"روجهلات": الأكراد وإيران في حسابات الجغرافيا والسياسة | الشرق للأخبار

"روجهلات" في مهب العاصفة: الأكراد وإيران في حسابات الجغرافيا والسياسة

time reading iconدقائق القراءة - 22
أكراد إيرانيون من حزب حرية كردستان (PAK) خلال تدريبات في قاعدة تقع على أطراف أربيل في كردستان العراق. 12 فبراير 2026 - Reuters
أكراد إيرانيون من حزب حرية كردستان (PAK) خلال تدريبات في قاعدة تقع على أطراف أربيل في كردستان العراق. 12 فبراير 2026 - Reuters

بين ليلة وضحاها، بات الأكراد في العراق وإيران تحت دائرة الضوء، بين تقارير عن اتصالات أميركية مع أطراف كردية إيرانية، وتحذيرات إيرانية من دخولهم على خط المواجهة، ومحاولات عراقية للنأي بالنفس عن المشهد المعقد أصلاً.

ورغم التصريحات المتباينة من واشنطن وتل أبيب حول الفكرة، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترمب نفسه ليتحول في موقفه من دعوة الأكراد لاختيار جانب في الصراع ودعم العمليات الأميركية الإسرائيلية، إلى القول إنه لا يرى داعٍ لمشاركة الأكراد في الحرب خلال المرحلة الراهنة "تجنباً لإضفاء المزيد من التعقيد على مشهد معقد بالأساس".

وفي وقت نفت فيه مصادر كردية إيرانية لـ"الشرق"، وجود تحالف أو اتفاق لتنفيذ هكذا تدخل، مع عدم رفض الفكرة بشكل عام بشرط أن تخدم مصالح وتطلعات الأكراد الإيرانيين، قالت مصادر كردية إيرانية أخرى لـ"الشرق" إن الولايات المتحدة تعقد اجتماعات مع بعض قادة الأكراد الإيرانيين، للحديث عن دور القوى السياسية الكردية الإيرانية في إسقاط النظام الإيراني.

ويقول الكاتب والصحافي الكردي الإيراني بهمن حسن، إن "المناقشات مع بعض المسؤولين الأميركيين تتضمن بحث مشاركة الأكراد الإيرانيين في عملية سياسية تتعلق بمستقبل البلاد"، فيما يرى الكاتب السياسي الكردي الإيراني سوران بالاني، أن "الحركة الكردية صاحبة قضية مستقلة وليست أداة بيد أطراف خارجية. وفي حين تتقاطع مصالحها أحياناً مع القوى الدولية المناهضة لطهران، فإن قراراتها تنبع من إرادتها الذاتية".

منذ بدأ الحديث عن إمكانية مشاركة الأكراد في الحرب الأميركية الإسرائيلية، عادت إلى الواجهة تشابكات وتعقيدات الموقف السياسي للأكراد في إيران.

الهوية والديموجرافيا: من هم أكراد "روجهلات"؟

يُطلق الأكراد على مناطقهم في شمال غرب إيران اسم "روجهلات" (Rojhelat)، وهو مصطلح كردي يعني "الشرق" (أي شرق كردستان).

من ناحية التعداد السكاني، ليس هناك عدد مؤكد لهم في ظل غياب إحصاءات عرقية رسمية منشورة من السلطات الإيرانية.

وتتباين التقديرات حول التعداد الحقيقي لأكراد إيران، فبينما تقدر مراكز الأبحاث الغربية ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) عددهم بنحو 8 إلى 10 ملايين نسمة (أي ما يعادل 10% تقريباً من إجمالي السكان)، تؤكد المصادر والأحزاب الكردية المحلية أن العدد الفعلي يتجاوز 12 إلى 15 مليون نسمة، إذا ما تم احتساب ملايين الأكراد المهجرين تاريخياً إلى إقليم خراسان، وأولئك المستقرين في العاصمة طهران والمدن الكبرى في ظل الشكاوى المزمنة من التهميش الاقتصادي.

