حرب إيران تضع أوروبا أمام هشاشة موقعها في النظام الدولي | الشرق للأخبار

حرب إيران تضع أوروبا أمام "هشاشة" موقعها وتجدد الشكوك بشأن "المظلة الأميركية"

time reading iconدقائق القراءة - 10
حارس أمن يسير بالقرب من أعلام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قبل انطلاق قمة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في بروكسل ببلجيكا. 15 يونيو 2021 - Reuters
حارس أمن يسير بالقرب من أعلام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قبل انطلاق قمة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في بروكسل ببلجيكا. 15 يونيو 2021 - Reuters

عندما تشتعل الحروب في أطراف العالم، نادراً ما تبقى أوروبا بمنأى عن آثارها، غير أن حرب إيران التي تقترب من دخول شهرها الثاني، لم تكتف بإدخال القارة العجوز في دوامة تداعياتها فقط، بل دفعتها لمواجهة أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة موقعها في النظام الدولي.

ومنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي يرى الأوربيون أنها لا تعيد فقط رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، بل تكشف أيضاً هشاشة معادلة قامت لسنوات على 3 ركائز متداخلة هي الاعتماد الأمني على المظلة الأميركية، والارتباط الاقتصادي بممرات طاقة معرضة للخطر، وانقسام داخلي يحدّ من القدرة على اتخاذ قرار موحّد. 

وفي ظل القلق من برنامج الصواريخ الإيراني واحتمالات اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، يتصاعد في العواصم الأوروبية نقاش يتجاوز الحدث الآني إلى سؤال أكثر جوهرية: هل لا تزال الشراكة مع واشنطن تمثل ضمانة للاستقرار، أم أنها تحوّلت إلى مصدر قلق استراتيجي؟

بيد أن حرب إيران تمثل اختباراً وجودياً لأوروبا، يضع تحت الضغط أمنها العسكري والطاقوي وتماسكها السياسي، بحسب السياسي الفرنسي فرانسوا أسلينو، الذي سبق أن خاض الانتخابات الرئاسية عام 2022 ويستعد للترشح مجدداً في 2027.

واستحضر أسلينو في حديث لـ"الشرق" المقولة المنسوبة لوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر: "أن تكون عدواً لأميركا أمر خطير، لكن أن تكون صديقاً لها فهو أمر مميت"، ليخلص إلى أن الحرب مرشحة للاستمرار، وقد تفضي إلى هزيمة جيواستراتيجية أميركية تدفع واشنطن إلى تقليص وجودها العسكري في الشرق الأوسط وربما في أوروبا.

وأضاف السياسي الفرنسي: "من هذا المنطلق، لم يعد السؤال في أوروبا ما إذا كانت القارة بحاجة إلى الحماية الأميركية، بل ماذا سيحدث إذا قررت واشنطن الانسحاب فجأة؟".

"سحب المظلة الأميركية"

وتتقاطع هذه الرؤية مع تحذيرات ريشار لو بيفييه، المحلل الفرنسي المتخصص في شؤون الطاقة والجغرافيا السياسية، الذي يرى أن العجز العسكري الأوروبي يجعل القارة رهينة لقرارات البيت الأبيض في كل أزمة كبرى.

أما كريستوف شتوكلبيرجر، أستاذ الأخلاق العالمية والاقتصادية ومؤسس شبكة Globethics.net في جنيف، فيصف المشهد بأنه صراع أوروبي داخلي بين القيم والمصالح الاقتصادية.

في المقابل، ينتقد مايكل فخري، أستاذ القانون الدولي بجامعة "أوريجون" والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء، نموذجاً أوروبياً يوجّه موارده نحو الإنفاق العسكري على حساب الرفاه الاجتماعي.

اقرأ أيضاً

"هدنة ترمب" تربك الحسابات.. وأوروبا تتمسك بالحذر

تراقب أوروبا التطورات الأخيرة بحذر، مع تصاعد المخاوف من تداعيات الأزمة على أسواق الطاقة والتضخم، وسط دعوات متواصلة لخفض التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي.

 وتتابع أوروبا تطورات حرب إيران بحذر، وسط مخاوف متزايدة من انعكاساتها على أسواق الطاقة والتضخم، مع دعوات متواصلة لخفض التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي.

