عملية برية في إيران.. مهمة أميركية محتملة قد تخرج عن السيطرة | الشرق للأخبار
خاص

مهمة قد تخرج عن السيطرة.. سيناريوهات التدخل البري الأميركي في إيران

خبراء لـ"الشرق": مخاطر مرتفعة تحيط بأي عملية إنزال.. ومخاوف من توابع اقتصادية

time reading iconدقائق القراءة - 12
عناصر من مشاة البحرية الأميركية عقب نزولهم من مركبة إنزال بحرية (LCU) خلال عمليات برمائية في بورتوريكو. 9 ديسمبر 2025 - Reuters
عناصر من مشاة البحرية الأميركية عقب نزولهم من مركبة إنزال بحرية (LCU) خلال عمليات برمائية في بورتوريكو. 9 ديسمبر 2025 - Reuters
واشنطن-

أثار انتشار عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين في الشرق الأوسط، مدعومين بثلاث حاملات طائرات ومئات الطائرات القتالية، تكهنات حول سيناريوهات عمليات برية تستهدف مواقع استراتيجية إيرانية، من بينها جزيرة خرج التي تتحكم بنحو 90% من صادرات النفط الإيراني، وذلك في ظل توتر متصاعد بين واشنطن وطهران.

ويتجه التركيز إلى مضيق هرمز، الذي أدى إغلاقه جزئياً إلى تعطيل نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وارتفاع أسعار الخام بشكل حاد، ما يضع واشنطن أمام ضغط مزدوج: تحقيق أهدافها الاستراتيجية في إيران، وتجنب تداعيات خطيرة على أسواق الطاقة العالمية.

وفي قلب هذه المعادلة، تبرز انقسامات داخل القيادة الأميركية بشأن حجم وطبيعة التدخل البري، لا سيما بعد الإقالات المفاجئة في البنتاجون لرئيس أركان القوات البرية راندي جورج ومسؤولين كبار، بالتزامن مع استمرار إيران في إبراز قدراتها الدفاعية، بما في ذلك إسقاط طائرات أميركية من طراز F-15 وA-10، ما يزيد من تعقيد أي تحرك بري محتمل.

في ضوء هذه المعطيات، تتشكل ملامح السيناريوهات التي تدرسها واشنطن لعمليات إنزال بري محتمل، وسط مخاوف من أن تؤدي أي خطوة غير محسوبة إلى أزمة إقليمية وعالمية متشابكة. فماذا أعدّت واشنطن لهذه الخطوة؟

الحشد الأميركي في المنطقة

أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن الحشد يشمل نحو 50 ألف جندي ضمن عملية أطلقت عليها اسم الغضب الملحمي، مدعومين بثلاث حاملات طائرات في المياه الإقليمية: أبراهام لينكولن في بحر العرب، جورج بوش التي انضمت حديثاً، وجيرالد فورد التي عادت بعد أعمال صيانة إثر حريق.

ونشر البنتاجون نحو 120 طائرة، بينها مقاتلات الشبح F‑35، وطائرات التفوق الجوي F‑22، ومقاتلات F‑15 وF‑16، مدعومة بطائرات الشحن والتزويد بالوقود جواً، في إشارة إلى تخطيط مستدام للعمليات العسكرية وليس مجرد حركة روتينية. كما تم نشر مجموعتين من السفن البرمائية، تربولي وبوكسر، تحملان وحدات مشاة البحرية الأميركية (المارينز) ليبلغ عددهم نحو 4500 جندي، إضافة إلى فرقة من 2000 جندي من الوحدة 82 المحمولة جواً والمتخصصة في عمليات الإنزال والسيطرة السريعة. ومن المتوقع إرسال تعزيزات إضافية ليصل إجمالي القوات البرية إلى نحو 17 ألف جندي.

ورغم ضخامة الحشد، يؤكد جيل بارندولار، الباحث في مؤسسة "أولويات الدفاع" Defense) Priorities)، الضابط السابق في مشاة البحرية الأميركية، أن الحديث عن غزو شامل أو محاولة لتغيير النظام الإيراني غير وارد.

ويستند هذا التقدير، بحسب بارندولار، إلى غياب الكتلة العسكرية الكافية لتنفيذ عملية واسعة النطاق، موضحاً أن الحد الأقصى للقوات القتالية القابلة للنشر في المنطقة لا يتجاوز بضعة آلاف من الجنود، وحتى مع الحديث عن إرسال تعزيزات إضافية قد تصل إلى ما بين 15 إلى 20 ألف جندي، فإن هذا الرقم يظل بعيداً بشكل كبير عن متطلبات غزو دولة بحجم إيران، التي يتراوح عدد سكانها بين 90 و92 مليون نسمة، وتوازي مساحتها تقريباً الساحل الغربي للولايات المتحدة.

