
أظهر علاج تجريبي من الجيل الجديد قدرة على مكافحة سرطان الدم النخاعي الحاد المقاوم للأدوية، بما في ذلك الأورام التي تحمل طفرات جينية ترتبط بضعف فرص النجاة، وفقاً لدراسة قبل سريرية قد تمهد لاختبار نهج جديد لدى المرضى الذين ينتكس لديهم المرض بعد العلاج الأولي.
وقال باحثون من "مركز إم دي أندرسون للسرطان" بجامعة تكساس، إن العقار التجريبي "إن تي إكس-301" (NTX-301) كان أكثر فاعلية من العلاج القياسي "أزاسيتيدين" (Azacitidine) في عدد من النماذج المختبرية والحيوانية، وظل نشطاً ضد خلايا سرطانية اكتسبت مقاومة لأدوية خفض مثيلة الحمض النووي ولعقار "فينيتوكلاكس" (Venetoclax).
وبحسب النتائج المنشورة في دورية Clinical Cancer Research، عزز العقار أيضاً تأثير "فينيتوكلاكس" عند استخدامهما معاً، ولم يقتصر نشاط المزيج على الخلايا السرطانية الناضجة، بل امتد إلى الخلايا الجذعية والسلفية لسرطان الدم، التي يُعتقد أنها تساعد المرض على البقاء والعودة بعد العلاج.
لكن الدراسة أُجريت على خلايا ونماذج حيوانية مشتقة من أورام مرضى، ولم تختبر بعد ما إذا كان العقار آمناً أو فعالاً لدى البشر. وقال الباحثون إن هناك حاجة إلى دراسات إضافية وتجارب سريرية قبل معرفة ما إذا كانت النتائج ستترجم إلى فائدة فعلية للمرضى.
وسرطان الدم النخاعي الحاد، هو مرض سريع التطور يصيب الدم ونخاع العظام، وينشأ عندما تتكاثر خلايا نخاعية غير طبيعية وتزاحم الخلايا الطبيعية المسؤولة عن إنتاج كريات الدم الحمراء والبيضاء والصفائح الدموية.
وتحسنت خيارات العلاج خلال السنوات الأخيرة، وأصبح الجمع بين أحد العوامل الخافضة لمثيلة الحمض النووي و"فينيتوكلاكس" من العلاجات الأولية المستخدمة لدى كثير من المرضى، خصوصاً غير القادرين على تحمُّل العلاج الكيميائي المكثف.
ويحقق هذا المزيج استجابة أولية لدى عدد من المرضى، لكن خلايا سرطان الدم تستطيع التكيف مع الضغط العلاجي وتطوير مسارات بديلة للبقاء، مما يؤدي إلى ظهور المقاومة وانتكاس المرض.
وقال المؤلف المشارك في الدراسة، مايكل أندريف، أستاذ سرطان الدم في "إم دي أندرسون" والقائد المشارك للدراسة، إن خلايا اللوكيميا تتميز بقدرة كبيرة على التكيف والعثور على طرق جديدة للنجاة بعد العلاج.
وأضاف أندريف أن النتائج تشير إلى أن عقار "إن تي إكس-301" التجريبي قد يعطل عدة آليات للبقاء في الوقت نفسه، مع إعادة تنشيط مسارات طبيعية تكبح نمو الخلايا، وهو ما قد يفسر استمرار نشاطه في بعض أكثر أشكال سرطان الدم مقاومة للعلاج.
مفاتيح تشغيل الجينات
وينتمي عقار "إن تي إكس-301" التجريبي إلى فئة العوامل الخافضة لمثيلة الحمض النووي، وهي أدوية تؤثر في العلامات الكيميائية التي تتحكم في تشغيل الجينات أو إيقافها من دون تغيير تسلسل الحمض النووي نفسه.
