
كشفت 3 دراسات مستقلة الآلية الجزيئية التي تنشط أحد أجهزة الإنذار في المناعة الفطرية، موضحة كيف يمكن لطفرات وراثية معينة أن تدفع الجسم إلى إطلاق نوبات التهابية متكررة من دون وجود عدوى.
وحددت الدراسات، المنشورة في دورية Science Immunology، إنزيماً خلوياً يسمى CDC42، بوصفه شريكاً يرتبط ببروتين المناعة "بيرين"، ويساعد على تنظيم قدرته على تشغيل الالتهاب.
ويكون بروتين بيرين، الذي ينتجه جين MEFV، غير نشط عادة في الخلايا السليمة، لكنه قد ينشط عند تعرض الخلية لبعض السموم، أو الإنزيمات البكتيرية التي تزيل القيود المفروضة عليه.
وعند تنشيطه، يتجمع بيرين مع بروتينات أخرى لتكوين مركب مناعي، يعرف باسم الجسيم الالتهابي، الذي يؤدي إلى إفراز جزيئات التهابية، وموت بعض الخلايا للمساعدة على مواجهة الخطر.
أمراض التهابية ذاتية
لكن طفرات في جين MEFV يمكن أن تجعل هذا الإنذار شديد الحساسية، أو نشطاً أكثر من اللازم، ما يسبب أمراضاً التهابية ذاتية وراثية، أبرزها حمى البحر المتوسط العائلية التي تتميز بنوبات متكررة من الحمى، والتهاب مؤلم في البطن والصدر والمفاصل.
وكان العلماء قد حددوا سابقاً عدداً من الطفرات المرتبطة بالمرض في جزء من بروتين بيرين، يعرف باسم نطاق B30.2، لكن الطريقة التي تؤثر بها هذه الطفرات في عمل البروتين ظلت غير واضحة.
وفي إحدى الدراسات، فحص الباحثون 265 تغيراً وراثياً في جين MEFV، مسجلاً في قاعدة بيانات للمرضى، واختبروا تأثير كل منها في تنشيط بيرين داخل المختبر.
وأظهرت النتائج أن نطاق B30.2 يؤدي دوراً مهماً في تجمع بروتينات بيرين، كما تبين أن جين CDC42 يستطيع الارتباط بهذا النطاق، وتنظيم حركة بيرين داخل الخلية.
ووجد الباحثون أن عدداً من الطفرات المرتبطة بحمى البحر المتوسط زاد قوة انجذاب بيرين إلى CDC42، ما أدى إلى فرط تنشيط الجسيم الالتهابي. كما تمكنت بعض الطفرات من تشغيل بيرين بصورة مفرطة حتى من دون الاعتماد على CDC42.
وبدأت الدراستان الأخريان من الاتجاه المعاكس، إذ فحصتا طفرات نادرة في جين CDC42 لدى مرضى يعانون اضطرابات التهابية ذاتية مختلفة.
وحدد العلماء طفرة تسمى CDC42M45L انتقلت عبر ثلاثة أجيال من عائلة تعاني مرضاً التهابياً ذاتياً. وعززت الطفرة الارتباط بين CDC42 وبيرين، على الأرجح بسبب تغير حمض أميني في موضع التفاعل بين البروتينين.
آلية دفاع طبيعية
كما درس الباحثون طفرة أخرى تسمى CDC42T43I ظهرت لدى 6 مرضى من عائلات لا تربط بينها صلة قرابة.
وارتبطت هذه الطفرة بزيادة إنتاج الجزيئات المحفزة للالتهاب، والتهابات جلدية متكررة، واضطرابات في النمو العصبي. وأظهرت التجارب أنها تجعل ارتباط CDC42 بنطاق B30.2 في بيرين أكثر استقراراً، ما يعزز تشغيل الجسيم الالتهابي، وموت الخلايا.
وتشير النتائج مجتمعة إلى أن التفاعل، بين CDC42 وبيرين، يعمل كمفتاح دقيق للالتهاب، وأن تغير قوة هذا التفاعل، أو استقراره يمكن أن يحول آلية دفاع طبيعية، إلى مصدر لمرض مزمن.
وقال الباحثون إن رسم التأثير الوظيفي للطفرات المختلفة قد يساعد على تحديد ما إذا كان التغير الجيني المكتشف لدى المريض ضاراً بالفعل، وتحسين تشخيص الأمراض الالتهابية النادرة.
وقد تمهد النتائج أيضاً لتطوير علاج موجه يعطل الارتباط المرضي بين بيرين وCDC42 من دون إيقاف وظائف المناعة الطبيعية بالكامل، بما يفتح المجال أمام نهج للطب الدقيق يعتمد على الطفرة التي يحملها كل مريض.
لكن الباحثين أشاروا إلى أن جانباً كبيراً من النتائج يستند إلى تجارب خلوية، وإلى أعداد محدودة من المرضى المصابين بالطفرات النادرة، ما يتطلب دراسات إضافية قبل تطوير علاجات سريرية تستهدف هذه الآلية.