أما التقديرات الإيرانية الرسمية، فتضعهم عند حوالي 7 مليون نسمة أو أقل، حيث تحتسب الحكومة فقط عدد سكان محافظة "كردستان" الإيرانية حصراً، وتتجاهل المحافظات الأخرى ذات الأغلبية الكردية (مثل كرمانشاه وإيلام) باعتبارها محافظات "حدودية متنوعة".

الواقع الأمني والسياسي

لعقود طويلة، عاشت مناطق الأكراد في إيران حالة من السيطرة الأمنية المشددة، وعلى الرغم من أن نسبة الأكراد في إيران تمثل ما بين 10 إلى 15% على أقصى تقدير، فإنهم يشكلون أكثر من 50% من السجناء السياسيين في البلاد، ويتصدرون قوائم الإعدامات السنوية بتهم مثل "الانتماء إلى أحزاب محظورة" و"محاربة الله"، بحسب منظمة "هينجاو" الكردية لحقوق الإنسان.

الفصائل العسكرية والسياسية وموازين القوى

في تقسيمتها الداخلية، تتسم المعارضة الكردية الإيرانية بالتعددية الإيديولوجية والخبرة العسكرية في ما يُعرف باسم "حروب العصابات - Guerrilla warfare".

ويقول الباحث السياسي الكردي الإيراني سوران بالاني، إن "الأحزاب السياسية الكردية الإيرانية تعمل وتناضل منذ عهد حكومة بهلوي"، مضيفاً أن "هذه الأحزاب تمتلك قوات مخصصة للدفاع عن النفس تتمركز في المناطق الحدودية بين كردستان العراق وإيران.

وعلى الصعيد الخارجي، تتمتع الحركة بشبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية، وجماعات الضغط (اللوبيات)، ومكاتب تمثيلية في أوروبا والولايات المتحدة، ما يمنحها ثقلاً استراتيجياً ودوراً محورياً في أي سيناريو مستقبلي لتغيير النظام في طهران".

أبرز الأحزاب الكردية في إيران

1- الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI):

تأسس عام 1945 في جمهورية مهاباد، وهي دولة كردية سابقة تأسست بقيادة الزعيم الكردي قاضي محمد في مدينة مهاباد، شملت مدن بوكان ونقدة وبيرانشهر وأشنوية ولم تدم أكثر من 11 شهراً. ويعد الحزب الأكبر والأكثر تجذراً من الناحية السياسية. ويمتلك قوات عسكرية تُعرف بـ"البيشمركة"، وهي كلمة كردية تعني "من يواجه الموت"، ويتبنى الحزب بشكل عام توجهاً ديمقراطياً فيدرالياً لإيران.

يمتلك الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني شبكة واسعة في الداخل الإيراني ويقوده مصطفى هجري، ويُعتبر المظلة الدبلوماسية الأبرز للأكراد في المحافل الدولية، بحسب مركز روداو للدراسات.

2- حزب كومالا (Komala):

تأسس عام 1969، ويتبنى توجهاً يسارياً اشتراكياً وعلمانياً. انقسم إلى عدة أجنحة أبرزها بقيادة عبد الله مهتدي. ويمتلك أيضاً قوات "بيشمركة" وتتركز قاعدته الشعبية في مناطق سنندج ومريوان، بحسب المعهد الكردي للسلام.

3- حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK - بياك):

تأسس عام 2004، ويصفه معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى بأنه "الجناح الإيراني المرتبط بمنظومة حزب العمال الكردستاني (PKK)"، وهو ما ينفيه الحزب تماماً.

ويقول المجلس الأطلسي إن حزب "الحياة الحرة" يمتلك الجناح العسكري الأكثر شراسة، والمعروف بـ"وحدات شرق كردستان" (YRK)، وتتمركز قوات الحزب في أعالي جبال قنديل، وهي مُدربة بشكل كامل على حروب العصابات، وتضم صفوفه نسبة مرتفعة من المقاتلات النساء.