وتُعرف هذه التغيرات باسم التغيرات فوق الجينية. وفي الخلايا السرطانية، قد تؤدي أنماط المثيلة غير الطبيعية إلى إيقاف جينات تكبح نمو الورم أو تساعد الخلية على الاستجابة للتلف، مما يسمح للخلايا الخبيثة بالتكاثر ومقاومة العلاج.
وتستخدم أدوية مثل "أزاسيتيدين" (Azacitidine) و"ديسيتابين" (Decitabine) لتعديل هذه الأنماط وإعادة تشغيل بعض الجينات. لكن المرض قد يتوقف عن الاستجابة لها بمرور الوقت، كما أن تأثيرها الواسع في مثيلة الحمض النووي لا يضمن استهداف المسارات الأكثر أهمية في كل ورم.
وقال الباحثون إن عقار "إن تي إكس-301" التجريبي أحدث تغيرات أكثر انتقائية في مجموعة من الجينات ومسارات الإشارات الخلوية، بدلاً من خفض المثيلة بصورة عامة فقط.
واختبر الفريق البحثي العقار في عدة نماذج لسرطان الدم النخاعي الحاد المقاوم للعلاج، تضمنت خلايا بشرية ونماذج حيوانية زُرعت فيها خلايا سرطانية مأخوذة من مرضى، وهي نماذج تُعرف باسم "الطعوم الورمية" المشتقة من المرضى.
وأدى العقار إلى خفض بقاء خلايا سرطان الدم بصورة أكبر من "أزاسيتيدين"، واحتفظ بنشاطه في عينات أصبحت مقاومة للعلاج الخافض للمثيلة و"فينيتوكلاكس" معاً.
نشاط ضد طفرات شديدة الخطورة
وأظهر العقار كذلك نشاطاً في نماذج تحمل طفرات في جين "تي بي 53" (TP53) وهي من أصعب حالات سرطان الدم النخاعي الحاد علاجاً.
ويعمل جين "تي بي 53" في الظروف الطبيعية بوصفه أحد أهم أنظمة الحماية داخل الخلية، إذ يوقف انقسام الخلايا التي تَعرَّض حمضها النووي للتلف أو يدفعها إلى الموت المبرمج قبل أن تتحول إلى خلايا سرطانية.
وعندما يتعرض الجين للطفرات، تفقد الخلايا جزءاً أساسياً من هذه الرقابة، وقد تصبح أكثر عدوانية وأقل استجابة للعلاج الكيميائي والعلاجات الموجهة. ولذلك ترتبط طفرات "تي بي 53" عادة بارتفاع خطر الانتكاس وقصر مدة الاستجابة.
وأشارت النتائج الجديدة إلى أن عقار "إن تي إكس-301" التجريبي قد يقتل بعض هذه الخلايا من خلال مسارات لا تعتمد بصورة كاملة على الوظيفة الطبيعية لجين "تي بي 53"، إلا أن الباحثين لم يثبتوا بعد أن هذا التأثير سيظهر لدى المرضى.
وكشف التحليل الجزيئي عن آلية لم تكن معروفة من قبل لنشاط العقار، إذ أدى العلاج إلى إعادة تنشيط مسار خلوي يُعرف باسم "هيبو".
ويعمل "مسار هيبو" بصفته نظاماً طبيعياً لتنظيم حجم الأنسجة ونمو الخلايا، وعندما يعمل بصورة سليمة، يحد من الانقسام المفرط ويحافظ على التوازن بين تكاثر الخلايا وموتها.
لكن بعض الأورام تستطيع تعطيل هذا المسار، مما يسمح بتنشيط بروتين يسمى "ياب" يرتبط بتكاثر الخلايا السرطانية وقدرتها على البقاء والحفاظ على صفات الخلايا الجذعية ومقاومة الأدوية.
ووجد الباحثون أن عقار "إن تي إكس-301" التجريبي زاد نشاط عدد من الجينات الرئيسية في "مسار هيبو"، وفي الوقت نفسه خفض نشاط بروتين "ياب"، وقد يسهم هذا التأثير المزدوج في كبح نمو سرطان الدم وإضعاف قدرته على تطوير المقاومة.
