
توجت الهجمات الأميركية الإسرائيلية المشتركة، التي أسفرت عن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، شهرين من التحركات السياسية والعسكرية، سعى خلالهما الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بذل جهود دبلوماسية، والتلويح بخيارات عسكرية على مسارين متوازيين، لكنه اختار في النهاية "قرار الحرب"، حسبما أورد موقع "أكسيوس" الاميركي.
وأشار الموقع الأميركي، إلى أنه عندما كانت القنابل الإسرائيلية تسقط على مقر المرشد الإيراني في العاصمة طهران، صباح السبت، كان خامنئي يجتمع فوق الأرض مع العديد من كبار مستشاريه، حيث لم يتوقع حدوث ذلك أبداً.
بدأت الأزمة، باحتجاجات شعبية في أنحاء إيران في أواخر شهر ديسمبر الماضي، كانت "نموذجاً" لأسلوب ترمب، "حافلة بالتغيرات المفاجئة، والتحولات في اللحظة الأخيرة والمعلومات المضللة المتعمدة". وفي نهاية المطاف، كان الغموض بحد ذاته ميزة استراتيجية، ما جعل القيادة الإيرانية عرضة لأكبر هجوم جوي شنه الجيش الإسرائيلي على الإطلاق، وفق "أكسيوس".
وبدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران، السبت، حيث شنّت قوات البلدين ضربات جوية استهدفت مواقع عسكرية وعدداً من أبرز قادة البلاد، وفي المقابل قصفت إيران عدداً من دول المنطقة بالصواريخ والمسيّرات.
نتنياهو و"بذور الحرب"
موقع "أكسيوس"، اعتبر أن "بذور الحرب" التي انطلقت، السبت، زُرعت في أواخر ديسمبر، عندما زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترمب في منتجع مارالاجو بولاية فلوريدا. وكانت الاحتجاجات المناهضة للنظام قد بدأت للتو في إيران، ولم يكن من الواضح بعد مدى أهميتها.
واستغل نتنياهو الاجتماع لمناقشة شن عمليات لاحقة، لحرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025، وهذه العمليات الجديدة كان من المقرر إجراؤها مبدئياً في شهر مايو تقريباً، وركز نتنياهو بشكل أساسي على قدرات إيران في مجال الصواريخ الباليستية.
وفي غضون أيام، تغيرت الحسابات، حيث سقط آلاف المتظاهرين خلال الاحتجاجات التي شهدتها إيران.
وكتب ترمب آنذاك على منصته للتواصل "تروث سوشيال": "المساعدة في طريقها إليكم"، وحض المتظاهرين على السيطرة على المؤسسات الحكومية.
وفي 14 يناير، كان ترمب على وشك إصدار أمر بشن ضربات جوية، لكنه تراجع. وبدلاً من ذلك، أمر بإيفاد تعزيزات عسكرية ضخمة في الشرق الأوسط، وبدأ في التخطيط سراً لعملية مشتركة مع إسرائيل.
وخلال الأسابيع التالية، زار مدير جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) ديفيد برنياع واشنطن مرتين، تلاه رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وجميعهم نسقوا ما ستطلق عليه تل أبيب وواشنطن لاحقاً عمليتي "زئير الأسد" و"الغضب الملحمي".
محادثات جنيف
في الوقت نفسه، استكشف ترمب ما إذا كان النفوذ العسكري يمكن أن يؤدي إلى إبرام اتفاق مع إيران بشروطه. واجتمعت الولايات المتحدة وإيران في عمان في أوائل فبراير للمرة الأولى منذ حرب 12 يونيو الماضي.
وبعد أيام، سافر نتنياهو على وجه السرعة إلى واشنطن لمناقشة الخطوط الحمراء الأميركية في المفاوضات، وما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل ستشنان عملية عسكرية مشتركة في حال فشل المحادثات.
ولفت "أكسيوس" إلى أنه منذ البداية، كان المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر "متشككين في فرص التوصل إلى اتفاق"؛ لكن 3 مسؤولين أميركيين وإسرائيليين أكدوا أن المحادثات النووية في جنيف في البداية "لم تكن خدعة كاملة".
وقال مسؤول أميركي، إن ترمب أراد محاولة التوصل إلى اتفاق، وأُبلغ الإيرانيون صراحة بأن الضربات العسكرية "ستحدث إذا لم نر تقدماً حقيقياً في اتفاق حقيقي بسرعة كبيرة".
وقبل أسبوع من اجتماع جنيف، اتفقت الولايات المتحدة وإسرائيل على فرصة ممكنة لشن الهجوم، السبت، عندما عقد خامنئي اجتماعاً روتينياً مع كبار مساعديه في مقر حكومته. لكنهما واجها تحدياً دقيقاً، وهو منع خامنئي من الشك في أي شيء والانسحاب إلى مخبأه تحت الأرض.
وقال مسؤول استخباراتي إسرائيلي، إن تقريراً لموقع "أكسيوس"، أشار إلى احتمال اغتيال خامنئي، أثار قلق مخططين عسكريين، لكن المرشد الإيراني لم يغير خططه.
وقبل المحادثات النهائية، عندما سافر كوشنر وويتكوف إلى جنيف، الخميس الماضي، كانا يشكّان بالفعل في إمكانية التوصل إلى اتفاق، لكنهما مضيا قدماً في عقد الاجتماع، وهذا ما جعل الإيرانيين يعتقدون أن الدبلوماسية لا تزال قائمة.
