
زارت "المجلة" معسكر "طوبزاوا" شمال شرقي الموصل بعد تعرضه لضربة صاروخية وأخرى بطائرة مسيّرة. خلف أسوار المعسكر مقاتلون تدفعهم قصص متشابهة ويجمعهم يقين واحد أن النظام الإيراني في أضعف مراحله.
استقبلتنا آفسانا رحيمي، إحدى قياديات حزب "سازمانی خە باتی کوردستانی ئێران" (منظمة كفاح كردستان إيران)، عند البوابة الرئيسة لمعسكر "طوبزاوا" المخصص للأكراد الإيرانيين، الواقع شمال شرقي مدينة الموصل. وكان يرافقها عدد من عناصر قوات البيشمركة المسلحة. ونبّهتنا إلى ضرورة توخي الحذر أثناء التجول داخل المعسكر، الذي تعرّض قبل يومين لضربة صاروخية. ولم تُحسم بعد الجهة المسؤولية عن الهجوم، إذ تتقاطع الاحتمالات بين "قوات الحرس الثوري" الإيراني، وفصائل "الحشد الشعبي" العراقي المرتبطة به، التي لا تبعد مقراتها أكثر من ثلاثين كيلومتراً عن موقع المعسكر.
غادرت رحيمي إيران قبل ثماني سنوات، والتحقت بعدها بمعسكرات الحزب. وتُفسّر قرارها هذا بأن إيران باتت في نظرها مغلقة أمام كل ما ناضل من أجله جيلها: الحريات المدنية، والدولة الديمقراطية، وحقوق الشعب الكردي، والمساواة بين الجنسين. وترى أن العمل السياسي الداخلي لم يعد مجدياً، وأن ما تفعله اليوم قضية تمسّها بوصفها إيرانية وكردية وامرأة في آنٍ واحد.
ولا تمثّل رحيمي حالة فردية، إذ تنتمي إلى موجة من الشباب الكردي الإيراني من مواليد الثمانينيات والتسعينيات، ممن قطعوا صلتهم بالداخل الإيراني والتحقوا بمعسكرات الأحزاب الكردية في إقليم كردستان العراق. وجذور هذا الوجود الكردي في العراق تمتد إلى أوائل الثمانينيات، حين اشتدت المواجهات المسلحة بين الحركة القومية الكردية والجمهورية الإسلامية التي أطاحت بنظام الشاه. وحين نجح "الحرس الثوري" في تفكيك الوجود العسكري الكردي داخل إيران أواخر ذلك العقد، واغتيل عدد من القادة السياسيين الأكراد في المنافي الأوروبية، لجأ آلاف المقاتلين مع عائلاتهم إلى معسكرات الحدود، وحصلوا لاحقاً على حق الإقامة واللجوء السياسي.
يُعدّ مخيم "طوبزاوا" واحداً من عشرات المخيمات الكردية الإيرانية في إقليم كردستان العراق، وهو تابع إدارياً وسياسياً لحزب "منظمة كفاح كردستان إيران". ويقوم العرف السائد بين حكومة الإقليم وهذه الأحزاب على منحها حرية النشاط السياسي وإدارة مخيماتها باستقلالية تامة، مع السماح لها بحمل أسلحة خفيفة ومتوسطة لأغراض الحماية، في إطار الاتفاقيات الأمنية القائمة بين أربيل وطهران.
كان المخيم يستوعب نحو ثلاثمئة عائلة، بين مقاتلين وكوادر حزبية وعائلات مدنية، قبل أن يُخلى من ساكنيه المدنيين إثر تعرضه لقصف جوي.
وقد رصدت "المجلة" خلال تجوالها في المعسكر آثار الضربتين: الأولى صاروخية، استهدفت محيط قاعة اللوجستيات وخلّفت حفرة بعمق متر وشظايا امتدت خمسين متراً. والثانية بطائرة مسيّرة، أصابت على بُعد عشرة أمتار من قاعة الاجتماعات الرئيسة. وأفاد قياديون في الحزب بأن الضربة الثانية وقعت تحديداً وقت الإفطار، وهو التوقيت المعتاد لانعقاد اجتماعات القيادة في تلك القاعة.
كان المخيم يستوعب نحو ثلاثمئة عائلة، بين مقاتلين وكوادر حزبية وعائلات مدنية، قبل أن يُخلى من ساكنيه المدنيين إثر تعرضه لقصف جوي
اطّلعت "المجلة" على بقايا الطائرة المسيّرة التي استهدفت المعسكر، وهي متوسطة الحجم وبدائية الصنع، محمّلة بما لا يتجاوز عشرين كيلوغراماً من المتفجرات وفق تقدير المسؤول الأمني في المعسكر. وحين سُئل عن الجهة المنفّذة، أشار إلى أن طبيعة الأدوات المستخدمة تدل على أنها محلية الصنع لا تنتمي إلى منظومة الأسلحة الإيرانية المعروفة، مضيفاً أن الأداتين قدِمتا من جهة الجنوب الغربي، حيث سهل نينوى الخاضع لسيطرة فصائل "الحشد الشعبي" الموالية لإيران، ولا سيما "لواء الشبك" و"حركة النجباء" و"كتائب حزب الله" المنتشرة في محيط الموصل.
