حرب إيران.. كيف تواجه الصين تداعيات تعطل واردات الطاقة؟ | الشرق للأخبار

حرب إيران.. كيف تواجه الصين تداعيات وتحديات تعطل واردات الطاقة؟

time reading iconدقائق القراءة - 14
عامل يمسك بفوهة تعبئة الوقود بعد تزويد سيارة بالبنزين في محطة تابعة لشركة بتروتشاينا في العاصمة الصينية بكين وسط ارتفاع عالمي في أسعار النفط نتيجة الحرب على إيران- 10 مارس 2026 - Reuters
عامل يمسك بفوهة تعبئة الوقود بعد تزويد سيارة بالبنزين في محطة تابعة لشركة بتروتشاينا في العاصمة الصينية بكين وسط ارتفاع عالمي في أسعار النفط نتيجة الحرب على إيران- 10 مارس 2026 - Reuters

أدى تصاعد حرب إيران، إلى جانب تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أو تراجعها بشكل كبير، إلى إثارة مخاوف عالمية بشأن استقرار إمدادات الطاقة، بما في ذلك لدى الصين، التي تُعد أكبر مستورد للنفط الخام وإحدى أكبر الدول استهلاكاً للبتروكيماويات في العالم.

وتنبع هذه المخاوف في الأساس من المخاطر المحتملة، خاصة الصدمات التي قد تطال صناعات الغاز الطبيعي والبتروكيماويات، فضلاً عن الضغوط التضخمية المستوردة (ارتفاع أسعار السلع والخدمات محلياً نتيجة عوامل خارجية)، وهي عوامل تستدعي درجة أعلى من الحذر.

في المقابل، تحرص بكين سياسياً على إبراز نهجها القائم على الحياد والبراجماتية في التعامل مع الصراع، بالتوازي مع دعوتها إلى وقف الحرب وحماية المدنيين والممرات المائية.

تحركات دبلوماسية

في إطار استجابتها لتطورات الحرب مع إيران، كثّفت الصين جهودها الدبلوماسية لاحتواء التوترات الإقليمية التي أشعلها الهجوم الأميركي الإسرائيلي.

وخلال 10 أيام، أجرى وزير الخارجية الصيني وانج يي سلسلة اتصالات هاتفية مع 11 من نظرائه، شملت وزراء خارجية روسيا، وسلطنة عُمان، وإيران، وفرنسا، وإسرائيل، والسعودية، والإمارات، والكويت، والبحرين، وقطر، ومصر، وباكستان، دعا خلالها إلى وقف العمليات العسكرية في المنطقة والعودة إلى طاولة المفاوضات.

وفي موازاة ذلك، عززت الصين ودول مجلس التعاون الخليجي دبلوماسية التنقل بين العواصم، حيث دعا المبعوث الصيني الخاص للشرق الأوسط تشاي جون إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وممرات الشحن، كما أجرى جولات في عدد من دول المنطقة، بينها السعودية والإمارات والبحرين.

كما أفاد بيان رسمي صدر السبت بأن نائب وزير الخارجية مياو ده يو تبادل وجهات النظر مع سفراء دول مجلس التعاون الخليجي في بكين في 11 مارس.

اقرأ أيضاً

كيف تدير الصين موقفها من حرب إيران؟

يثير الموقف الذي تتبناه الصين تجاه الحرب في المنطقة تساؤلات حول طبيعة الدور الذي تسعى بكين إلى لعبه.

واعتبر مدير مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة شمال غرب الصين وانج جين في حديث لـ"الشرق"، أن موقف بكين، الذي يدفع نحو السلام، يتماشى مع استراتيجية الصين طويلة الأمد في الشرق الأوسط، القائمة على عدم الانحياز وجعل الحفاظ على الاستقرار هدفها الأساسي.

وأشار جين إلى أن بلاده تكاد تكون المشتري الرئيسي الوحيد للنفط الإيراني، غير أن إيران بالنسبة للصين ليست سوى مورد ضمن مجموعة واسعة من الموردين، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة البراجماتية بين البلدين، دون أن تكون علاقة مُلزمة، على حد تعبيره، مؤكداً أن ما تحتاجه بكين في المقام الأول هو "شرق أوسط لا يخرج عن السيطرة".

وأضاف: "تتبنّى بكين عادة موقفاً مشابهاً في العديد من صراعات الشرق الأوسط، يتمثل في الدعوة إلى وقف إطلاق النار وإجراء مفاوضات على المستوى الدبلوماسي، مع الحفاظ دائماً على مسافة من المستوى العسكري".

