التوتر المزمن دليلك لكابوس صامت قد يرهق القلب ويضعف المناعة | الشرق للأخبار

التوتر المزمن.. دليلك إلى كابوس صامت قد يرهق القلب ويضعف المناعة

يصبح أكثر خطورة عندما يتحول من استجابة قصيرة لموقف ضاغط إلى حالة مستمرة

time reading iconدقائق القراءة - 11
امرأة تصرخ غضباً في عرض فني يختبر المشكلات النفسية والإجهاد الجسدي، بلجراد، صربيا. 7 مايو 2022 - REUTERS
امرأة تصرخ غضباً في عرض فني يختبر المشكلات النفسية والإجهاد الجسدي، بلجراد، صربيا. 7 مايو 2022 - REUTERS
القاهرة -

من الدماغ إلى القلب، ومن الجهاز المناعي والنوم إلى السلوك اليومي.. لا يتوقف التوتر عند كونه شعوراً نفسياً عابراً؛ بل حالة بيولوجية واسعة التأثير.

ويصبح التوتر أكثر خطورة عندما يتحول من استجابة قصيرة لموقف ضاغط إلى حالة مستمرة، يعيش فيها الجسم فترات طويلة في وضع التأهب، كما لو أن الخطر لا ينتهي.

وتعرّف منظمة الصحة العالمية التوتر بأنه حالة من القلق، أو الشد الذهني تحدث بسبب موقف صعب، موضحة أنه استجابة إنسانية طبيعية تساعد الإنسان على مواجهة التحديات والتهديدات.

اقرأ أيضاً

دراسة: التوتر يسرع شيخوخة الخلايا ويخفض متوسط العمر المتوقع

دراسة علمية تشرح كيف يسرّع التوتر المزمن شيخوخة الخلايا ويرفع العمر البيولوجي، ولماذا يمكن لنمط الحياة الصحي أن يعكس هذا التأثير ويحمي الجهاز العصبي.

الفرق بين التوتر العابر والمزمن

وتفرق المنظمة بين قدر محدود من التوتر قد يساعد على أداء المهام اليومية، وبين التوتر الزائد، أو المستمر الذي قد يسبب مشكلات جسدية ونفسية، منها اضطراب النوم، والصداع، وآلام الجسم، واضطرابات المعدة، وصعوبة التركيز، وقد يؤدي أيضاً إلى تفاقم مشكلات صحية موجودة مسبقاً.

وتوضح الدراسات إن الفارق الأساسي بين التوتر العابر، والتوتر المزمن هو الزمن؛ فالتوتر العابر قد يحدث قبل امتحان أو مقابلة عمل أو موقف مفاجئ، ثم يهدأ الجسم بعد انتهاء الحدث، أما التوتر المزمن فيستمر أياماً، أو أسابيع أو شهوراً؛ بسبب ضغوط العمل، أو المشكلات المالية، أو النزاعات الأسرية، أو المرض الطويل، أو الرعاية المستمرة لمريض، أو ظروف اجتماعية واقتصادية قاسية. 

وفي هذه الحالة لا يحصل الجسم على فرصة كافية للعودة إلى وضع الراحة، فتتحول استجابة الحماية إلى عبء فسيولوجي.

ماذا يفعل التوتر في الجسم؟

عند التعرض للتوتر، ينشط الجهاز العصبي السمبثاوي، وهو جزء من الجهاز العصبي المسؤول عن استجابة "الكر أو الفر"، ويفرز الجسم هرمونات مثل الأدرينالين والنورأدرينالين، فتزداد سرعة ضربات القلب، ويرتفع ضغط الدم، ويتسارع التنفس، وتتجه الطاقة إلى العضلات والدماغ لمواجهة الخطر. 

وفي الوقت نفسه ينشط محور الوطاء والغدة النخامية والغدة الكظرية، وهو نظام هرموني يؤدي في النهاية إلى إفراز الكورتيزول، أحد أهم هرمونات التوتر، وتوضح المراجع الطبية أن هذه الاستجابة مفيدة في المدى القصير، لكنها تصبح ضارة عندما تبقى نشطة لفترات طويلة.

وذكرت دراسات أن القلب من أكثر الأعضاء تأثراً بالتوتر المزمن؛ فالاستجابة الفسيولوجية للتوتر ترفع النبض والضغط وتزيد العبء على الأوعية الدموية.

وتشير جمعية القلب الأميركية إلى أن التوتر المزمن يعني بقاء الجسم في حالة تأهب لفترة طويلة، وأنه قد يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، وهو عامل رئيسي يزيد خطر النوبات القلبية، والسكتات الدماغية.

التوتر وأمراض القلب

أوضحت الجمعية أن التوتر يرتبط بسلوكيات ترفع خطر أمراض القلب، مثل التدخين، والإفراط في الطعام، وقلة النشاط البدني، وسوء النظام الغذائي، وزيادة الوزن، وعدم الالتزام بالأدوية.

