كيف غيرت الحروب الخارجية السياسة الداخلية الأميركية؟ | الشرق للأخبار
تحليل إخباري
حرب إيرانسياسة

كيف غيرت الحروب الخارجية السياسة الداخلية الأميركية؟

time reading iconدقائق القراءة - 19
جانب من البيت الأبيض في واشنطن العاصمة. 2 مارس 2026 - REUTERS
جانب من البيت الأبيض في واشنطن العاصمة. 2 مارس 2026 - REUTERS

تُظهر العقود الستة الماضية أن التدخلات العسكرية الأميركية غالباً ما تعمل في بداياتها كـ"دفعة سياسية" للرئيس، قبل أن تتحول، إذا طال أمدها، أو ارتفعت كلفتها، أو غابت عنها نهاية واضحة، إلى عبء يلتصق باسمه وبحزبه حتى بعد مغادرتهما البيت الأبيض.

ويكاد هذا النمط يتكرر منذ عهد ليندون جونسون في حرب فيتنام وصولاً إلى جورج دبليو بوش في العراق وأفغانستان؛ إذ تبدأ التدخلات بما يُعرف بظاهرة "الالتفاف حول العلم"، التي قد تمنح الرئيس ارتفاعاً مؤقتاً في شعبيته، لكن مع مرور الوقت يؤدي الاستنزاف العسكري والبشري والمالي إلى عقوبات انتخابية، خصوصاً في انتخابات منتصف الولاية، وقد يترك أثراً دائماً في المسار السياسي للرئيس نفسه.

وتزداد هذه الديناميكية حدة خلال الولاية الثانية، حين تتحول "إدارة الإرث" إلى أولوية أساسية، فيصبح الرئيس أكثر ميلاً إلى المخاطرة أو التصعيد أو حتى الانسحاب بقرارات حاسمة، بينما قد يتحمل حزبه الكلفة السياسية في صناديق الاقتراع.

وفي حرب إيران الجارية، تبدو عناصر هذا النموذج التاريخي حاضرة منذ الأسبوع الأول، مع تصاعد الجدل داخل الكونجرس حول صلاحيات الحرب، وظهور استطلاعات رأي تعكس معارضة أو فتوراً تجاه الضربات، إلى جانب تقديرات استخباراتية تشكك في إمكانية تحقيق أهداف قصوى مثل تغيير النظام.

الحرب الكورية.. ارتداد العبء الخارجي

مثلت الحرب الكورية واحدة من أوائل المحطات التي أظهرت كيف يمكن لتدخل عسكري خارجي أن يترك أثراً مباشراً على السياسة الرئاسية الأميركية. فعندما قرر الرئيس هاري ترومان إرسال قوات أميركية إلى شبه الجزيرة الكورية في صيف عام 1950، أظهرت استطلاعات جالوب، أن القرار حظي في بدايته بتأييد واسع، إذ دعمه نحو 78% من الأميركيين.

لكن هذا التأييد بدأ في التراجع مع امتداد الحرب وتزايد كلفتها البشرية والعسكرية، وبحلول يناير 1951، أظهرت استطلاعات الرأي تحولاً ملحوظاً في المزاج العام، إذ قال 49% من الأميركيين إن قرار دخول الحرب كان خطأً، مقابل 38% رأوا غير ذلك.

ثم انعكس هذا التآكل بوضوح على موقع الرئيس الأميركي ترومان السياسي، إذ هبطت نسبة التأييد لأدائه إلى 22% في فبراير 1952، وهو من أدنى المستويات المسجلة لرئيس أميركي في استطلاعات جالوب. ووفق تقديرات Miller Center، كانت الحرب الكورية من بين العوامل الرئيسية التي أضعفت ترومان سياسياً، وأسهمت في قراره عدم خوض السباق الرئاسي مرة أخرى. 

في المقابل، دخل الجمهوري دوايت أيزنهاور انتخابات عام 1952 مستفيداً من هذا المناخ، رافعاً تعهده الشهير بأنه "سيذهب إلى كوريا"، قبل أن يفوز بالرئاسة، وتُوقع الهدنة بعد أشهر من توليه المنصب، لتلعب الحرب الكورية دوراً في إعادة تشكيل التوازن السياسي داخل الولايات المتحدة.

الفشل العسكري في خليج الخنازير

في سجل الحروب والتدخلات الأميركية، يبرز خليج الخنازير بوصفه استثناءً لافتاً، وفشلاً عسكرياً واضحاً، لم يتحول إلى حكم سياسي بالإعدام على الرئيس.