وقال الفريق البحثي إن هذه الآلية تختلف عن التفسير التقليدي لعمل الأدوية الخافضة للمثيلة، وتوضح كيف يمكن للتغيرات فوق الجينية الموجهة أن تعيد تشغيل أنظمة داخلية تمنع النمو السرطاني.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن تنشيط "مسار هيبو" وحده مسؤول عن جميع تأثيرات العقار، إذ أشارت النتائج إلى أن الدواء غير عدة شبكات جينية ومسارات تساعد خلايا سرطان الدم على النجاة.
تأثير أقوى مع "فينيتوكلاكس"
اختبر الباحثون العقار بالاشتراك مع "فينيتوكلاكس"، وهو دواء يعطل بروتين "بي سي إل-2" الذي تستخدمه بعض خلايا سرطان الدم لتجنب الموت المبرمج.
وأنتج الجمع بين العلاجين تأثيراً أقوى من استخدام كل منهما منفرداً في عينات مقاومة للعلاج، بما يشير إلى أن إعادة برمجة الخلايا فوق جينياً قد تجعلها أكثر حساسية مجدداً لتثبيط "بي سي إل-2".
وكان تأثير المزيج في الخلايا الجذعية والسلفية للوكيميا مهماً بصورة خاصة، لأن هذه الخلايا تستطيع البقاء بأعداد صغيرة بعد اختفاء معظم الخلايا السرطانية، ثم إعادة تكوين المرض والتسبب في الانتكاس.
وقال الباحثون إن استهداف الخلايا السرطانية الرئيسية والخلايا الجذعية معاً قد يساعد نظرياً على إطالة مدة الاستجابة، لكن الدراسة لم تقدم بيانات من مرضى ولا يمكنها إثبات أن هذا سيحدث سريرياً.
طريق طويل قبل الاستخدام الطبي
وقالت المؤلفة المشاركة في الدراسة، بينج كارتر، أستاذة سرطان الدم، إن الجانب المشجع يتمثل في أن الدراسة حددت فرصة علاجية محتملة وقدمت في الوقت نفسه تفسيراً بيولوجياً لسبب نجاحها في النماذج المقاومة.
وأضافت أن النتائج توفر أساساً لمواصلة التطوير السريري، وتشير إلى أن استهداف إشارات "هيبو" قد يمثّل وسيلة للتعامل مع مقاومة العلاج في سرطان الدم النخاعي الحاد.
وسيتعين على الدراسات المقبلة تحديد الجرعة الآمنة للعقار، والآثار الجانبية المحتملة، وكيفية تفاعله مع "فينيتوكلاكس" والعلاجات الأخرى، إلى جانب تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة منه.
وقد يكون المرضى المصابون بسرطان دم منتكس أو مقاوم لفينيتوكلاكس، وكذلك حاملو طفرات "تي بي 53"، من الفئات التي يمكن دراستها في التجارب السريرية المستقبلية.
ومن الضروري أيضاً تطوير مؤشرات حيوية تكشف ما إذا كان "مسار هيبو" معطلاً في ورم المريض، وما إذا كان تنشيطه بعد العلاج يرتبط بالفعل بتحسن الاستجابة أو البقاء.
وقال الباحثون إن النتائج تقدم دليلاً قبل سريري على أن إعادة برمجة العلامات فوق الجينية بصورة أكثر انتقائية قد تساعد في التغلب على عدة أشكال من مقاومة العلاج في الوقت نفسه.
وخلص الباحثون إلى أن عقار "إن تي إكس-301" يمثّل مرشحاً بحثياً واعداً، لكنه لا يزال علاجاً تجريبياً، ولا تقدم الدراسة الحالية أساساً لاستخدامه خارج التجارب السريرية.