ولا تقتصر الآليات التي تربط التوتر بالقلب على ارتفاع الضغط؛ فالمراجعات العلمية الحديثة تشير إلى أن التوتر النفسي يرتبط بزيادة خطر أمراض القلب والأوعية الدموية، مع وجود تفاوت بين الدراسات في طريقة قياس التوتر وحجم الارتباط.

وذكرت مراجعة نشرتها دورية Nature Review Cardiology عام 2024، أن الاستجابات الفسيولوجية للتوتر قد تلعب دوراً أساسياً في خطر أمراض القلب، خصوصاً عبر اضطرابات ديناميكا الدم، ووظيفة الأوعية الدموية، والاستجابة المناعية والالتهابية.

أخطار التوتر

تبدأ سلسلة أخطار التوتر عادة من الدماغ؛ إذ تشارك مناطق دماغية في معالجة الخوف، والتهديد، والانفعال، وترسل إشارات إلى الجهاز العصبي الذاتي، وإلى المحور الهرموني المسؤول عن إفراز الكورتيزول، تؤثر في الأوعية والقلب والالتهاب وتجلط الدم.

ووفق المراجعة نفسها، يمكن لهذه المسارات أن تسهم في اضطراب بطانة الأوعية الدموية، وزيادة الالتهاب، ونقص تدفق الدم إلى عضلة القلب، واضطراب نظم القلب، وقد تكون أكثر خطراً لدى الأشخاص الذين لديهم أصلاً عوامل خطورة قلبية، أو مرض قلبي قائم.

وتدعم بيانات أخرى هذه الصلة من زاوية هرمونات التوتر؛ ففي مراجعة منهجية، وتحليل تلوي، نشرا عام 2024 في دورية International Journal of Cardiology، شملت 33 دراسة، وأكثر من 43 ألف مشارك، وجد الباحثون أن المستويات الأعلى من هرمونات التوتر ارتبطت بخطر أعلى لأمراض القلب والأوعية الدموية مقارنة بالمستويات الأقل، وبلغ الخطر النسبي 1.63 عند مقارنة المستويات الأعلى بالأقل لكل هرمونات التوتر مجتمعة، كما ظهر ارتباط منفصل مع النورأدرينالين والأدرينالين والكورتيزول.

سلوكيات تسبب التوتر

إلى جانب التأثير المباشر على القلب والأوعية، يعمل التوتر المزمن من خلال مسار غير مباشر لكنه مهم، وهو السلوك؛ فالشخص الواقع تحت ضغط مستمر قد ينام أقل، أو يأكل بكميات أكبر، أو يميل إلى أطعمة عالية السكر والدهون، أو يقل نشاطه البدني، أو يزيد استهلاكه للتبغ والكحول، أو يهمل المتابعة الطبية.

هذه السلوكيات ليست مجرد نتائج نفسية للتوتر، بل عوامل مستقلة، تزيد خطر ارتفاع ضغط الدم، والسكري، واضطراب الدهون، وتصلب الشرايين. لذلك، قد يكون تأثير التوتر على القلب مزيجاً من مسارات بيولوجية مباشرة، ومسارات سلوكية يومية.

ويمثل النوم حلقة إضافية في هذه العلاقة؛ إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التوتر قد يصعب الاسترخاء، ويرتبط بمشكلات النوم، كما تؤكد أن النوم يساعد الجسم والعقل على الإصلاح والاسترخاء والتجدد، وعندما يصبح التوتر سبباً في الأرق، أو النوم المتقطع، يزداد اضطراب الهرمونات، والضغط، والشهية والالتهاب، فتتشابك الدائرة بين التوتر، وسوء النوم، وصحة القلب، والمناعة.

أما الجهاز المناعي، فيتأثر بالتوتر بطريقة مركبة؛ ففي المواقف القصيرة، قد يؤدي التوتر الحاد إلى تعبئة بعض مكونات المناعة مؤقتاً، كجزء من استعداد الجسم للإصابة، أو العدوى المحتملة. 

علاقة التوتر بزيادة الكورتيزول

لكن التوتر المزمن يختلف؛ لأنه يطيل تعرض الجسم للكورتيزول والكاتيكولامينات، ما قد يغير توازن الخلايا المناعية، والرسائل الكيميائية الالتهابية.

وأفادت مراجع فسيولوجيا التوتر بأن التعرض المزمن ينشط الجهاز العصبي السمبثاوي، ومحور التوتر الهرموني، وقد يثبط الاستجابات المناعية الفطرية والمكتسبة، ويزيد قابلية العدوى، ويؤخر التئام الجروح، ويسهم في اضطراب الالتهاب الجهازي.

ويلعب الكورتيزول دوراً محورياً في هذه العملية؛ ففي الظروف الطبيعية، يساعد الكورتيزول على تنظيم الالتهاب، ومنع المبالغة في الاستجابة المناعية، لكن ارتفاعه لفترات طويلة قد يغير نشاط الخلايا المناعية، خصوصاً الخلايا الليمفاوية، ويؤثر في إنتاج السيتوكينات، وهي جزيئات تستخدمها الخلايا المناعية للتواصل.

