وليس بعوامل نفسية وحدها.
وحلل باحثون، منهم علماء في كلية كينجز لندن، البيانات الجينية لأكثر من 2.5 مليون بالغ، بينهم نحو 55 ألفاً شُخصوا بالفيبروميالجيا، وتمكنوا من تحديد اختلافات في تسلسل الحمض النووي داخل 26 منطقة من الجينوم ترتبط بخطر الإصابة بالاضطراب.
ونشرت الدراسة في دورية Nature Medicine، وشارك فيها 53 باحثاً من سبع دول، اعتماداً على بيانات جمعت من 11 دراسة صحية في الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفنلندا، وإستونيا، والدنمارك، وأيسلندا.
الألم العضلي الليفي
والفيبروميالجيا اضطراب مزمن يتسم بألم واسع الانتشار، وحساسية شديدة للمس، وغالباً ما يصاحبه التعب، واضطرابات النوم، ومشكلات الذاكرة والمزاج. ويقدر أنه يصيب نحو 2% من سكان العالم، لكن أسبابه البيولوجية ظلت غير مفهومة بصورة كاملة.
وقال الباحثون إن كثيراً من الجينات، التي ظهرت في المناطق الجينية المرتبطة بالمرض، تلعب أدواراً في وظائف الدماغ والأعصاب، وهو ما يشير إلى أن اختلافات في الطريقة التي يعالج بها الجهاز العصبي إشارات الألم قد تكون جزءاً أساسياً من نشوء المرض.
وقالت الباحثة المشاركة في الدراسة، فرانسيس وليامز، أستاذة علم الأوبئة الجينومية في كلية كينجز لندن، إن تحليل الحمض النووي لأكثر من مليوني شخص يمنح الباحثين ثقة كبيرة في قوة النتائج؛ مضيفة أن النتائج "تشير إلى أن الفيبروميالجيا تمثل مشكلة في معالجة الألم".
أساس بيولوجي للمرض
أجرى الفريق ما يعرف بدراسة الارتباط على مستوى الجينوم، إذ فحص ملايين الاختلافات الجينية لدى المصابين بالفيبروميالجيا، وقارنها بغير المصابين، بحثاً عن متغيرات تظهر بوتيرة أعلى بين المرضى.
وقال المعد المشارك في الدراسة، مايكل وينبرج، الباحث في معهد لونينفيلد-تانينباوم وجامعة تورونتو، إن النتائج قد تغير الطريقة التي ينظر بها الأطباء والباحثون إلى المرض، مضيفاً أن المرضى عانوا لعقود من التقليل من شأن أعراضهم، أو إرجاع الألم إلى عوامل نفسية فقط، بينما توفر النتائج الجديدة دليلاً إضافياً على وجود أساس بيولوجي واضح للاضطراب.
لكن الباحثين شددوا على أن النتائج لا تعني توفر اختبار جيني يمكن استخدامه حالياً لتشخيص الفيبروميالجيا، كما أنها لا تقدم علاجاً جديداً بصورة مباشرة؛ إذ تكمن أهميتها في الكشف عن مسارات بيولوجية يمكن دراستها بصورة أعمق، بما قد يفتح مستقبلاً الباب أمام طرق أفضل للتشخيص، أو تصميم علاج يستهدف الآليات العصبية المسؤولة عن الألم.
الفيبروميالجيا ومرض هنتنجتون
وكان من أبرز النتائج أن أقوى المتغيرات الجينية ارتباطاً بخطر الفيبروميالجيا وقع داخل جين يعرف باسم "HTT".
وتسبب أنواع مختلفة من الطفرات في هذا الجين مرض هنتنجتون، وهو اضطراب عصبي تنكسي وراثي شديد، يتفاقم تدريجياً، ويؤثر في الحركة والقدرات الإدراكية والسلوك.
وحدد الباحثون كذلك متغيراً جينياً آخر يقود إلى مستقبل يعرف باسم "GPR52"، الذي يشارك في تنظيم مستويات بروتين HTT.
ويخضع هذا المستقبل بالفعل للدراسة باعتباره هدفاً دوائياً محتملاً في مرض هنتنجتون، لكن الباحثين قالوا إن الصلة التي ظهرت في الدراسة لا تعني أن الفيبروميالجيا وهنتنجتون مرض واحد، أو أن الأدوية التي يجري اختبارها لهنتنجتون ستكون بالضرورة فعالة ضد الفيبروميالجيا، وإنما تشير النتيجة إلى احتمال وجود مسارات عصبية مشتركة تستحق مزيداً من البحث.
تداخل مع آلام الظهر
وأظهرت الدراسة أيضاً تداخلاً جينياً ملحوظاً بين الفيبروميالجيا، وعدد من الحالات الأخرى، منها آلام أسفل الظهر ومتلازمة القولون العصبي، واضطراب ما بعد الصدمة.
ويرى الباحثون أن آليات مشتركة، داخل الجهاز العصبي، قد تجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للإصابة بعدة اضطرابات مزمنة في الوقت نفسه، وهو ما قد يفسر ملاحظة الأطباء لتكرار ظهور هذه الحالات لدى المرضى أنفسهم، أو داخل العائلات.
وقالت وليامز إن متلازمات الألم المزمن تميل إلى التجمع لدى الأفراد والعائلات، كما تتشابه وراثياً بدرجات متفاوتة؛ مضيفة أن استهداف الآليات البيولوجية المشتركة بينها قد يسمح مستقبلاً بتطوير علاج يمكن أن تفيد مجموعة من اضطرابات الألم المزمن بدلاً من التعامل مع كل حالة بصورة منفصلة.
الجينات وحدها لا تكفي
ورغم تحديد عوامل وراثية جديدة، أكد الباحثون أن الجينات لا تحدد وحدها ما إذا كان الشخص سيصاب بالفيبروميالجيا.
ويرجح معدو الدراسة أن الأشخاص الذين يحملون عدداً كبيراً من المتغيرات الجينية المرتبطة بالخطر قد يحتاجون أيضاً إلى عوامل محفزة أخرى حتى تظهر المتلازمة، مثل الإصابة بحالة مؤلمة مزمنة كالتهاب المفاصل، أو التعرض لعوامل بيئية، أو أحداث حياتية معينة.
وقال الباحث المشارك في الدراسة، ناسا سينوت-أرمسترونج، الأستاذ المساعد في مركز فريد هاتش للسرطان، إن فهم كيفية تفاعل الجينات مع التعرضات البيئية، وتجارب الحياة يمثل خطوة أساسية لفهم أسباب المرض.
وأضاف أن دراسة المحفزات التي تسبق ظهور الفيبروميالجيا، وما يصاحبها من تغيرات في أنسجة الجهاز العصبي، قد تساعد في توضيح العمليات التي تدفع إلى نشوء المرض وتحديد أهداف علاجية جديدة.
وتوفر النتائج أحد أقوى الأدلة الجينية، حتى الآن، على أن الفيبروميالجيا ترتبط باضطرابات في شبكات معالجة الألم داخل الجهاز العصبي، لكنها تترك أسئلة رئيسية مفتوحة بشأن كيفية تحول الاستعداد الوراثي إلى أعراض مرضية، وأي المسارات المكتشفة يمكن استهدافها بأمان وفاعلية لدى المرضى.