ففي أبريل 1961، وافق جون كينيدي على خطة ورثتها إدارته من عهد دوايت أيزنهاور، تقضي بإنزال قوة من المنفيين الكوبيين، بدعم من وكالة الاستخبارات المركزية، على شواطئ كوبا بهدف إسقاط فيديل كاسترو. لكن العملية انهارت سريعاً؛ إذ فشلت الضربات الجوية التمهيدية، ووصلت القوة المهاجمة إلى الشاطئ من دون الغطاء الكافي، قبل أن تُهزم خلال أيام ويلقي بعض أفرادها حتفهم، ويُؤسر نحو 1200 من عناصرها.

وقد تحمل كينيدي المسؤولية علناً عن الإخفاق، في خطوة رآها كثيرون داخل الولايات المتحدة دليلًا على استعداده لتحمل تبعات القرار، حتى وهو يواجه واحدة من أكثر الضربات إحراجاً في بدايات الحرب الباردة.

والأهم سياسياً أن هذه الهزيمة لم تُنه مستقبل كينيدي، بل ساعدت في ترسيخ فكرة أكثر تعقيداً في التجربة الأميركية، أن الناخب لا يعاقب الرئيس تلقائياً على الفشل العسكري، بل ينظر أيضاً إلى طريقته في التعامل معه.

وبحسب Miller Center، قفزت شعبية كينيدي بعد أيام من العملية إلى 83%، رغم الطابع المهين للهزيمة؛ لأن الرأي العام لم يقرأ الأزمة فقط كإخفاق ميداني، بل أيضاً كاختبار لشخصية الرئيس في لحظة مبكرة من ولايته.

فيتنام.. الاستنزاف يُسقط رؤساء

لم تُسقط حرب فيتنام رئاسة ليندون جونسون في لحظة واحدة، بل فعلت ذلك تدريجياً، عبر تآكل الثقة أكثر مما فعلته عبر هزيمة عسكرية صريحة. فهجوم "تيت" في مطلع عام 1968 لم يكن انتصاراً ميدانياً حاسماً لخصوم واشنطن؛ على العكس، تكبدت القوات الشيوعية خسائر كبيرة. لكن الصدمة السياسية داخل الولايات المتحدة كانت أعمق من الحسابات العسكرية، إذ بدا للأميركيين فجأة أن الرواية الرسمية عن "التقدم" في الحرب لا تنسجم مع ما يرونه على شاشات التلفزيون من اتساع القتال ووصوله حتى إلى محيط السفارة الأميركية في سايجون. ولهذا يُنظر إلى "تيت" في كثير من الأدبيات الأميركية بوصفه لحظة صنعت "فجوة مصداقية" قاتلة بين البيت الأبيض والرأي العام.

وكانت المؤشرات السياسية قد بدأت قبل ذلك؛ ففي انتخابات 1966 النصفية خسر الديمقراطيون 47 مقعداً في مجلس النواب، قبل أن ينتهي الأمر بجونسون، في خطابه الشهير يوم 31 مارس 1968، إلى إعلان أنه لن يسعى إلى ولاية جديدة. فيما اُعتبر اعترافاً ضمنياً بأن الحرب استنزفت الوقت والشرعية ورأس المال السياسي للرئاسة نفسها.

حين وصل ريتشارد نيكسون إلى البيت الأبيض، كان يدرك أنه ورث حرباً يصعب ربحها سياسياً داخل أميركا حتى لو استمرت العمليات عسكرياً، لذلك حاول أن يعيد تعريف الهدف بأنه ليس نصراً مفتوحاً، بل خروجاً يمكن تسويقه داخلياً على أنه إنهاء مسؤول للحرب. 

ولهذا، حين وسع العمليات إلى كمبوديا عام 1970، قدم الخطوة في خطابه للأميركيين باعتبارها جزءاً من خطة تقصير أمد الحرب وحماية انسحاب القوات الأميركية، لا بوصفها توسعاً لحرب جديدة.

ثم جاءت اتفاقيات باريس في يناير 1973 لتضع إطاراً رسمياً لإنهاء التدخل العسكري الأميركي المباشر. وبعد أشهر قليلة فقط، أقر الكونجرس "قرار سلطات الحرب" عام 1973 متجاوزاً فيتو نيكسون، في خطوة عكست بوضوح المزاج الذي خلفته فيتنام، رغبة مؤسساتية في تقييد قدرة الرئيس على الزج بالبلاد في حروب مفتوحة بلا تفويض واضح أو سقف زمني محدد.