عضو المجلس التنفيذي للحزب ريوار آبدانان، قال لـ"الشرق"، إنه "من حيث القدرات الميدانية، قمنا بتنظيم قواتنا وقدراتنا على أساس استراتيجية الدفاع المشروع، ونستند إلى إرادة الشعب والمعرفة الدقيقة بجغرافية البلاد. وحتى الآن، لم نتلقَّ أي نوع من المساعدة الخارجية، بل نعتمد بثقة على قوتنا الذاتية ونضال شعب كردستان، لا على الاتفاقيات التكتيكية مع الدول".

4- حزب حرية كردستان (PAK):

يعد حزباً قومياً ذا نزعة عسكرية، بقيادة حسين يزدان بناه، وقد اكتسب خبرة قتالية حديثة وعالية وتدريبات غربية مكثفة خلال مشاركته الفعالة في الحرب ضد تنظيم "داعش" في العراق (2014-2017)، بحسب شبكة "كردستان 24".

وبحسب المجلس الأطلسي، فإن الحزب الذي يتخذ من إقليم كردستان العراق مقراً له، كان الأكثر نشاطاً من الناحية العسكرية خلال الأشهر الأخيرة، حيث أعلن مسؤوليته عن هجمات متعددة استهدفت مواقع للحرس الثوري الإيراني في محافظتي كرمانشاه ولرستان حتى قبل اندلاع الحرب. 

تحالف ما قبل الحرب

في 22 فبراير، اجتمعت 5 أحزاب معارضة كردية إيرانية رئيسية لتشكيل "ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران". يجمع هذا الائتلاف بين فصائل ذات توجهات إيديولوجية متباينة للغاية.

وتشمل الأهداف المعلنة للائتلاف إسقاط الجمهورية الإسلامية، وتحقيق حق تقرير المصير للكرد، وتأسيس نظام إداري ديمقراطي في "روجهلات كردستان"، وهو المصطلح الكردي لكردستان إيران.

ويتمثل الهدف الرسمي في حق تقرير المصير داخل إيران، رغم أن النتيجة النهائية الدقيقة، مثل إقامة إقليم فيدرالي (أو نموذج مشابه لوضع حكومة إقليم كردستان العراق)، لا تزال غامضة عن قصد. ومع ذلك، فإن الانفصال التام ليس هو الهدف، بحسب ما يقول المجلس الأطلسي.

يقول آبدانان، لـ"الشرق"، إنه "فيما يتعلق بوحدة الأطراف، اتخذنا خطوات جادة في إطار التحالف الكردستاني. ورغم أننا لا نزال في طور بناء المؤسسات والهياكل المشتركة، إلا أن هناك تنسيقاً سياسياً قوياً بين الأطراف. وعلى الصعيد العسكري أيضاً، تم إنشاء إطار للتنسيق الميداني".

مدير المركز الكردي للدراسات نواف خليل، قال لـ"الشرق"، إنه "قد لا يتواصل الجانب الأميركي مع كافة الأحزاب الكردية بشكل منفرد، لكن أي قرار استراتيجي سيكون قراراً مشتركاً يصدر عن قيادة ائتلاف الأحزاب الكردية الذي أُعلن عنه. وهذا القرار لن يكون يسيراً، ولن يُتخذ إلا حينما يثبت الواقع الميداني أن النظام بات أضعف من أن يبطش بالشعب الكردي، لأنه الآن لا يزال على أهبة الاستعداد لفعل ذلك بالتوازي مع الضربات التي توجهها الولايات المتحدة وإسرائيل".

إقليم كردستان العراق: جغرافيا اللجوء والقيود

بدأ النزوح الكردي الإيراني نحو إقليم كردستان العراق بعد ثورة 1979، فرغم أن شريحة من الأكراد أيدت الثورة في بدايتها، دخلت لاحقاً في مواجهة مع السلطة الجديدة، حين أعلن المرشد الإيراني آنذاك الخميني "الجهاد" ضد الأكراد، بسبب "رفضهم الانضواء تحت سلطة الجمهورية الإسلامية"، بحسب مركز روداو للدراسات.