وقال جين أيضاً إنه خلال العقدين الماضيين أنفقت الولايات المتحدة موارد عسكرية واقتصادية هائلة في الشرق الأوسط، لكنها في النهاية فشلت في تحقيق استقرار كامل للوضع الإقليمي، ووجدت نفسها منخرطة في استنزاف طويل الأمد.

وخلُص إلى أنه "ليس لدى الصين أي سبب لتكرار المسار (الأميركي) نفسه".

كم تصمد احتياطات الصين النفطية؟

أمضت الصين السنوات الـ20 الماضية في بناء وتعبئة احتياطاتها الاستراتيجية من النفط بشكل مستمر، استعداداً للحظات مثل الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط.

وأوضح ليو جيا، كبير الباحثين بمعهد الاقتصاد والتكنولوجيا (ETRI) التابع لشركة البترول الوطنية الصينية (CNPC)، وهو أحد أبرز مراكز التفكير بمجال الطاقة في الصين، أن عقوداً من الجهود لتعزيز أمن الطاقة "وفّرت للصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، هامش أمان استراتيجي ضخم قادر على تغطية الانقطاع الكامل لواردات النفط الخام من الشرق الأوسط لمدة تقارب 6 أشهر".

وقال ليو جيا، لـ"الشرق"، إن الصين تمتلك قدرات أقوى على مقاومة المخاطر، مقارنة باقتصادات شرق آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية.

وتُظهر أحدث البيانات الصادرة عن الإدارة العامة للجمارك في الصين (GACC)، أن مشتريات البلاد من النفط الخام خلال شهري يناير وفبراير 2026، ارتفعت بنسبة 16% على أساس سنوي لتصل إلى 96.93 مليون طن متري، ما أدى إلى تعزيز مخزوناتها الحالية في وقت يشهد تقلبات عالمية شديدة.

وأضاف ليو جيا أنه في العام 2025 بلغ الإنتاج المكافئ لحصص النفط والغاز الخارجية، التي تمتلكها الشركات الصينية 196 مليون طن، مع وجود أكثر من 200 مشروع استثماري وتعاوني في مجال النفط والغاز يعمل في أكثر من 60 دولة ومنطقة حول العالم، تغطي 5 مناطق رئيسية هي آسيا الوسطى، وآسيا والمحيط الهادئ، والشرق الأوسط، وإفريقيا، والأميركيتين، ما أسهم في تشكيل شبكة متنوعة لإمدادات الطاقة الخارجية.

وبعد أن أدت حرب أوكرانيا التي اندلعت في فبراير 2022، إلى ارتفاع أسعار النفط، عملت الصين على تثبيت إنتاجها المحلي من النفط الخام وإعادة ملء احتياطاتها الاستراتيجية.

ويعتقد ليو جيا، أن الضربات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران تُمثل أيضاً تذكيراً لبكين بضرورة توسيع مصادر استيراد النفط وتحسين نظام أمن الطاقة لديها.

وبلغ إجمالي واردات الصين من النفط الخام 578 مليون طن عام 2025، بزيادة قدرها 4.4%  على أساس سنوي. وكانت المصادر الرئيسية لهذه الواردات هي روسيا (17.4%)، والسعودية (14%)، والعراق (11.2%)، وفقاً لبيانات الإدارة العامة الصينية للجمارك.

ومن اللافت أن اعتماد الصين على مصادر النفط الأجنبية لا يزال مرتفعاً، إذ يتجاوز 70%، إلا أن النفط الخام شكّل 18.2% فقط من إجمالي استهلاك الطاقة عام 2024، وهو ما يُقلل إلى حد ما من تأثير تقلبات إمدادات النفط على النظام العام للطاقة.

وقال لو رو تشيوان، رئيس معهد الاقتصاد والتكنولوجيا التابع لشركة البترول الوطنية الصينية، إن بناء إطار قوي لأمن الطاقة يقوم على التنويع الاستراتيجي، إلى جانب امتلاك احتياطيات كبيرة وتوسيع مسارات الإمداد البرية، أسهم في تشكيل ما وصفه بـ"درع مرونة" قادر على امتصاص معظم الاضطرابات الكبرى في الملاحة البحرية.

واستبعد تشيوان، في حديث لـ"الشرق"، أن يؤدي حصار مطول لإيران إلى تعطيل كبير في الإمدادات النفطية الإجمالية للصين، أو يؤثر على استقرار وارداتها، مع تأكيده على تسببه باضطراب الأسواق العالمية.