وأفاد قياديو الحزب بأنهم تواصلوا مباشرة مع قيادة إقليم كردستان وقوات البيشمركة، التي ضغطت بدورها على بغداد. وقد أصدر بعض القادة الأكراد تحذيرات علنية بالرد إذا استمرت الهجمات المنطلقة من سهل نينوى على أربيل والمصالح النفطية في دهوك ومعسكرات الأكراد الإيرانيين. وفي أعقاب ذلك، أخلى الجيش العراقي عدداً من مقار "الحشد" وانتشر في مكانها، في خطوة جاءت استجابةً للضغط الكردي، وأيضاً رداً على استهداف تلك الفصائل لمصالح أميركية، من بينها قاعدة فكتوريا اللوجستية قرب مطار بغداد.
وفي سوق ناحية "رزكاري" المجاورة للمخيم، التقت "المجلة" بعدد من السكان المحليين، فأبدى أغلبهم تضامناً مع المقاتلين الأكراد الإيرانيين. غير أن المتقاعد "مام جيرو" البالغ نحو سبعين عاماً لخّص المشهد بوضوح، قائلاً إن المقاتلين الأكراد الإيرانيين ليسوا سوى ذريعة آنية لاستهداف المنطقة، مستحضراً تاريخاً طويلاً من الضغوط الممارسة على الكرد في سهل نينوى، من حملات التعريب في الستينات، إلى مواجهات البيشمركة والجيش العراقي، وصولاً إلى تنظيم "داعش"، مؤكداً أن "الحشد الشعبي" يسير اليوم على الدرب ذاته بهدف محاصرة أربيل وتطويقها.
اطّلعت "المجلة" على بقايا الطائرة المسيّرة التي استهدفت المعسكر، وهي متوسطة الحجم وبدائية الصنع، محمّلة بما لا يتجاوز عشرين كيلوغراماً من المتفجرات وفق تقدير المسؤول الأمني في المعسكر
الحياة اليومية في المخيم
يُؤكد السياسي والمقاتل الكردي الإيراني "حمه جبار وكيلي" ما ذهب إليه "مام جيرو"، إذ يروي لـ"المجلة" تاريخاً من التنقل القسري بين المعسكرات على طول الحدود الإيرانية-العراقية والتركية، قائلاً إن تنظيمات الأكراد الإيرانيين لم تسلم في أي مرحلة من ضغوط "الحرس الثوري" إبان الحرب العراقية-الإيرانية، ثم من الصراع التركي مع "حزب العمال الكردستاني"، فالاقتتال الكردي الداخلي في التسعينات، وصولاً إلى الضغوط التي مارستها الأحزاب الشيعية الموالية لإيران بعد عام 2003، بما فيها الاتفاقية الأمنية الأخيرة بين بغداد وطهران التي أخرجتهم من مناطق استقرارهم. ويختم وكيلي بالقول إن ما جرى في "طوبزاوا" لن يتوقف قبل سقوط النظام الإيراني، لأن طهران تدرك أن هذه التنظيمات تحظى بتأثير مباشر على الأكراد في الداخل.
لا تتجاوز الحياة في المخيم في أوقاتها العادية النشاطات الاجتماعية والثقافية والإعلامية، فيما يُشكّل مقراً آمناً لقيادة الحزب التي تدير منه شبكة علاقاتها السياسية والإعلامية. وقد أتاح الاستقرار النسبي في الإقليم لكثير من سكانه العمل والدراسة خارج أسواره.
لا تتجاوز الحياة في المخيم في أوقاتها العادية النشاطات الاجتماعية والثقافية والإعلامية، فيما يُشكّل مقراً آمناً لقيادة الحزب التي تدير منه شبكة علاقاتها السياسية والإعلامية
وقبيل لقاء الأمين العام للحزب، شهدت "المجلة" توزيع وجبات على عناصر البيشمركة الحارسين، وكانت عبارة عن شطائر بسيطة من الدجاج والبطاطا. وأوضح المشرف على التوزيع أن مخصصات المقاتلين شحيحة، وأن الحزب يعتمد كلياً على تبرعات الجالية الكردية في الداخل والمهجر، مشيراً إلى ضغوط مالية مضاعفة تسببت بها عملية إخلاء مئات العائلات من المخيم.