وتعد هذه اللحظة، بداية تشكيل نموذج مختلف في واشنطن لاستخدام القوة، نموذج يفضل تدخلات أقصر، أهداف أضيق، وخطاب سياسي أكثر حرصاً على الوضوح والجدوى. لم يعد الدرس المركزي بعد فيتنام هو تجنب الحرب مطلقاً، بل تجنب الحرب الطويلة الغامضة. وفي هذا السياق جاءت لاحقاً صياغات مثل خطاب وزير الدفاع كاسبار واينبرجر في عام 1984، الذي شدد على أن إرسال القوات يجب أن يرتبط بمصلحة حيوية، وأهداف سياسية وعسكرية واضحة، وموارد كافية، ودعم من الرأي العام والكونجرس.

أزمة الرهائن في إيران 

لم تكن أزمة الرهائن في إيران حرباً شاملة بالمعنى التقليدي، لكنها كانت من أكثر الأزمات الخارجية تأثيراً في مصير رئيس أميركي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فمنذ اقتحام السفارة الأميركية في طهران في 4 نوفمبر 1979، واحتجاز الدبلوماسيين الأميركيين، دخلت إدارة جيمي كارتر في أزمة ممتدة استمرت 444 يوماً، وبدت للرأي العام الأميركي اختباراً مفتوحاً لقدرة الرئيس على حماية مواطنيه وفرض هيبة الدولة.

وقد منحت الأزمة كارتر، في بدايتها، دفعة تعاطف مؤقتة؛ إذ أظهرت استطلاعات "جالوب" ارتفاعاً أولياً في تأييده من 32% إلى 38%، ثم إلى 51% بعد الإفراج عن 13 رهينة في نوفمبر 1979، في صورة كلاسيكية لما يُعرف بأثر "الالتفاف حول القيادة". لكن هذا الأثر لم يصمد طويلًا، ومع استمرار الاحتجاز وفشل المسارات الدبلوماسية، عادت الأزمة لتثقل صورة الرئيس بدل أن تعززها.

وجاءت عملية الإنقاذ الفاشلة في أبريل 1980 لتمنح هذه الأزمة لحظتها الأكثر قسوة سياسياً. فقد أقر كارتر عملية عسكرية سرية لتحرير الرهائن، لكن المهمة انهارت في صحراء إيران بعد أعطال ميكانيكية وعاصفة رملية، ثم انتهت بكارثة حين اصطدمت مروحية بطائرة C-130 أثناء الانسحاب، ما أودى بحياة ثمانية عسكريين أميركيين. وفي اليوم التالي دفعت الضغوط على كارتر إلى "شرح أسباب الفشل" وتحمل المسؤولية علناً، لكن الضرر السياسي كان قد وقع بالفعل.

ويعتبر مركز Miller للسياسات، أن فشل المهمة "حكم على كارتر سياسياً"؛ لأنه عزز الانطباع السائد آنذاك، بأن إدارته عاجزة عن حسم الأزمة أو استعادة زمام المبادرة، ولم تكن عملية "ديزرت وان" السبب الوحيد في هزيمة كارتر في انتخابات عام 1980، لكن مؤرخي الرئاسة والسياسة الخارجية الأميركية يعدونها، إلى جانب أزمة الرهائن نفسها، من بين العوامل الكبرى التي أضعفت فرصه، ومنحت رونالد ريجان أرضية خصبة لمهاجمة صورة الضعف والتردد في البيت الأبيض.

وعندما أُفرج عن الرهائن أخيراً في 20 يناير 1981، جاء ذلك بعد دقائق فقط من انتهاء ولاية كارتر وأداء ريجان اليمين الدستورية، في مشهد كرس، في الذاكرة السياسية الأميركية، كيف يمكن لأزمة خارجية واحدة أن تلتهم رئاسة بكاملها.

وقد بدا عام 1983 في الولاية الأولى لرونالد ريجان، نموذجاً واضحاً للتباين بين نوعين مختلفين من التدخل العسكري الأميركي. ففي لبنان، كانت القوات الأميركية تشارك ضمن قوة متعددة الجنسيات أُرسلت إلى بيروت في خضم الحرب الأهلية، في مهمة بدت سياسية وأمنية أكثر منها عسكرية، ومن دون هدف قتالي واضح أو نهاية محددة.

