
أثارت حرب إيران المخاوف من استنزاف الذخائر الأميركية باهظة الثمن الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، وهي الذخائر التي تحتاجها أوكرانيا بشدة، ما يهدد الإمدادات المستقبلية، ويقوّض قدرة كييف على التصدي للهجمات الصاروخية الروسية، وفق مجلة "بوليتيكو".
وأشارت المجلة الأميركية إلى أن الولايات المتحدة استهلكت مئات الصواريخ الاعتراضية من طراز "باتريوت" (Patriot) أثناء إسقاط الصواريخ الباليستية والمسيرات الإيرانية، ما استنزف مخزونات كان من الممكن أن توجه إلى أوكرانيا.
وفي ظل هذه التطوّرات يبدو أن الحرب التي تخوضها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد النظام الإيراني، تتعارض بشكل مباشر مع اعتماد كييف على عقود الحصول على أنظمة دفاع جوي أميركية الصنع، وفقاً لمقابلات أجرتها المجلة مع 10 مسؤولين أوروبيين كبار، واثنين من المشرعين الأميركيين.
ويخشى حلفاء كييف من إمكانية استغلال موسكو هذا الظرف لتكثيف هجماتها على البنية التحتية المدنية في أوكرانيا، ومحاولة تغيير خطوط الجبهة، في وقت تنشغل فيه الولايات المتحدة وأوروبا بحرب أخرى وبمخاوف تتعلق بمخزونات الأسلحة.
وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي: "إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشعر بأي ضغط للتفاوض في السابق، وليس من المؤكد أنه كان كذلك، فقد انتهى ذلك الآن. الولايات المتحدة منشغلة وتستهلك بعض الأسلحة التي ترغب أوروبا في شرائها لأوكرانيا.. إنه سيناريو قاتم للغاية".
تحذير من نقص الذخائر
من جانبه، حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، من نقص وشيك في الذخائر، قائلاً إن العجز العام في صواريخ أنظمة باتريوت ليس بسبب الحرب في الشرق الأوسط.
وأضاف في مقابلة مع صحيفة "فيلت" الألمانية، وهي مطبوعة شقيقة لمجلة "بوليتيكو" في مجموعة "أكسل سبرينجر" الألمانية، أن "هذه الحرب ستؤدي إلى تقليص عدد الصواريخ المتوفرة، وتقليص فرص الحصول على مزيد منها بالنسبة لأوكرانيا".
وأشارت "بوليتيكو" إلى أن حجم الهجمات التي تستهدف القوات الأميركية وحلفاءها في الخليج هو الأكبر منذ عقود، حيث أسقطت آلاف المسيّرات والصواريخ الإيرانية باستخدام منظومات صواريخ "باتريوت" و"ثاد" الأميركية، ما يبرز شدة المعركة الدفاعية الجوية.
وفي يناير الماضي، وافقت شركة "لوكهيد مارتن" على مضاعفة إنتاج صواريخ باتريوت ثلاث مرات، استجابة لمطالب إدارة ترمب جزئياً، ليرتفع الإنتاج من نحو 600 صاروخ سنوياً في عام 2025 إلى 2000 صاروخ لتلبية الطلب العالمي المتزايد.
ومع ذلك، سيستغرق توسيع القدرة الإنتاجية للمصانع عدة سنوات قبل أن تتمكن من تلبية أي طلبات إضافية.
وقال السيناتور الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت ريتشارد بلومنتال، وهو أحد الداعمين لأوكرانيا: "هناك قدر كبير من الغموض بشأن الأولويات: هل ستكون لأوكرانيا أم للشرق الأوسط، وبالتحديد إلى أي مدى وكم ستستمر الحاجة إلى هذه الذخائر".
وأضاف أن "الأوروبيين يشعرون بإحباط متزايد لعدم إبداء واشنطن قدراً أكبر من الشفافية بشأن قدراتها الإنتاجية"، معتبرين أن "صعوبة زيادة الإنتاج تُستخدم ذريعة لعدم تقديم مزيد من الدعم".
إنتاج الولايات المتحدة من صواريخ باتريوت
وقبل اندلاع الصراعات في أوروبا والشرق الأوسط، كانت الولايات المتحدة تنتج نحو 270 صاروخاً من طراز باتريوت سنوياً فقط، وفقاً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ما يعني أن الصناعة الدفاعية لا تزال بعيدة عن تلبية الطلب المتوقع.
وقال مسؤول من إحدى دول حلف شمال الأطلسي "الناتو": "من البديهي أن تتأثر أوكرانيا؛ لأن الولايات المتحدة ستعطي الأولوية لاحتياجاتها الوطنية في الأشهر المقبلة". وطلب المسؤول، مثل آخرين في التقرير، عدم الكشف عن اسمه لمناقشة قضايا دفاعية حساسة.
وأشار مسؤول ألماني إلى أن "بطء" تسليم الأسلحة إلى أوكرانيا في نوفمبر وديسمبر أسهم بشكل كبير في تدمير البنية التحتية للطاقة في البلاد، محذراً من أن الأسوأ قد يكون قادماً.
وأضاف: "القلق هو أن يقوم ترمب بنقض الاتفاقات ووقف الإمدادات، وأن يستغل بوتين ذلك بلا رحمة".
كما يشعر الحلفاء بقلق متزايد من الارتفاع الكبير في أسعار الأسلحة الأميركية المطلوبة بشدة، بحسب "بوليتيكو".
مخاوف من ارتفاع أسعار أنظمة الأسلحة
ونقلت المجلة الأميركية عن مسؤول ثانٍ في إحدى دول حلف "الناتو"، قوله: "بعض أسعار أنظمة الأسلحة تضاعفت بوضوح هذا هو تقريباً مستوى المشكلة التي نواجهها".
وبعيداً عن النقص الفوري في الدفاعات الجوية، يخشى الأوروبيون أيضاً أن يتعرّض خط إمداد الأسلحة الأوسع إلى أوكرانيا للخطر مع قيام القوات الأميركية، وحلفائها بتعزيز ترساناتهم في ظل تصاعد الصراع في الشرق الأوسط.
وكانت الولايات المتحدة وحلف الناتو، قد أنشأتا العام الماضي قائمة متطلبات أوكرانيا ذات الأولوية بهدف ضمان استمرار تدفق الأسلحة إلى كييف، بما في ذلك مساعدتها على شراء صواريخ "باتريوت" الاعتراضية التي تحتاجها بشدة.
وكانت إدارة ترمب قد أوقفت المساعدات العسكرية الأميركية المباشرة لأوكرانيا العام الماضي، وأصبحت هذه الآلية وسيلة للحفاظ على تدفق الأسلحة، إذ تسمح للدول الأوروبية بشراء معدات أميركية ثم التبرع بها لكييف.
وفي هذا السياق، قال وزير الدفاع الفنلندي أنتي هاكانن إن حكومته شددت على ضرورة وجود "ركيزة صناعية أوروبية، وأخرى أوكرانية"، تسمح بنقل جزء من التصنيع من الولايات المتحدة إلى القارة الأوروبية حتى تتمكن أوكرانيا من الحصول بسرعة على ما تحتاجه من الأسلحة.