التوتر وضعف المناعة

يمكن أن يظهر التوتر المزمن في صورتين متداخلتين، هما: ضعف في بعض وظائف الدفاع المناعي من ناحية، وزيادة في الالتهاب منخفض الدرجة من ناحية أخرى. 

وتفسر هذه الازدواجية لماذا يمكن للتوتر المزمن أن يرتبط بالعدوى المتكررة، أو بطء التعافي، وفي الوقت نفسه بعوامل التهابية تدخل في أمراض القلب والأوعية. 

ومن أكثر الأدلة العملية وضوحاً على علاقة التوتر بالمناعة ما ظهر في دراسات الاستجابة للقاحات؛ ففي دراسة على مقدمي رعاية حاليين، وسابقين لمرضى الخرف، ومجموعة ضابطة، فحص الباحثون الاستجابة المناعية للقاح بكتيري ضد المكورات الرئوية. 

ولم تختلف المجموعات كثيراً في البداية، أو بعد أسبوعين أو شهر من التطعيم، لكن مقدمي الرعاية الحاليين سجلوا مستويات أقل من الأجسام المضادة بعد 3 و6 أشهر مقارنة بالمجموعات الأخرى.

وخلص الباحثون إلى أن التوتر المزمن يمكن أن يثبط ثبات استجابة الأجسام المضادة للقاح.

اقرأ أيضاً

الأكل غير الصحي في الصغر يؤدي لأمراض القلب والسكري والرئة

عادات الأكل، السهر، قلة الحركة والتدخين في الطفولة قد ترفع خطر السكري وأمراض القلب والاكتئاب لاحقاً. خبراء يشرحون العلاقة وإمكانية الوقاية.

لا يعني ذلك أن كل شخص متوتر سيصاب بمرض قلبي، أو ضعف مناعي واضح؛ إذ تشير الأدلة إلى ارتباطات ومسارات خطر، وليست إلى نتيجة حتمية واحدة عند كل الأفراد، وتختلف الاستجابة حسب العمر، والجينات، والحالة الصحية السابقة، ونمط النوم، والنشاط البدني، والدعم الاجتماعي، وشدة الضغوط ومدتها، ووجود أمراض نفسية مثل القلق، والاكتئاب، أو اضطراب ما بعد الصدمة. 

وأفادت مراجعة 2024 عن التوتر وأمراض القلب بأن الفروق الفردية في مسارات الدماغ والجهاز العصبي الذاتي قد تساعد في تفسير لماذا يكون بعض الأشخاص أكثر قابلية للتأثر القلبي بالتوتر من غيرهم.

علاقة معقدة

من الناحية السريرية، تظهر أهمية التوتر المزمن لأنه قد يعمل كعامل مضاعف للخطر؛ فقد يتأثر شخص لديه ارتفاع ضغط، أو سكري، أو اضطراب دهون، أو تاريخ عائلي لأمراض القلب أكثر من شخص لا يملك عوامل خطورة مشابهة. 

كما أن التوتر يمكن أن يعقد السيطرة على هذه الأمراض؛ لأنه قد يضعف الالتزام بالعلاج، ويزيد اضطراب النوم، ويجعل النظام الغذائي، والنشاط البدني أقل انتظاماً. ومن هنا، لا يُعامل التوتر المزمن في الأدبيات الطبية كسبب منفرد دائماً، بل كعامل يضيف عبئاً على منظومة خطر موجودة.

في المناعة أيضاً، يكون الأثر أوضح عند الفئات الأكثر هشاشة ككبار السن، وذوي الأمراض المزمنة، ومن يتلقون أدوية مثبطة للمناعة، ومقدمي الرعاية لفترات طويلة، ومن يعانون نقص النوم أو سوء التغذية، هذه الفئات قد تكون أكثر عرضة لظهور أثر التوتر على العدوى، أو التعافي أو الاستجابة المناعية. 

ومع ذلك، تؤكد الأدلة أن العلاقة معقدة، وأن قياس التوتر نفسه ليس سهلاً؛ لأنه قد يعتمد على استبيانات نفسية، أو مؤشرات حيوية مثل الكورتيزول، أو قياسات فسيولوجية مثل تغير معدل ضربات القلب، أو مزيج من هذه الأدوات.

التعامل مع التوتر

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التعامل مع التوتر يشمل الحفاظ على روتين يومي، والنوم الكافي، والتواصل مع الآخرين، وتناول غذاء متوازن، وممارسة النشاط البدني بانتظام، وتقليل التعرض المفرط للأخبار إذا كان يزيد الضغط.

هذه الإجراءات لا تقدم باعتبارها علاجاً لكل الأمراض، بل كجزء من إدارة التوتر، وتقليل أثره على الرفاهية والصحة النفسية والجسدية.

كما تشير جمعية القلب الأميركية إلى أن إدارة التوتر مفيدة للصحة العامة، لكنها تلفت إلى أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات العشوائية لتحديد مدى قدرة تدخلات خفض التوتر على تقليل خطر أمراض القلب والسكتات بشكل مباشر.

تصنيفات

قصص قد تهمك