ومن هذه الزاوية، تبدو الحرب في إيران مرآة تكشف عمق الانقسام الأوروبي أكثر من كونها مجرد أزمة خارجية. ويؤكد أسلينو أن ما يجري ليس حرباً جديدة بقدر ما هو امتداد لسلسلة عمليات عسكرية ضد طهران، إلا أن الرد الإيراني هذه المرة فاجأ واشنطن وتل أبيب، وأظهر حدود القدرة الأميركية على فرض نتائج حاسمة من الجو دون تغيير موازين القوى على الأرض.

واعتبر أسلينو أن هذا الواقع يعيد فتح نقاش أوروبي حساس حول طبيعة التحالف مع قوة عظمى قادرة على إشعال الحروب، لكنها أقل قدرة على إنهائها وفق مصالح حلفائها. 

المخاوف من تقلبات ترمب

وتزداد حدة هذا النقاش مع ما يُنظر إليه على أنه تقلب في مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يرى أسلينو أن تصريحاته المتبدلة باتت عاملاً بحد ذاته في زعزعة الاستقرار، إذ ينتقل بين التهديد والتفاوض في وقت قصير، بينما تنفي طهران وجود أي مفاوضات.

ويطرح أسلينو 3 تفسيرات لهذا السلوك أولها اعتماد أسلوب تفاوضي قائم على التصعيد والمساومة، وثانيها تأثر الرئيس بآراء مستشارين متغيرين.

أما التفسير الثالث وهو الأخطر بحسب المرشح الرئاسي الفرنسي، فهو أن "كل تغيير مفاجئ في موقف ترمب يؤدي إلى تراكم ثروات هائلة في الأسواق المالية، بما في ذلك استفادة بارون ترمب، ابن الرئيس، من هذه التقلبات، ما يفتح احتمال ارتكاب جرائم استغلال معلومات داخلية على حساب استقرار أسواق الطاقة العالمية".

وأشار أسلينو إلى أنه بالنسبة لأوروبا، لا تقتصر خطورة هذه التقلبات على بعدها السياسي، بل تمتد إلى تأثيرها المباشر على الاقتصاد، إذ تعني عملياً ربط أسعار الطاقة وقرارات السوق بمزاج سياسي متقلب.

وتشير البيانات التي يستحضرها كل من ريشار لو بيفييه، المحلل الفرنسي في شؤون الطاقة، ومايكل فخري، المقرر الأممي المعني بالحق في الغذاء، إلى ارتفاع أسعار الغاز الأوروبي بنحو 20% لتصل إلى 50 يورو لكل ميجاواط/ساعة، واقتراب خام برنت من 100 دولار للبرميل، مع توقع صدمة تضخمية تصل إلى 0.9% نتيجة قطاع الطاقة، في وقت تبقى فيه مخزونات الغاز عند مستويات محدودة.

ويضيف لو بيفييه أن الاتحاد الأوروبي يفتقر فعلياً إلى بنية عسكرية موحدة، ما يعني أن أي انسحاب مفاجئ للمظلة الأميركية سيترك فراغاً استراتيجياً كبيراً.

وينتقل أسلينو إلى نقد أعمق لبنية الاتحاد، معتبراً أن شعار "الاتحاد قوة" يفقد معناه عندما تتضارب مصالح الدول، إذ يؤدي جمعها ضمن إطار واحد دون توافق حقيقي إلى الشلل بدل التكامل.

ويذهب أبعد من ذلك بالإشارة إلى جذور هذا النموذج، معتبراً أن فكرة الاتحاد الأوروبي تبلورت في سياق استراتيجي أميركي خلال حقبة وزير الخارجية الأميركي السابق دين أتشيسون، ضمن ما أسماه "استراتيجية السلاسل"، التي تقوم على جمع دول مختلفة تحت مظلة واحدة رغم تناقض مصالحها.

وفي توصيفه للخريطة الأوروبية، يرى أسلينو أن القارة منقسمة بين دول تخشى روسيا وتتمسك بالتحالف مع واشنطن، مثل بولندا ودول البلطيق، وأخرى تسعى إلى هامش استقلال أوسع، في حين تقف دول كبرى مثل ألمانيا وبريطانيا في موقع أقرب إلى الولايات المتحدة اقتصادياً واستراتيجياً.