ونقل الموقع عن مسؤول أميركي: "إحدى قواعد إبرام الصفقات هي أن تعرف بسرعة ما إذا كان هناك اتفاق أم لا".
ولفت الموقع إلى أنه خلال الاجتماع، لم يقترب الإيرانيون حتى من الموقف الأميركي "الأكثر مرونة"، وبعد الجلسة الأولى، اتصل كوشنر وويتكوف بنائب الرئيس جي دي فانس عبر خط آمن وأخبراه أن "الفجوات لا تزال واسعة"، و"لم يغير عقد جولة ثانية في ذلك المساء شيئاً"، حسبما أشار موقع "أكسيوس".
وقال مسؤول أميركي رفيع المستوى: "اعتبر كوشنر وويتكوف أن الاقتراح الإيراني كان هراءً ويهدف فقط إلى كسب الوقت. لم يكن هناك أي شيء يمكن العمل عليه".
تكتيكات "المماطلة والخداع"
ولخص مسؤول آخر استراتيجية إيران، بأنها "ألعاب وخدع وتكتيكات للمماطلة" منذ البداية، مضيفاً: "أبلغنا الرئيس (ترمب) بذلك، ومن الواضح أنه قيم الخيارات المختلفة".
وقال مسؤولون أميركيون، إن هناك ثلاثة مسائل لم يتمكنوا من التوصل إلى اتفاق مع إيران بشأنها.
وفيما يتعلق بالبرنامج النووي وأنشطة التخصيب، عرضت الولايات المتحدة على إيران وقوداً نووياً مجانياً لبرنامج نووي مدني، إلى أجل غير مسمى، مقابل التخلي عن التخصيب، ورفض الإيرانيون ذلك. وقال أحد المسؤولين: "كان ذلك مؤشراً كبيراً".
وبشأن برنامج الصواريخ الباليستية، رفض الإيرانيون "في كل الأحوال" مناقشة قدراتهم الصاروخية، وقال أحد المسؤولين: "لا يمكننا الاستمرار في العيش في عالم لا يمتلك فيه هؤلاء الأشخاص صواريخ فحسب، بل يمتلكون أيضاً القدرة على صنع 100 صاروخ شهرياً إلى الأبد، لتجاوز أي دفاعات محتملة".
أما المسألة الثالثة، وهي تمويل الوكلاء الإقليميين، فقد رفضت إيران أيضاً معالجة مسألة تمويلها للجماعات المسلحة في المنطقة، التي تقول الولايات المتحدة وإسرائيل إنها زعزعت استقرار الشرق الأوسط طيلة عقود.
قبل المحادثات وأثناءها، قال مسؤولون أميركيون، إن المعلومات الاستخباراتية أوضحت أن إيران كانت تعيد بالفعل بناء المنشآت النووية التي قال ترمب إنها "دُمرت" في عملية "مطرقة منتصف الليل" في يونيو الماضي.
وعندما طلب كوشنر وويتكوف اقتراحاً ملموساً، قدم الإيرانيون وثيقة من 7 صفحات تحدد احتياجات التخصيب التي قالوا إنها لأغراض مدنية.
وتحقق فريق ترمب من الأرقام مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة. وقال أحد المسؤولين: "سيؤدي هذا إلى قدرة تخصيب تزيد بنحو 5 أضعاف عما هو منصوص عليه في (الاتفاق النووي لعام 2015)".
وأضاف المسؤولون أيضاً، إن إيران كانت تخزن سراً مواد مخصبة في مفاعل طهران للأبحاث تحت ستار الأبحاث الطبية. وقال أحد المسؤولين: "لم يستخدموا أبداً أياً من المواد الانشطارية الموجودة هناك لصنع دواء واحد. كان كل ذلك مصمماً للخداع".
قرار ترمب
ولفت "أكسيوس"، إلى أن هذه الرواية تستند إلى حد كبير إلى تصريحات مسؤولين أميركيين وحلفاء في أعقاب الضربات الأميركية الإسرائيلية، ولم يتسن التحقق منها على الفور من مصادر مستقلة.
وأفاد بأنه "في الساعات الأخيرة بعد محادثات جنيف، سافر وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي على وجه السرعة إلى واشنطن، والتقى بنائب الرئيس جي دي فانس، الجمعة، في محاولة أخيرة لتأجيل قرار ترمب، لكن الرئيس كان قد اتخذ قراره بالفعل".
وذكر "أكسيوس"، أنه عندما سأل مسؤول عربي ويتكوف، الجمعة، عما إذا كان الهجوم وشيكاً، تهرب مبعوث البيت الأبيض من الإجابة على السؤال.
صباح السبت، عقد خامنئي اجتماعاً مع مساعديه كما توقع مخططون أميركيون وإسرائيليون. وفي الوقت نفسه، كان هناك اجتماعان آخران لمسؤولي الأمن والاستخبارات الإيرانيين في طهران. وبعد دقائق، استهدفت الاجتماعات الثلاثة في وقت واحد.
وقال مسؤول استخباراتي إسرائيلي: "لو أن الإيرانيين حضروا إلى جنيف وأعطوا ترمب ما يريد، لكان قد أوقف المسار العسكري؛ لكنهم كانوا متعجرفين وظنوا أنه لن يتخذ أي إجراء. كانوا مخطئين".