جغرافياً، استقرت قيادات ومعسكرات الحزب الديمقراطي (PDKI) تاريخياً في قضاء "كويسنجق" التابع لأربيل، بينما تمركزت قوات "كومالا" في منطقة "زركويز" بالسليمانية، واستقر "PJAK" في جبال قنديل الوعرة والمثلث الحدودي، وحزب (PAK) في أطراف أربيل وكركوك.

في عامي 2023 و2024، وتحت التهديد الإيراني بقصف إقليم كردستان، وقّعت بغداد وطهران "اتفاقية أمنية" ألزمت حكومة الإقليم بنزع السلاح الثقيل من أحزاب (PDKI) و(كومالا) وإخلائهم من الحدود ونقلهم إلى مخيمات داخلية تحت إشراف الأمم المتحدة، بحسب البيانات الحكومية الرسمية ومؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.

احتمالات التدخل: هل يتحولون إلى "قوات برية" لأميركا؟

رغم التصريحات الأميركية والإسرائيلية، ومحاولات الدفع الإسرائيلي نحو هذا الخيار، قال عضو المجلس التنفيذي لحزب الحياة الحرة (PJAK) ريوار آبدانان، لـ"الشرق"، إن "حزب PJAK ليس منخرطاً في أي محور أو تحالف مع دول، وإن الحزب يمثل قوة سياسية مستقلة تمتلك مشروعاً واستراتيجية واضحة للتغيير السياسي"، رافضاً الادعاءات التي تصف الحزب بأنه "قوة وكيلة أو تابعة لجهات خارجية".

وأضاف: "هدفنا الأوحد هو تعزيز الحرية والديمقراطية. ولإنجاز هذا النضال، نرى أن إقامة علاقات دبلوماسية مع كافة الأطراف السياسية والقوى العالمية والإقليمية التي تخدم هذا المشروع هو أمر طبيعي، لكننا نؤكد أنه حتى الآن لم يتم تشكيل أي تحالف من هذا القبيل".

وفي هذا السياق، يقول مسؤول مركز العلاقات في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني محمد نظيف قادري، لـ"الشرق"، إنه "من الطبيعي أن تكون لدينا علاقات سياسية ودبلوماسية مع العالم، فالعلاقات الدولية تقوم أساساً على المصالح والقوة".

رغم إقراره بوجود هذه العلاقات، ينفي قادري أن يكون حزبه قد وقع أي اتفاق مع أطراف أخرى، ويقول إن "الحركة الكردية مسؤولة فقط أمام شعبها، أما الحرب الجارية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل فهي ليست بإرادتنا ولا ترتبط بالقضية الكردية. إنها وضع قائم يقوم كل طرف بقراءته بطريقته، والكرد من حقهم الاستفادة منه بشكل إيجابي". 

في المقابل، يقول الكاتب والصحافي بهمن حسن، لـ"الشرق"، إن هناك استعدادات فعلية وتحركات على الأرض من قبل أحزاب المعارضة الكردية للعب دور حاسم في إسقاط النظام الإيراني، شريطة الحصول على ضمانات من الولايات المتحدة وحلفائها.

وقال إن "هناك محادثات جارية مع أطراف إقليمية ودولية، لا سيما الجانب الأميركي، لتحديد الآلية والتوقيت المناسبين لبدء التحرك. القوى الكردية بدأت مؤخراً بإعادة تموضع عسكري سري لبعض قوات البيشمركة داخل المدن الكردية في إيران، وهي في حالة تأهب بانتظار الأوامر من قياداتها".

لكن مراقبين أكراد يرون أن الحديث عن تدخل عسكري مباشر لا يزال مبالغاً فيه. وقال مدير المركز الكردي للدراسات نواف خليل لـ"الشرق"، إنه "ليس سراً وجود تواصل مستمر مع واشنطن، ولكن وفقاً لما نعلمه بشكل مباشر من خلال قيادات الأحزاب الكردية، أنه لا توجد نية للتدخل العسكري المباشر بالشكل الذي تصوره بعض وسائل الإعلام العربية والعالمية".