مخاوف على سلاسل التوريد

ومع تذبذب أسعار النفط العالمية صعوداً وعودتها إلى ما فوق 100 دولار أميركي للبرميل، رفعت أعلى جهة تخطيط اقتصادي في الصين، وهي اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح  (NDRC)، أسعار البنزين والديزل في البرّ الرئيسي الصيني بمقدار 695 يواناً و670 يواناً (101 دولاراً و97.50 دولاراً أميركياً) للطن على التوالي، وذلك اعتباراً من منتصف ليل 9 مارس.

وتُعتبر هذه الزيادة هي الرابعة منذ 1 يناير، والأكبر في السنوات الأخيرة، وذلك في ظل الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية.

ويُعدّ مضيق هرمز المنفذ البحري الوحيد للخليج والممر الوحيد لثلث النفط الخام المنقول بحراً في العالم و20% من إجمالي استهلاك النفط العالمي.

وذكر داي جياكوان، كبير الاقتصاديين بمعهد سينوبك للاقتصاديات وأبحاث التنمية، وهو مركز أبحاث تابع لشركة "سينوبك" يقدّم دعماً لصنع القرار في المشاريع الكبرى، إن إغلاقاً طويل الأمد قد "يؤدي إلى تعطّل فعلي في الإمدادات ضمن سلسلة توريد الطاقة العالمية، مع عدم وجود بدائل قصيرة الأجل".

ومع ذلك، يعتقد جياكوان أن "أسواق النفط الدولية لم تصل بعد إلى نقطة حدوث تعطّل حقيقي في الإمدادات، وتعكس الأسعار حالياً توقعات قائمة على الذعر من انقطاع الإمدادات".

وأشار إلى أن التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط وإغلاق هرمز أدت إلى رفع أسعار النفط، ما يخلق مخاطر "تضخم مستورد"، متوقعاً أن تؤدي إطالة أمد النزاع وإغلاق المضيق إلى المزيد من الارتفاع في الأسعار، ما سيؤدي إلى تأثيرات تشمل قطاعات أخرى، و"هذا بدوره قد يساهم في رفع توقعات التضخم ودفع الأسعار إلى الارتفاع مجدداً".

وأشار جياكوان إلى أن الأسعار يمكن أن تعكس ذلك "فقد شهدنا ارتفاعاً حاداً في أسعار المنتجات النفطية المكررة والبتروكيماوية محلياً، ما يعني أن قطاعات النقل والصناعات الكيميائية المرتبطة هي أول من يشعر بتغيرات أسعار النفط الخام".

وشدّد على أهمية أن تظل الصين يقظة إزاء الآثار السلبية لارتفاع أسعار النفط، لافتاً إلى أنه "باعتبار النفط الخام مادة خام أساسية في النظام الصناعي، فإن ارتفاع سعره سيؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج في الصناعات اللاحقة مثل الصناعات الكيميائية والنقل وتصنيع المعدات".

كما رجح أن "يؤثر ذلك سلباً على أرباح الشركات، لا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تمتلك قدرة تفاوضية أضعف".

أهمية الغاز الخليجي للصين

لطالما كان أمن الطاقة أحد الاعتبارات الأساسية في صنع السياسات الصينية. وحتى مع التطور السريع لمركبات الطاقة الجديدة، يظل تنوّع واستقرار إمدادات الطاقة ركيزتين مهمتين في الاستراتيجية الوطنية.

وقالت ليو جيا، الباحثة الرئيسية في معهد أبحاث الاقتصاد والتكنولوجيا التابع للشركة الوطنية الصينية للبترول (CNPC)، إن قطاع الغاز الطبيعي المسال (LNG) في الصين، الذي يتمتع بدرجة عالية من التسويق، تأثر برفع الأسعار وسط أزمة مضيق هرمز.

وأشارت جيا، في حديث لـ"الشرق"، إلى أن شحنات الغاز الطبيعي المسال المتأثرة بمضيق هرمز تمثل 6.9% من إجمالي واردات الصين من الغاز الطبيعي، وأن 28% منها تأتي من قطر، وهي نسبة مرتفعة نسبياً.

وتُظهر بيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية (GACC)، أن النفط الإيراني لا يُشكل سوى نحو 10% من واردات الصين النفطية.

اقرأ أيضاً

حرب إيران.. دراسة لـ"الشرق" تكشف التداعيات الاقتصادية

تشير دراسة استراتيجية أعدتها "الشرق" إلى أن التصعيد في المنطقة قد يقود إلى تداعيات اقتصادية واسعة.

