
طور باحثون نهجاً علاجياً جديداً يستهدف أحد البروتينات السامة المسؤولة عن مرض عصبي وراثي نادر يصيب الدماغ، وتمكنوا من خفض مستويات هذا البروتين بنحو 90% في خلايا عصبية بشرية مزروعة في المختبر، ما يفتح آفاقاً لتطوير علاج قد يبطئ تطور المرض، ويخفف أعراضه.
وأفادت الدراسة المنشورة في دورية "Science Translational Medicine" بأن العلاج، الذي طوره باحثون من ألمانيا وبريطانيا والبرتغال، يستهدف مرض "الرنح النخاعي المخيخي من النوع الثالث"، المعروف أيضاً باسم "مرض ماتشادو جوزيف"، وهو اضطراب تنكسي عصبي وراثي، يؤدي تدريجياً إلى تدهور القدرة على التحكم في الحركة والتوازن.
ويؤثر المرض على مناطق في الدماغ والجهاز العصبي مسؤولة عن تنسيق الحركات، ما يؤدي إلى ظهور أعراض تشمل صعوبة المشي، واضطرابات الكلام، وحركات العين، وقد تتفاقم هذه المشكلات مع تقدم المرض، بما يؤثر بصورة كبيرة على قدرة المرضى على ممارسة الأنشطة اليومية.
علاج تجريبي لمرض ماتشادو جوزيف
يرجع المرض إلى طفرة وراثية تؤدي إلى إنتاج نسخة غير طبيعية من بروتين يسمى "Ataxin-3" نتيجة تكرار جزء معين من الحمض النووي مرات أكثر من المعتاد. ويتسبب تراكم البروتين غير الطبيعي في إلحاق الضرر بالخلايا العصبية، ما يؤدي بمرور الوقت إلى تدهور وظائفها.
وقال الباحث المشارك في الدراسة، شتيفان هاوزر، إن معظم المرضى يحملون نسختين من الجين المسؤول عن إنتاج البروتين، تكون إحداهما مصابة بالطفرة المسببة للمرض، بينما تظل النسخة الأخرى سليمة، وتنتج البروتين الطبيعي الذي يؤدي وظائف مهمة داخل الخلايا.
وأوضح أن التحدي الأساسي يتمثل في خفض إنتاج البروتين الضار دون التأثير، بصورة كبيرة، على البروتين الطبيعي، وهو ما لم تتمكن بعض الاستراتيجيات العلاجية السابقة من تحقيقه بالدقة المطلوبة.
واعتمد الباحثون على تطوير جزيئات دوائية مصممة خصيصاً تسمى "الأوليجونوكليوتيدات المضادة للاتجاه" (Antisense Oligonucleotides)، وهي سلاسل قصيرة من الأحماض النووية تستطيع الارتباط بجزيئات الحمض النووي الريبي المرسال التي تنقل التعليمات الوراثية اللازمة لإنتاج البروتينات داخل الخلايا.
وصمم الباحثون هذه الجزيئات للتعرف بصورة انتقائية على الحمض النووي الريبي المرسال الناتج عن النسخة المصابة من الجين، وتحفيز تحلله قبل استخدامه في تصنيع البروتين السام.
وأظهرت التجارب على الخلايا العصبية البشرية المزروعة في المختبر أن أكثر الجزيئات فاعلية نجحت في تقليل مستويات بروتين "Ataxin-3" الضار بنحو 90%، مع الحفاظ إلى حد كبير على مستويات البروتين الطبيعي.
وقال هاوزر إن هذه النتائج تشير إلى درجة مرتفعة من الدقة في استهداف البروتين المسبب للمرض، وهو ما يمثل اختلافاً مهماً عن أساليب سابقة كانت تقلل إنتاج النسختين الضارة والسليمة معاً.
ولتحقيق هذه الانتقائية، حلل الباحثون المعلومات الوراثية لـ79 مصاباً بالمرض، وحددوا اختلافات دقيقة في تسلسل الحمض النووي، تعرف باسم "تعدد أشكال النوكليوتيد المفرد".
علاج أكثر دقة للأمراض الوراثية
استفاد الباحثون من هذه الاختلافات في تصميم جزيئات تستطيع التمييز بين النسختين الوراثيتين المتشابهتين إلى حد كبير، بحيث تستهدف، بصورة تفضيلية، النسخة المسؤولة عن إنتاج البروتين الضار.
ويرى الباحثون أن هذه الاستراتيجية قد تساعد مستقبلاً في تطوير علاج أكثر دقة للأمراض الوراثية التي تنتج عن نسخة معيبة من أحد الجينات، مع ضرورة الحفاظ على وظيفة النسخة السليمة.
ومع ذلك، أكد الباحثون أن النتائج لا تزال في مرحلة مبكرة؛ إذ اقتصرت التجارب على خلايا عصبية بشرية مزروعة في المختبر، ولم يثبت بعد أن خفض البروتين السام سيؤدي إلى تحسن الأعراض، أو إبطاء تطور المرض لدى البشر.
ويعتزم الباحثون تحسين الجزيئات العلاجية الأكثر فاعلية، واختبار سلامتها وقدرتها على العمل في نماذج مختبرية أكثر تعقيداً، قبل الانتقال المحتمل إلى الدراسات السريرية.
وقال هاوزر إن الهدف طويل المدى يتمثل في اختبار العلاج على المرضى، لكنه أشار إلى أن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى مزيد من الوقت والأبحاث للتأكد من فاعلية العلاج وسلامته.
وتقدم النتائج دليلاً مختبرياً أولياً على إمكانية التدخل في الآلية الجزيئية المسؤولة عن المرض، بدلاً من الاقتصار على التعامل مع أعراضه، لكنها لا تعني حتى الآن التوصل إلى علاج معتمد لمرض الرنح النخاعي المخيخي من النوع الثالث.










