مفاعل بوشهر النووي.. تاريخه ومخاطر استهدافه على الخليج | الشرق للأخبار

بوشهر.. مفاعل نووي على ساحل الخليج في مرمى حرب إيران

time reading iconدقائق القراءة - 8
صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر محطة بوشهر للطاقة النووية في محافظة بوشهر بإيران. 26 مايو 2025 - REUTERS
صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر محطة بوشهر للطاقة النووية في محافظة بوشهر بإيران. 26 مايو 2025 - REUTERS
دبي-

عند السابعة مساء الثلاثاء بتوقيت طهران، سقط مقذوف في محيط محطة بوشهر النووية، أول منشأة لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية في إيران والشرق الأوسط، في حادثة تعيد تسليط الضوء على حساسية استهداف البنى التحتية النووية، خاصة في أوقات احتدام الصراعات.

ووفق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أبلغت إيران بالواقعة، مؤكدة أن المنشأة لم تتعرض لأي أضرار وأن الحادث لم يُسفر عن إصابات بشرية.

في المقابل، أفادت مؤسسة "روس آتوم" الروسية بأن المقذوف سقط قرب مبنى القياسات وعلى مقربة مباشرة من وحدة التشغيل العاملة.

وقال المدير العام لـ"روس آتوم" أليكسي ليخاتشوف، في بيان، إن مستويات الإشعاع بقيت ضمن الحدود الطبيعية، غير أنه حذّر من خطورة استهداف المنشآت النووية، في إشارة إلى تداعيات تتجاوز الحادث نفسه.

ولا تبدو الحادثة مجرد واقعة عابرة، فمنذ أواخر فبراير 2026، شهدت المنطقة المحيطة بالمحطة سلسلة من الضربات المتكررة، ما دفع إلى إجلاء نحو 150 موظفاً روسياً، بينما يواصل نحو 480 آخرين تشغيل المفاعل. لكن سقوط مقذوف داخل محيط المحطة نفسها يطرح تساؤلاً أكثر عمقاً: ماذا لو أصابت ضربة مباشرة قلب المفاعل العامل على بُعد أمتار من مياه الخليج؟.

مشروع نووي بدأه شاه إيران وأكملته روسيا

تعود خطط إنشاء محطة نووية في بوشهر، المدينة الساحلية الجنوبية قرب مضيق هرمز، إلى سبعينيات القرن الماضي. ففي عام 1975، أعلن الشاه محمد رضا بهلوي خطة طموحة تستهدف إنتاج 23 ألف ميجاواط من الكهرباء النووية، بهدف تحرير النفط والغاز للتصدير.

وعلى إثر ذلك، جرى توقيع اتفاقات أولية مع شركتي "سيمنز" (Siemens) - عبر ذراعها النووي "كرافتفيرك يونيون" (KWU) - و"فراماتوم" (Framatome) لبناء 4 محطات نووية.

في عام 1975، انطلقت أعمال بناء مفاعلين نوويين من نوع الماء الثقيل المضغوط بقدرة 1293 ميجاواط لكل منهما، على بُعد 18 كيلومتراً جنوب بوشهر، استناداً إلى تصميم مفاعل "بيبلِس بي" الألماني. وقد وُقّع العقد رسمياً منتصف عام 1976 مقابل نحو 3 مليارات دولار.

لكن بعد الثورة الإيرانية، توقفت المدفوعات، كما توقفت الأعمال مطلع عام 1979، بعدما كان المفاعل الأول شبه مكتمل، والثاني في منتصف الإنجاز. وتعرَّض الموقع لاحقاً لأضرار نتيجة غارات جوية عراقية بين عامي 1984 و1988 خلال الحرب العراقية الإيرانية.

كانت الخطة الأصلية لعام 1974 تشمل بناء 4 وحدات في بوشهر، ووحدتين في أصفهان، وأخريين في ساوة قرب طهران، باستخدام تقنيات التبريد الجاف.

"بوشهر 1"

وقّعت إيران وروسيا اتفاقاً في موسكو عام 1992 لبناء محطة نووية بوحدتين، يشمل الإنشاء والتشغيل. وأصرّت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية على الاستفادة من البنية التحتية القائمة في بوشهر.

وفي عام 1994، وافقت وزارة الطاقة الذرية الروسية (ميناتوم) على استكمال المفاعل الأول باستخدام تصميم روسي من طراز VVER-1000 بقدرة ألف ميجاواط، مع تكييفه ليتوافق مع المكونات الألمانية السابقة، وتم توقيع العقد النهائي في يناير 1995.

وواجه المشروع تحديات تقنية معقدة، نتيجة دمج معدات ألمانية قديمة مع تصميم روسي حديث في ذلك الوقت، إذ اضطر المقاول الروسي إلى فحص وتوثيق عشرات آلاف القطع، في ظل غياب وثائق لبعضها، فضلاً عن الحاجة إلى تحديثها وفق معايير السلامة النووية الأكثر صرامة التي تطورت منذ سبعينيات القرن الماضي.

وبحسب تقارير محلية، توزعت مكونات المحطة بين: 24% ألمانية، و36% إيرانية، و40% روسية. كما خضع المشروع بالكامل لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وبدأ تشغيل المفاعل في مايو 2011، وتم ربطه بالشبكة الكهربائية في سبتمبر من العام ذاته، كما دخل الخدمة التجارية رسمياً في سبتمبر 2013.

وخلال تلك الفترة، أُوقِف تشغيل المحطة مؤقتاً في 2012 بسبب مخاوف من بقايا معدنية في نظام التبريد، قبل إعادة تشغيله لاحقاً.