خليل اعتبر أن الأحزاب الكردية تعلن بوضوح أنها مع إسقاط النظام وحق تقرير المصير للشعب الكردي، لكنها "لن تتدخل ميدانياً إلا في اللحظة التي تتيقن فيها من أن النظام الإيراني فقد قدرته على استخدام آلته العسكرية لضربها".

وأشار إلى أن "النظام الإيراني بات أضعف مقارنة بالسابق في مواجهته لإسرائيل والولايات المتحدة، لكنه ليس ضعيفاً في مواجهة الشعب الكردي".

واعتبر آبدانان، في تصريحاته لـ"الشرق"، أن "أي تحالف أو مشاركة في ائتلافات سياسية مستقبلاً سيكون مبنياً حصراً على أساس حماية المصالح العليا لشعبنا"، مضيفاً: "نؤكد أننا حتى هذه اللحظة لم نتلقَّ أي وعود مالية أو عسكرية خاصة من أي جهة. ومع ذلك، إذا ظهر تحالف يخدم حقاً حرية الشعوب وإرساء الديمقراطية في إيران، فنحن مستعدون للتعامل والحوار، شريطة الحفاظ على الإرادة السياسية وكرامة شعبنا".

من جانبه، قال الباحث السياسي الكردي الإيراني سوران بالاني، لـ"الشرق"، إن الأحزاب الكردية الإيرانية تتبنى "سياسة الصبر الاستراتيجي" لتجنيب إقليم كردستان العراق ويلات الحرب.

وأضاف أن "هذه الأحزاب ترفض استخدام الأراضي العراقية كمنطلق لمهاجمة إيران، رغم استمرار طهران قصف المقرات الكردية بالصواريخ والطائرات المسيرة، كما حدث مؤخراً مع أحزاب كومالا وحرية كردستان وسازمان خبات، والحزب الديمقراطي"، مضيفاً: "القوات الكردية تكتفي بمراقبة الأوضاع، ولن تتدخل عسكرياً إلا في إطار الدفاع المشروع لحماية المدنيين".

تحديات الواقع

بعيداً عن التحليلات الإخبارية السطحية، سلطت مراكز الأبحاث الاستراتيجية الضوء على تعقيدات تحويل هؤلاء المقاتلين إلى قوة وكيلة (Proxy) للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

يرى معهد "واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" أن الفصائل الكردية الإيرانية تمتلك دافعاً عالياً ومعرفة دقيقة بتضاريس جبال زاغروس، ما يجعلهم "نظرياً" قوة برية مثالية لإنهاك الحرس الثوري في حرب استنزاف داخلية إذا ما وفرت لهم واشنطن غطاءً جوياً وتسليحاً نوعياً.

ومع ذلك، يؤكد المعهد أن هناك عوائق هيكلية تمنع هذا السيناريو؛ أبرزها تشتت الفصائل وافتقارها لأسلحة ثقيلة مضادة للدروع والطائرات.

يعترف قادري، في حديثه لـ"الشرق"، بتفوق الحرس الثوري الإيراني والقوات الإيرانية من حيث السلاح والإمكانات، لكنه يقول إن "قواتنا أيضاً تمتلك إيماناً وخبرة طويلة في النضال، وتحظى بدعم شعب كردستان. وفي ظل هذه الظروف التي ضعفت فيها قوات النظام والحرس الثوري، وقُتل بعض قادتها وفُقد جزء من أسلحتهم وإمكاناتهم، يمكن الاستفادة من هذا الوضع لتعزيز نشاط قوات البيشمركة. وحتى في حال حدوث اتفاقات، فإن الحركة الكردية ستستمر، وليس لدينا شك في أن نهاية الجمهورية الإسلامية تتجه نحو السقوط".

