
عندما استهل عضو الكونجرس الأميركي السابق مات جيتس خطابه بالتحالف مع فصيل جمهوري "مخلص لدولة واحدة فقط"، كانت رسالته إلى مؤتمر العمل السياسي المحافظ واضحة: لقد كانت انتقاداً ضمنياً للنفوذ الذي يعتقد أن إسرائيل تحظى به على السياسيين الأميركيين، حتى دون ذكر إسرائيل صراحة.
بعد شهر منذ اندلاع الحرب على إيران، أثارت تصريحات جيتس جدلاً في مؤتمر العمل السياسي المحافظ السنوي في الولايات المتحدة، إذ تعارضت مع دعوات الوحدة، وكشفت عن انقسام متزايد داخل الحزب الجمهوري الأميركي، لا سيما بين الأجيال، إذ يزيد تساؤل المحافظين من الشباب حيال الدعم لإسرائيل.
ويعكس ذلك حالة أوسع من التشكك في أسباب التدخل العسكري بين الجمهوريين الشباب، وهذه الشكوك تذكيها بشكل ما شخصيات محافظة مثل تاكر كارلسون، الذي أثار حديثه عن النفوذ الإسرائيلي المفرط على السياسة الأميركية اتهامات له بتأجيج معاداة السامية، لكن كارلسون نفى مراراً هذه الاتهامات.
الصغار يشككون
وكانت الحرب مع إيران، بما في ذلك دور إسرائيل فيها، إحدى النقاط الساخنة الرئيسية في مؤتمر العمل السياسي المحافظ الذي ظل لعقود بمثابة تجمع أساسي للسياسيين والناشطين الجمهوريين.
وقال جاك بوزوبيك، المعلق المحافظ والمؤثر على الإنترنت، إن سن 45 تمثل خطاً فاصلاً، وإن من المرجح أن تشكك الفئة الأصغر سناً في دعم الحزب الراسخ لإسرائيل.
وأضاف بوزوبيك لرويترز: "يريد الناس تصوير الأمر وكأنه معاداة للسامية، لكنني أعتقد أن هذا ليس هو الحال.. إنه مجرد سؤال: لماذا؟ ما الغرض من هذه العلاقة؟ وأسمع هذا السؤال كثيراً من الناخبين الشباب".
وأثارت هذه القضية توتراً داخل الحزب الديمقراطي في الأسابيع القليلة الماضية، ونأى بعض المشرعين والمرشحين للانتخابات التمهيدية بأنفسهم عن منظمة "إيباك"، وهي جماعة ضغط مؤيدة لإسرائيل، وسط تزايد القلق بشأن العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وهي تكشف الآن عن انقسامات بين الجمهوريين أيضاً، مما يؤدي إلى عزوف الناخبين الشباب الذين ساعدوا في فوز الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالانتخابات الرئاسية عام 2024، وربما تعرقل جهود الحزب للاحتفاظ بالأغلبية الضئيلة في مجلسي الشيوخ والنواب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
وقال نوح بوندي (17 عاماً) ورايدر جيرالد (18 عاماً)، وهما صديقان محافظان من جورجيا حضرا مؤتمر العمل السياسي المحافظ لأول مرة، إنهما يعارضان الحرب مع إيران، ويتساءلان عما إذا كانت العملية العسكرية قد وضعت مصالح إسرائيل فوق مصالح الولايات المتحدة.
وقال بوندي: "أعتقد أنهم دفعونا بالكامل إلى حرب مع إيران.. عائلتي كلها من العسكريين، ولا أحد منا يؤيد ذلك حقاً".
فيما قال جيرالد: "جيلنا من الشبان لا يحب إسرائيل بقدر ما يحبها الجيل الأكبر سناً"، وأضاف أنه يفضل توجيه أموال دافعي الضرائب الأميركيين نحو الأولويات المحلية بدلاً من إنفاقها على تعزيز الجيش الإسرائيلي.