أوروبا المنقسمة

وفي قراءة موازية، يشير مارك لويكس، المفكر والخبير السياسي البلجيكي، إلى أن الخلل لا يقتصر على السياسات، بل يمتد إلى البنية المؤسسية للاتحاد الأوروبي، إذ تحولت المفوضية الأوروبية إلى مركز قرار واسع الصلاحيات دون رقابة ديمقراطية كافية، ما يستدعي إعادة تأسيس النموذج الأوروبي عبر معاهدة جديدة أو صيغة أكثر مرونة.

وفي هذا السياق، يرى المرشح الرئاسي الفرنسي فرانسوا أسلينو، أن باريس نفسها باتت محاصرة داخل منظومة لا تعكس مصالحها بالكامل، سواء على مستوى العملة الموحدة أو السياسة الخارجية أو الارتباط بهياكل حلف شمال الأطلسي "الناتو". ويؤكد أن غياب سياسة خارجية أوروبية موحدة يعكس اختلال ميزان القوى داخل الاتحاد، ويؤدي إلى تآكل دور الدول كفاعلين مستقلين.

وهذا التباين يفسر الانقسام الأوروبي الحالي بين معسكر يتمسك بالتحالف مع واشنطن، وآخر يرى في هذه التبعية خطراً استراتيجياً.

ويختصر كريستوف شتوكلبيرجر، أستاذ الأخلاق العالمية والاقتصادية، هذا الانقسام بوصفه صراعاً بين من يدافع عن استقلال القرار والنموذج الاجتماعي، ومن يفضل الاصطفاف خلف الولايات المتحدة حتى على حساب الكلفة الاقتصادية.

"سؤال وجودي"

وفي ضوء ذلك، تعيد الحرب طرح سؤال جوهري: هل تمثل العلاقة مع واشنطن ضمانة أم عبئاً؟ وبينما ترى بعض الدول أن المظلة الأميركية ضرورة، تحذر أصوات أخرى من تبعية قد تتحول إلى عبء طويل الأمد.

ويطرح أسلينو خيارين واضحين: إما الاستمرار في ما يسميه "تبعية مميتة"، أو التوجه نحو بناء دبلوماسية مستقلة تستعيد هامش المناورة مع قوى دولية أخرى.

ويربط مايكل فخري، المقرر الأممي المعني بالحق في الغذاء، هذا الخيار مباشرة بالداخل الأوروبي، محذراً من أن تصاعد الإنفاق العسكري يأتي على حساب الرعاية الاجتماعية في ظل ضغوط معيشية متزايدة.

وفي المحصلة، لا تضع الحرب أوروبا أمام تحديات خارجية فحسب، بل تدفعها إلى مواجهة سؤال وجودي بشأن مستقبلها ودورها في العالم.

ويرى أسلينو أن هذه الحرب تمثل اختباراً حقيقياً لاستقلال القارة، بين تبعية قد تتحول إلى عبء، واستقلال قد يكون مكلفاً لكنه يمنحها القدرة على التحكم بمصيرها.

وفي سياق البحث عن بدائل عملية، يطرح أسلينو مسألة الاستقلال العسكري، داعياً إلى إعادة بناء سياسة دفاع وطنية تستند إلى قاعدة صناعية متقدمة، مستشهداً بشركات مثل "إيرباص" و"داسو" وبمقاتلة "رافال"، في مقابل الاعتماد الأوروبي المتزايد على المقاتلات الأميركية.

ويحذر من أن شراء السلاح الأميركي يعني القبول بإمكانية تعطيله في حال تعارض السياسات مع واشنطن، ما يقيّد القرار السيادي.

كما يدعو إلى بناء استقلال استراتيجي يقوم على تطوير الصناعات الدفاعية، وتأمين سلاسل الإمداد الحيوية، والحفاظ على الردع النووي كخيار سيادي مستقل. ويشير إلى التحولات في طبيعة الحروب، مع صعود الأسلحة المتطورة والطائرات المسيّرة، ما يستدعي إعادة صياغة الاستراتيجيات الدفاعية.

ويرى المرشح الرئاسي الفرنسي أن هذه المتغيرات تعزز الحاجة إلى تبني نهج قائم على استقلال القرار وإعادة توجيه العلاقات الدولية بما يخدم المصالح الأوروبية.

في النهاية، تبدو أوروبا أمام مفترق طرق حاسم بين الاستمرار في الاعتماد على مظلة خارجية، أو الشروع في بناء استقلال استراتيجي يمنحها قدرة أكبر على مواجهة عالم سريع التغير".

تصنيفات

قصص قد تهمك