يرى "المجلس الأطلسي" أن هناك بعداً سياسياً أعمق لاحتمالات التدخل، مشيراً إلى أن القيادات الكردية شديدة الحذر من تكرار "الخذلان التاريخي". وأضاف أن "الأكراد يرفضون لعب دور المرتزقة"، أو الأدوات التكتيكية التي تستخدمها واشنطن للضغط على طهران ثم تتخلى عنهم عند طاولة المفاوضات.

الموقف نفسه أكده عضو المجلس التنفيذي لـPJAK ريوار آبدانان، لـ"الشرق": "لا نرفض بناء علاقات مع أي قوة، أو المشاركة في أي تحالف يخدم مشروعنا ويرسخ الديمقراطية في إيران، ولكننا نتخذ قراراتنا بشأن أي شكل من أشكال التنسيق شريطة أن يخدم حصراً المصالح العليا لشعبنا والإرادة الديمقراطية، وألا يكون الكردي ورقة ضغط أو أداة بيد القوى الخارجية. وأي طرف يرغب في التعامل معنا، يجب أن يعاملنا كطرف متكافئ وعلى أساس ديمقراطي".

الكاتب والصحافي الكردي الإيراني بهمن حسن، قال لـ"الشرق"، إنه لا يمكن التعامل مع الأكراد باعتبارهم "ورقة سياسية" أو "فزاعة" تستخدمها واشنطن أو تل أبيب لابتزاز طهران. ويرى أن القضية الكردية هي قضية تاريخية عميقة، وأن التحالفات الحالية تندرج ضمن "البراجماتية السياسية" المشروعة.

ويقول نواف خليل إن "التجارب الكردية التاريخية تفرض قدراً من الحذر وانعدام الثقة، وكان آخرها في سوريا. لا يمكن للكرد أن يثقوا ثقة عمياء ومطلقة بالجانب الأميركي".

العراق في مسرح المعركة

يضيف المجلس الأطلسي كذلك أن "إشراك الأكراد الإيرانيين انطلاقاً من العراق سيؤدي حتماً إلى رد إيراني تدميري شامل (بواسطة الصواريخ الباليستية والفصائل المسلحة الولائية) ضد بنية إقليم كردستان العراق التحتية، وهو ما ترفضه حكومة أربيل، وتعتبره خطاً أحمر يهدد كيان الإقليم الدستوري"، وهو ما أشار له آبدانان في تصريحاته لـ"الشرق"، قائلاً: "نضالنا ضد الجمهورية الإسلامية يهدف إلى إنهاء الاستبداد وإرساء الديمقراطية، وليس زعزعة أمن الدول المجاورة. ولذلك، ومن أجل منع أي توترات، نحن مستعدون للتفاهم والحوار مع كافة القوى الإقليمية".

حكومة إقليم كردستان العراق نفسها كانت قد سارعت إلى نفي التقارير الأميركية بشأن "خطة تسليح وإرسال المعارضة الكردية إلى الأراضي الإيرانية"، واعتبرتها "لا أساس لها من الصحة"، وإن حكومة الإقليم والأحزاب المنضوية تحتها "ليست ضمن أي حملة لتوسيع نطاق الحرب وتأجيج توترات المنطقة".

لكن رغم النفي، وفي غير مرة، أعلن مقر خاتم الأنبياء التابع للقوات المسلحة الإيرانية أنه استهدف مقرات لمجموعات كردية معارضة لإيران في إقليم كردستان العراق. وقالت وكالة "فارس" الإيرانية إن مقار ما وصفتها بـ"أحزاب انفصالية" في مدينة السليمانية تعرضت للاحتراق جراء القصف الصاروخي.

النقطة نفسها يشير إليها قادري في حديثه لـ"الشرق"، حيث يقول إن "القوات الإيرانية تقصف قواعدنا ومقراتنا وحتى مدن إقليم كردستان منذ قبل الحرب، أي أنها تعارض أساساً وصول الكرد إلى سلطة سياسية وقومية. أما بالنسبة لإقليم كردستان، فقد كنا دائماً إلى جانب الاستقرار ودعم حماية مكتسباته".