هذا الغموض جعل الوجود الأميركي هناك، عرضة للتشكيك منذ البداية، قبل أن يتحول إلى أزمة كبرى مع تفجير ثكنة المارينز في بيروت في 23 أكتوبر 1983، الذي أسفر عن مصرع 241 عسكرياً أميركياً، وفتح داخل الولايات المتحدة نقاشاً حاداً حول جدوى المهمة وحدودها.

في المقابل، جاءت "عملية جرينادا" بعد يومين فقط، حين أطلقت إدارة ريجان عملية عسكرية خاطفة في الجزيرة الكاريبية، مبررة ذلك بحماية مواطنين أميركيين واستعادة الاستقرار بعد الانقلاب الذي أطاح بحكومة البلاد. وبخلاف لبنان، بدت "جرينادا" للرأي العام الأميركي، عملية محددة الهدف، قصيرة المدة، وسهلة التسويق سياسياً بوصفها تحركاً حاسماً وسريعاً.

بنما وحرب الخليج الثانية والصومال وكوسوفو

قدمت بنما للرئيس جورج بوش الأب، في أواخر عام 1989، نموذجاً جذاباً للتدخل العسكري القصير الذي يسهل تسويقه داخلياً.. عملية سريعة، هدفها المعلن إسقاط مانويل نورييجا، ونتيجة بدت واضحة للرأي العام الأميركي.

وقد انعكس ذلك فوراً على شعبية بوش؛ إذ أظهرت استطلاعات جالوب آنذاك ارتفاعاً في تأييد الرئيس إلى نحو 80% في يناير 1990 بعد العملية. لكن التجربة الأميركية أثبتت مرة أخرى أن المكاسب التي تصنعها الحروب في الخارج قد تكون مؤقتة، إذا تبدل المزاج الداخلي أو عادت القضايا الاقتصادية لتتصدر اهتمام الناخبين.

ففي انتخابات 1990 النصفية، خسر الجمهوريون ثمانية مقاعد في مجلس النواب ومقعداً في مجلس الشيوخ، في إشارة مبكرة إلى أن النجاح الخارجي لا يضمن بالضرورة حماية انتخابية في الداخل.

ثم جاءت حرب الخليج الثانية (تحرير الكويت) لتمنح بوش الأب، أكبر ذروة شعبية في مسيرته. فقد مثلت الحرب، بالنسبة لكثيرين في واشنطن، النموذج المثالي لاستخدام القوة الأميركية، والذي شمل تحالفاً دولياً واسعاً وأهدافاً واضحة، وانتصاراً عسكرياً سريعاً.

وبعد وقف إطلاق النار، بلغت نسبة التأييد لبوش 89%  وفق جالوب، وهو أعلى مستوى تسجله استطلاعات المؤسسة لرئيس أميركي في ذلك الوقت. غير أن هذا الارتفاع الاستثنائي لم يصمد طويلاً. فمع تراجع أصداء الحرب، عاد الأميركيون إلى التركيز على تباطؤ الاقتصاد والشعور المستمر بالركود، لتتآكل المكاسب السياسية التي ولدها الانتصار العسكري.

في الصومال، بدا المشهد مختلفاً تماماً. فالتدخل الذي بدأ تحت عنوان إنساني، سرعان ما انزلق إلى مأزق سياسي وعسكري، وفتح نقاشاً داخلياً حاداً حول حدود المهمة الأميركية، وحول مدى استعداد واشنطن لتعريض حياة جنودها للخطر في نزاعات لا ترتبط مباشرة بالأمن القومي الأميركي.

وبالنسبة إلى بيل كلينتون، لم تكن انتخابات 1994 النصفية نتيجة الصومال وحده، لكنها جاءت في لحظة كان رأسماله السياسي قد بدأ يتآكل. وانتهت تلك الانتخابات بخسارة الديمقراطيين 52 مقعداً في مجلس النواب، و8 مقاعد في مجلس الشيوخ، في أكبر ضربة تشريعية تعرض لها كلينتون خلال رئاسته.

أفغانستان والعراق.. "فخ" الحروب الطويلة

بعد هجمات 11 سبتمبر، دخل جورج دبليو بوش الحرب من موقع استثنائي سياسياً ودستورياً. فقد منح الكونجرس الرئيس، عبر تفويض 2001، صلاحية استخدام "كل القوة الضرورية والمناسبة" ضد المسؤولين عن الهجمات ومن آووهم، وهو نص وسع عملياً هامش الحركة العسكرية للإدارة الأميركية في الداخل والخارج.