دعم الإنجيليين لإسرائيل
مع ذلك، يلقى موقف الحزب المؤيد لإسرائيل صدى قوياً لدى الإنجيليين - وهم ركن أساسي من القاعدة السياسية لترمب - ولدى الناخبين الأكبر سناً مثل هاري ستراين الثالث، وهو رجل عمره 83 عاماً حضر مؤتمر العمل السياسي المحافظ واضعاً قبعة حمراء كُتب عليها "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً".
وقال ستراين: "إسرائيل هي شعب الله.. تأسست الولايات المتحدة على المعتقد اليهودي المسيحي.. أعتقد أنني شخص تقليدي".
في اليوم الافتتاحي للمؤتمر، قال القس فرنكلين جراهام إن ترمب بقصفه لإيران لحماية إسرائيل يشبه إيستر، وهي ملكة يهودية تقول المعتقدات اليهودية إن الله اختارها لإنقاذ شعبها من الإبادة في بلاد فارس القديمة.
وقال جراهام المبشر المسيحي البارز: "أعتقد أن الله قد أرسله لمثل هذا الوقت، مثل الملكة إيستر"، مستشهداً بمعتقد أساسي لدى الإنجيليين بأن دولة إسرائيل الحديثة تمثل تحقيقاً لنبوءة بالكتاب المقدس.
تراجع شعبية ترمب
لكن القلق بشأن الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الوقود تسببا في انخفاض شعبية ترمب إلى 36%، وهي الأدنى منذ عودته إلى البيت الأبيض، وفقاً لاستطلاع رأي لـ"رويترز/إبسوس" صدر يوم الاثنين الماضي.
ومع هذا، لا يزال الدعم قوياً بين قاعدته الشعبية الأساسية بتأييد 74% من الجمهوريين الضربات على إيران.
ويتزامن الجدل الدائر بشأن إسرائيل مع صراع جمهوري أوسع نطاقاً حول مستقبل حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" وأنصارها.
وتصاعدت اتهامات معاداة السامية في فعالية عقدتها منظمة (ترنينج بوينت يو.إس.إيه) أو "نقطة تحول أميركا"، في ديسمبر، وهي منظمة غير ربحية تركز على تعزيز السياسات المحافظة.
وفي أول حدث وطني للمنظمة منذ وفاة مؤسسها تشارلي كيرك، انتقد المعلق بن شابيرو المحافظين لصلاتهم بشخصيات مثل نيك فوينتس، وهو مقدم محتوى من أنصار القومية البيضاء ويشيد بهتلر.
"ولاء شبه أعمى"
وقال جيتس في كلمته في مؤتمر العمل السياسي المحافظ، الخميس إنه لا يتفق مع شابيرو وغيره من المعلقين المحافظين "بأن لدينا نوعاً من الولاء شبه الأعمى لدولة في أرض بعيدة"، في إشارة على ما يبدو إلى إسرائيل.
وقال إن على المحافظين تقبل الاختلافات وإن "معاداة السامية لا تختبئ في كل زاوية وفي كل شجيرة".
وعند جناح منظمة (جيل صهيون) غير الربحية التي تدرب الشباب المسيحيين واليهود على الدفاع عن إسرائيل ومكافحة معاداة السامية، كان بوسع زوار المؤتمر الحصول على ملصق مكتوب عليه "تاكر كارلسون يكرهني"، في توبيخ للمعلق بعد تصريح حديث انتقد فيه الصهيونية المسيحية ونفوذ إسرائيل المتصور على السياسة الأميركية.
وقال جابرييل كولي (19 عاماً)، وهو متطوع في المنظمة، إن الحزب الجمهوري يعاني من مشكلة تتعلق بمعاداة السامية، إلا أنها مدفوعة بأقلية صغيرة صوتها صاخب على الإنترنت.
وأضاف: "أعتقد أن الجناح المعادي لإسرائيل والمعادي للسامية في الحزب الجمهوري يصور نفسه على أنه أكبر بكثير مما هو عليه في الواقع".