وقال آبدانان، إن "وجودنا في أي جزء من إقليم كردستان كان دائماً بمثابة عامل استقرار وحماية؛ ففي أثناء هجوم تنظيم داعش مثلاً، كانت قواتنا إحدى القوى الرئيسية في حماية جنوب كردستان والعراق. نحن نستخدم أسلحتنا لحماية وجودنا وكرامتنا ومكتسبات شعبنا، ولن نضحي بالمصالح العليا لأمتنا إرضاءً لضغوط سياسية مؤقتة".

وعلى نطاق أوسع، تواجه الفكرة معارضة تركية أيضاً، حيث اعتبرت وزارة الدفاع التركية، أن "أعمال الجماعة الكردية الانفصالية المسلحة تمثل تهديداً لأمن إيران واستقرار المنطقة". وأضافت: "نتابع عن كثب تحركات الجماعة الكردية الإيرانية المسلحة والتطورات الإقليمية".

من جانبه، قال خليل لـ"الشرق"، إن "أي تطور يتعلق بالقضية الكردية، سلباً أو إيجاباً، يترك أثراً مباشراً على الأكراد في باقي الأجزاء".

وأضاف أنه بشكل عام، يبحث الأكراد اليوم عن "اعتراف دستوري بوجودهم وحقوقهم؛ فالأحزاب الكردية تسعى لاعتراف الدول الأربع دستورياً بالشعب الكردي في سوريا وإيران وتركيا"، بينما هو معترف به في العراق منذ 2005.

وأضاف أنه "لا يوجد حالياً أي حزب من الأحزاب الكردية الرئيسية، كحزب العمال الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق وإيران، وحزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي في سوريا، يطالب بالاستقلال. جميعهم يطالبون بالاعتراف الدستوري بالشعب الكردي ضمن الحدود السياسية الحالية".

رؤية مستقبلية

مسؤول مركز العلاقات في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني محمد نظيف قادري، أشار إلى أن الأحزاب الكردية تواصل الحوار مع المعارضة الإيرانية، و"نعمل مع مؤتمر القوميات الإيرانية الفيدرالية ومع تحالفات أخرى، كما أننا على اتصال مع أطراف أخرى أيضاً. ومن وجهة نظرنا فإن الجماهير الشعبية في إيران ومنظمات المجتمع المدني يمكن أن تلعب دوراً أكثر تأثيراً في النضال من أجل إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية".

ويرى بالاني أن النخبة السياسية الكردية ستقوم بدور بارز في أي عملية تغيير، وأنها "تمتلك مشروعاً إدارياً مؤسسياً لكردستان إيران يتناغم مع الحفاظ على علاقات وطيدة مع باقي القوميات والمكونات الإيرانية".

وأضاف أن "التباين في وجهات النظر بين التيارات السياسية الكردية يمثل حالة صحية ونقطة قوة تؤكد التعددية. كما تؤكد القيادات الكردية استفادتها من إخفاقات ونجاحات التجارب الكردية في العراق وسوريا لبناء نموذج ناجح في إيران مستقبلاً".

وبالمثل، يرى حسن أن "الأكراد يمتلكون وزناً استراتيجياً قادراً على تحرير مدنهم بفضل الدعم الجماهيري الواسع". وفي ظل ما يصفه بـ"تهاوي النظام الإيراني" يعتبر أن "الوقت حان للتحرك". وأضاف: "تطرح القيادات الكردية مشروعاً لـ(إيران فيدرالية لا مركزية)، مستلهمة نجاح تجربة إقليم كردستان العراق في التعايش".

ويستبعد حسن اندلاع أي صراع (كردي - كردي)، مؤكداً أن حق تقرير المصير لا يعني بالضرورة السعي للانفصال إذا تحققت الحقوق والسلام في ظل نظام ديمقراطي. 

تصنيفات

قصص قد تهمك