وذكرت جيا أن تعطل دخول النفط والغاز الطبيعي من دول الخليج، مثل الكويت والعراق وقطر إلى السوق الدولية عبر مضيق هرمز، ولا سيما تعطل إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات، شكّل تأثيراً معيناً على واردات الصين من الغاز الطبيعي.

ولفتت إلى أن استمرار تعطل صادرات الغاز الطبيعي القطرية لفترة طويلة "سيشكل ضغطاً معيناً على قطاع الغاز الطبيعي في الصين".

التحول نحو المركبات الكهربائية

على الرغم من أن بعض المحللين يرون أن تحول الصين نحو مركبات الطاقة الجديدة (EV) يساعد في تقليل واردات النفط الخام، فإن البيانات ذات الصلة لم تؤكد هذا الادعاء، بل إن التوسع الكبير في استخدام المركبات الكهربائية لم يؤدِّ إلى خفض واردات البلاد من النفط الخام.

ولا يزال إجمالي استهلاك الصين من النفط كبيراً، إذ يبلغ الاستهلاك السنوي نحو 750 إلى 770 مليون طن، ما يجعلها ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم. وقد بات استهلاك المنتجات البتروكيماوية يتجاوز استهلاك النفط المستخدم كوقود.

وقالَت ليو جيا إن "تأثير مركبات الطاقة الجديدة على صناعة النفط التقليدية سيستغرق وقتاً أطول ليظهر بشكل واضح، ولن تتراجع واردات النفط الخام المحلية فقط نتيجة استبدال البنزين بالطاقة الجديدة".

وأضافت أن معظم اللدائن الهندسية اللازمة لهياكل المركبات خفيفة الوزن، ومواد العزل الصوتي والحراري، والمطاط الصناعي في الإطارات، وكذلك فواصل البطاريات وطبقات عزل الأسلاك، تأتي من منتجات النفط الخام المعالجة بشكل أساسي.

وأشارت إلى أن "مركبات الطاقة الجديدة تستبدل فقط أحد أطراف سلسلة استهلاك النفط الخام، في حين أن ازدهار قطاعات التصنيع متوسطة وعالية المستوى وقطاعات المعيشة الأساسية يفتح مجالاً أوسع للطلب في المراحل العليا والوسطى من سلسلة استهلاك النفط".

وأشار داي جياكوان إلى أن "دور النفط كوقود يتراجع، بينما يتزايد دوره كمادة خام. خاصة في المجالات التي يصعب كهربتها على المدى القصير، مثل الطيران والشحن البحري والشاحنات الثقيلة، وكذلك في العديد من حلقات الصناعات الكيميائية والمواد الجديدة"، لكنه اعتبر أنه "سيظل من الصعب استبدال النفط بالكامل لفترة طويلة".

كما أكد على أهمية النفط في استهلاك الطاقة، لافتاً إلى أنه على الرغم من أن تحول الصين في مجال الطاقة يتقدم بسرعة، إلا أن نسبة النفط في استهلاك الطاقة الأولية في الصين لا تزال تصل إلى 18%، وأكثر من 70% من الإمدادات يعتمد على الواردات.

ولفت جياكوان إلى انخفاض استهلاك البنزين والديزل في قطاع النقل الصيني، خلال السنوات الأخيرة، لكن الطلب على النفط في قطاع البتروكيماويات ينمو بسرعة، فالمواد الخام مثل الإيثيلين المكرر من النفط تُعدّ المصدر لمختلف المنتجات البتروكيماوية اللاحقة مثل الألياف الكيميائية والبلاستيك والمطاط، وكذلك المصدر الرئيسي للمواد الجديدة مثل (EVA) و(POE) اللازمة لتطوير الطاقة الجديدة، مثل الطاقة الشمسية الكهروضوئية، إضافة إلى فواصل البطاريات لبطاريات الطاقة.

وأضاف أن استهلاك الإيثيلين المكافئ محلياً حافظ على نمو سريع خلال العقد الماضي، ليصبح القوة الدافعة الرئيسية وراء زيادة الطلب على النفط.

وإلى جانب نظام إمدادات الطاقة المتنوع، توفر الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط ضمانة قوية للصين في التعامل مع أزمة مضيق هرمز.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل المخاطر المحتملة لـ"التضخم المستورد" والصدمات التي قد تطال صناعات الغاز الطبيعي المسال (LNG) والبتروكيماويات.

وبصفتها ثاني أكبر مستهلك للبتروكيماويات في العالم، فإن هيكل استهلاك النفط في الصين يشهد تغيراً مستمراً، وسيظل الحفاظ على استقرار وأمن سلسلة إمدادات الطاقة مهمة طويلة الأمد.

تصنيفات

قصص قد تهمك