دور مدني تحت رقابة دولية

يُعدّ بوشهر مفاعلاً مدنياً خاضعاً بالكامل لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبخلاف منشآت نطنز وفوردو، لا يُجري أي عمليات تخصيب لليورانيوم، إذ تُزوده روسيا بوقود منخفض التخصيب لا تتجاوز نسبته 3.67%، وتستعيد الوقود المستنفد بعد انتهاء دورته لإعادة معالجته في روسيا، في ترتيب صُمِّم خصيصاً لتقليل مخاطر الانتشار النووي.

ويعمل في المحطة عادةً بين 450 و600 موظف روسي يشرفون على التشغيل والصيانة، إلى جانب مهندسين إيرانيين تدربوا في مراكز روسية متخصصة.

والأسبوع الماضي، قال رئيس "روس ​آتوم" أليكسي ليخاتشوف إن شركته تواصل إجلاء موظفيها من إيران بسبب الهجمات الأميركية الإسرائيلية، إلا أن نحو 450 منهم لا يزالون في محطة بوشهر.

وذكر ليخاتشوف أن 150 موظفاً غادروا بوشهر، وعبروا الحدود عبر أرمينيا المجاورة، في طريقهم إلى روسيا.

يُنتج المفاعل نحو 2% من كهرباء إيران. وكانت طهران وموسكو اتفقتا عام 2014 على بناء وحدتين إضافيتين (بوشهر-2 وبوشهر-3) من الجيل الثالث المتقدم بقدرة إجمالية تبلغ 2100 ميجاواط وتكلفة تقدّر بنحو 10 مليارات دولار، بهدف رفع حصة الطاقة النووية إلى نحو 10% من إنتاج الكهرباء.

وبدأ البناء فعلياً في مارس 2017، غير أن أعمال التوسعة تم تعليقها بسبب الحرب الدائرة، وفق "روس آتوم".

لماذا تثير محطة بوشهر النووية القلق؟

تقع محطة بوشهر النووية على بُعد 17 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة بوشهر، بمحاذاة الخليج العربي. وتمتد المنشأة على مساحة تقارب 2.5 كيلومتر مربع، وتضم مبنى المفاعل والهياكل الداعمة الأخرى.

وفي جلسة طارئة لمجلس الأمن في يونيو 2025، قال مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي إن محطة بوشهر تحتوي على آلاف الكيلوجرامات من المواد النووية، محذراً من أن ضربة مباشرة أو تدمير خطوط الكهرباء المغذية للمفاعل قد يؤدي إلى انصهار قلبه.

وخلصت دراسة أجراها باحثون بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن (CSIS)، في أغسطس 2025، إلى أن مفاعلات الطاقة العاملة مثل بوشهر تحمل أعلى مخاطر التلوث بسبب المخزون الضخم من المواد المشعة في الوقود المستنفد، وأن التلوث المحتمل قد يطال محطات تحلية المياه في دول خليجية.

من جانبه، حذر المدير المشارك لبرنامج السياسات النووية في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي جيمس أكتون أي هجوم على بوشهر بأنه قد يسبب كارثة إشعاعية مطلقة.

خطر التسرب الإشعاعي

الأثر الأخطر لأي تسرب إشعاعي من بوشهر لا يتعلق بالإشعاع المباشر فحسب، بل بتلويث مياه الخليج التي تعتمد عليها دول بأكملها لإنتاج مياه الشرب.

وفي مارس 2025، قال رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني إن بلاده أجْرت تقييماً للمخاطر على المستوى الوطني قبل بناء خزانات المياه لديها في محاكاة لسيناريو ضرب محطة بوشهر النووية الإيرانية.

وأشار الشيخ محمد بن عبدالرحمن إلى أن النتائج أظهرت أن الخليج سيتلوث بالكامل، وأن "المياه في قطر ستنفد في غضون 3 أيام"، موضحاً أن "الماء الذي نستخدمه لشعبنا يأتي من تحلية مياه البحر وليس لدينا أنهار أو احتياطيات مائية".

ولفت إلى أن جميع دول الخليج ستتأثر هي الأخرى، ولو بدرجات متفاوتة، فيما يتعلق بملف المياه إذا ما تم ضرب محطة بوشهر النووية في إيران.

هل يتم استهداف محطة بوشهر؟

رغم المخاطر الجغرافية والاستراتيجية المحيطة بمحطة بوشهر، يظل احتمال استهدافها سيناريو مستبعداً، وإن لم يكن مستحيلاً، كون المفاعل منشأة مدنية لا تقوم بتخصيب اليورانيوم ولا بإنتاج أسلحة نووية، ما يجعل أي هجوم عليه يواجه إدانات دولية واسعة.

ويشكل الوجود الروسي المكثف في الموقع، حيث يعمل مئات المهندسين تحت إشراف موسكو، عامل رادع دبلوماسي مهم، لا سيما بعد إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن إسرائيل أكدت حماية المهندسين الروس في المفاعل.

وأشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في دراسته إلى أن الاعتبارات البيئية تلعب دوراً في ترشيح الأهداف العسكرية، إذ يتم عادة تجنّب المنشآت ذات المخاطر الإشعاعية العالية والقيمة الاستراتيجية المنخفضة، مثل بوشهر.

لكن الحادث الأخير في بوشهر، كشف هشاشة الفاصل بين الأمان والكارثة؛ إذ سقط مقذوف على بُعد نحو 350 متراً من المفاعل، وفق بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في واقعة كانت يمكن أن تؤدي إلى كارثة إشعاعية لو وقعت ضربة أدق.

تصنيفات

قصص قد تهمك