وفي هذا المناخ، تحولت انتخابات 2002 النصفية إلى استثناء نادر في التاريخ السياسي الأميركي الحديث. فبدل أن يعاقب الناخبون حزب الرئيس، حقق الجمهوريون مكاسب في الكونجرس، واستعادوا مجلس الشيوخ، مستفيدين من التعبئة الوطنية التي أعقبت 11 سبتمبر ومن الشعبية المرتفعة لبوش. كان ذلك هو الإغراء الكلاسيكي لحروب الولاية الأولى، حين تبدو الحرب مرتبطة مباشرة بالأمن القومي، يمكن أن تمنح الرئيس قوة سياسية إضافية بدلاً من استنزافه.

لكن العراق قدم الوجه الآخر تماماً. فمع بدء الغزو في مارس 2003، سجل بوش دفعة شعبية سريعة؛ إذ قالت جالوب إن نسبة الموافقة على أدائه قفزت من 58% إلى 71% مع انطلاق الحرب. غير أن المؤسسة نفسها عادت بعد أربعة أشهر فقط لتخلص إلى أن أثر "الالتفاف حول القيادة" المرتبط بالعراق اختفى، مع انتقال الحرب من إسقاط نظام إلى إدارة احتلال وعنف متصاعد.

ومن هنا بدأت المشكلة التي تطارد الرؤساء في ولاياتهم الثانية، ما كان رصيداً سياسياً في البداية يتحول إلى عبء على الإرث الرئاسي. وفي خطابه في يناير 2007 لإعلان زيادة القوات في العراق، تبنى بوش نفسه، نبرة دفاعية أقرب إلى الإقرار بثقل الكلفة، حين قال إن "المسؤولية عن الأخطاء تقع علي". 

وبينما كان البيت الأبيض يحاول استعادة زمام المبادرة في بغداد، كان الناخب الأميركي قد أصدر حكمه جزئياً في واشنطن، ففي انتخابات 2006 خسر الجمهوريون 30 مقعداً في مجلس النواب وستة مقاعد في مجلس الشيوخ، في نتيجة فُهمت على نطاق واسع باعتبارها استفتاءً على حرب العراق، حتى وإن تداخلت فيها عوامل داخلية أخرى.

وفي أفغانستان، تكررت المعضلة نفسها ولكن بوتيرة أبطأ. فالحرب التي بدأت بوصفها الرد الأكثر مباشرة على 11 سبتمبر، تحولت مع الوقت إلى اختبار دائم لسؤال الخروج، كيف تنهي واشنطن حرباً بدأتها بإجماع واسع من دون أن تبدو وكأنها تخسرها؟ وعندما أعلن باراك أوباما، في خطابه من ويست بوينت في عام 2009، إرسال 30 ألف جندي إضافي، حاول أن يصوغ معادلة تجمع بين التصعيد المؤقت ووعد البدء في سحب القوات بعد 18 شهراً.

ومع مرور السنوات، لم تعد كلفة هذه الحروب تُقاس فقط بنتائجها الميدانية، بل أيضاً بحجم العبء الذي تركته على السياسة الأميركية نفسها. فمشروع "تكاليف الحرب" في جامعة براون، يقدر أن الحروب الأميركية بعد 11 سبتمبر أودت بحياة أكثر من 940 ألف شخص بسبب العنف المباشر، إضافة إلى 3.6 إلى 3.8 مليون وفاة غير مباشرة في مناطق الحرب، فيما بلغت الكلفة المالية الإجمالية نحو 8 تريليونات دولار.

وتفسر هذه الحصيلة، إلى حد بعيد، كيف تنقلب صورة الحرب في الوعي الأميركي مع مرور الوقت، فما يبدأ بتفويض شعبي واسع ودعم سياسي مرتفع قد يُعاد النظر إليه لاحقًا بوصفه خطأً استراتيجياً وإنسانياً باهظ الكلفة. وهذا التحول بدا واضحاً في استطلاعات الرأي اللاحقة، إذ أظهر استطلاع أُجري في عام 2023 أن غالبية الأميركيين، بنسبة 61%، باتوا يعتبرون غزو العراق قراراً خاطئاً.

تصنيفات

قصص قد تهمك