يروي المقاتل سمكو، ابن قرية سيرو، غرب أورمية، كيف دفعته الهشاشة الاقتصادية والتمييز الممنهج بحق الأكراد إلى حمل السلاح. فقريته التي تضم أكثر من ثلاثمئة منزل لا تملك سوى غرفة دراسية واحدة، فيما أجهز جفاف بحيرة أورمية على مصدر رزق عائلته الرعوي. ويضيف أنه حين اعتقلت الاستخبارات الإيرانية والده وعذّبته، لم يجد الأخير ما يقوله سوى: "لم يبقَ أمام ولدي طريق آخر". التحق سمكو بالتنظيمات المدنية للحزب داخل إيران بعد تعرّفه على أعضائه خلال عمله في أورمية، ثم انضم عام 2021 إلى معسكرات الحزب في كردستان العراق.
حكاية الأجيال
لا تختلف سيرة سمكو كثيراً عن نظرائه من المقاتلين، إذ يجمعهم شعور مشترك بانعدام الأفق داخل إيران، وتراكم المرارة جراء سياسات التهميش الممنهج. ويلخّص المقاتل أمين، الذي يتجاوز الأربعين، هذه المعاناة في سياق عائلي ممتد، فجده قاتل ضمن قوات "جمهورية مهاباد" عام 1946 وقُتل حين انهارت، ووالده التحق لاحقاً بتنظيمات "الحزب الديمقراطي الكردستاني" وخاض الكفاح المسلح في الثمانينات، أما هو فيقاتل اليوم في الصفوف ذاتها. ويقول إن الدولة الإيرانية بمختلف أنظمتها لم تُقدّم للأكراد يوماً سوى القمع، مستشهداً بأن الأكراد الذين لا يتجاوزون عشرة في المئة من سكان إيران يُقدّمون نحو نصف ضحايا المعارضة.
استقبلنا بابا شيخ حُسيني، الأمين العام للحزب، في ما تبقى من غرفة القيادة بالمعسكر. رجل في مطلع الستينات، يرتدي الزي الكردي التقليدي ويرافقه مقاتلان فحسب. تولّى قيادة الحزب عام 2004 خلفاً لوالده مؤسس الحزب، وتعود جذور عائلته إلى "العائلة البرزنجية" الكردية الشهيرة.
يرى حُسيني أن النظام الإيراني يمر بأضعف مراحله، إذ أفضت الحرب إلى تآكل أدواته الأمنية وقدرته على ضبط المجتمع، لا سيما في المناطق الطرفية. ويؤكد أن سقوط النظام بات حتمياً، وأن القوى الدولية مُجبرة على الإسهام في ذلك لكونها المتضررة الأولى من سياساته. وفي حال تقاعسها، فإن المجتمع الإيراني سيُكمل المسيرة بكلفة أعلى. أما التأخر في الحسم، فسيُدخل إيران مرحلة "تعفن" مزمن على غرار ما عاشه العراق في التسعينات.
النظام الإيراني يمر بأضعف مراحله، إذ أفضت الحرب إلى تآكل أدواته الأمنية وقدرته على ضبط المجتمع، لا سيما في المناطق الطرفية
غير أن حُسيني يحذر في الوقت ذاته من أي اندفاع كردي غير محسوب، مشيراً إلى خطورة الفتنة القومية بين الأكراد والأذريين في غرب إيران، وداعياً إلى تفاهمات مسبقة بين الطرفين لإدارة المناطق المشتركة بعيداً عن الاستقطاب. ويُفيد بوجود قنوات تواصل مع الحركة القومية الأذرية، وبمعاهدة تجمع حزبه بالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية تضمن الاعتراف بالحقوق الكردية، في مقابل ما يصفه برفض رضا بهلوي الاعتراف بالشخصية الكردية المستقلة.
ويُحدد حُسيني مطالب الأكراد في مرحلة ما بعد النظام على ثلاثة مستويات: حكم ذاتي على المناطق الكردية بصيغة تتراوح بين الإدارة الموسعة والفيدرالية والكونفدرالية، وتمثيل وطني متساوٍ مع سائر القوميات، وقيام جمهورية ديمقراطية تكفل هذه الحقوق. ويختم بالتعهد بأن تقوم لإيران المستقبل علاقات متميزة مع دول الخليج، مستلهماً نموذج إقليم كردستان في علاقاته معها.
وفي اليوم ذاته الذي زارت فيه "المجلة" المعسكر، كان "ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران" يعقد اجتماعه التنسيقي الأول، معتمداً هوية بصرية مشتركة ونظام قيادة دورية توافقية.
هذا المحتوى من "المجلة".