ويقول بارندولار في حديثه لموقع "الشرق": "لا يمكن غزو دولة بهذا الحجم باستخدام قوة عسكرية محدودة كهذه، استحضر هنا غزو العراق عام 2003، لقد حشدت فيه واشنطن نحو 150 ألف جندي، هذا هو الفرق بين الغزو الشامل والعمليات المحدودة".

ثلاثة سيناريوهات لعمليات إنزال بري

وتحدث بارندولار عن ثلاثة مسارات رئيسية مطروحة لعمليات إنزال بري يجري تداولها داخل الأوساط العسكرية الأميركية، قائلاً إن جميعها تعكس طبيعة عمليات محدودة وبأهداف محددة، واستدل على ذلك بخبرته العسكرية كضابط سابق في مشاة البحرية الأمريكية، إذ خدم مرتين في عمليات انتشار داخل أفغانستان؛ الأولى قائداً لفصيلة استطلاع مدرعة خفيفة، والثانية مستشاراً قتالياً لدى الجيش الجورجي. كما قاد فصيلة تابعة لـ "فريق أمن الأسطول لمكافحة الإرهاب" (FAST) أثناء عمليات الانتشار في خليج جوانتانامو ومنطقة الخليج العربي.

المسار الأول يتمثل في تنفيذ عملية دقيقة للاستيلاء على مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب قرب مدينة أصفهان. ويصف بارندولار هذا الخيار بأنه الأكثر خطورة، نظراً لتعقيداته العملياتية، حيث سيتطلب نشر قوات خاصة بأعداد كبيرة نسبياً، والعمل داخل بيئة معادية لعدة أيام، مع ما يحمله ذلك من احتمالات عالية للاشتباك والخسائر.

أما المسار الثاني فيتعلق بالتوجه نحو جزيرة خرج، الواقعة شمال الخليج العربي، والتي تمثل شرياناً حيوياً لتصدير النفط الإيراني. غير أن هذا الخيار، رغم أهميته الاستراتيجية، محفوف بتحديات كبيرة، إذ يتطلب نقل القوات عبر مسافات بحرية طويلة نسبياً داخل الخليج سواء باستخدام المروحيات أو الإنزال الجوي أو عبر قوة بحرية صغيرة، ما يجعلها عرضة لهجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية، والقوارب السريعة، والصواريخ المضادة للسفن.

في المقابل، يبرز المسار الثالث كخيار أكثر ترجيحاً، ويتمثل في السيطرة على جزيرة قشم أو جزر قريبة من مضيق هرمز، بهدف استخدامها كقاعدة لفرض فتح المضيق واستعادة حركة الملاحة، خصوصاً ناقلات النفط. ورغم أن هذا الخيار يُعد أقل خطورة مقارنة بغيره، إلا أنه لا يخلو من تحديات ميدانية، في ظل قرب هذه الجزر من الأراضي الإيرانية وقدرة طهران على استهدافها بسرعة.

التحديات الميدانية

ترتبط جميع هذه السيناريوهات بشكل مباشر بكيفية تنفيذ عمليات الإنزال، التي تمثل المرحلة الأكثر حساسية في أي تدخل بري. ويوضح بارندولار أن هناك ثلاث طرق رئيسية يمكن من خلالها إدخال القوات إلى مسرح العمليات، وغالباً ما يتم استخدامها بشكل متكامل وفقاً لطبيعة المهمة.

الطريقة الأولى هي الإنزال البحري، حيث يتم نقل الجنود من السفن إلى الشاطئ باستخدام قوارب أصغر تُعرف بـ"وسائل الربط السطحية". وتوفر هذه الطريقة القدرة على نقل أعداد أكبر من القوات والمعدات، لكنها تجعل القوات عرضة للاستهداف أثناء الاقتراب من الشواطئ، خاصة في بيئة مليئة بالتهديدات الصاروخية والبحرية.

أما الطريقة الثانية فهي الإنزال الجوي المباشر باستخدام المظلات، وهو خيار يمنح سرعة الوصول إلى الهدف وعنصر المفاجأة، لكنه يُعد من أكثر الأساليب خطورة، نظراً لاحتمالية تعرض القوات للنيران المباشرة أثناء الهبوط، بالإضافة إلى تعريض طائرات النقل نفسها لخطر الاستهداف.

والطريقة الثالثة، هي الإنزال بالمروحيات والتي توفر حلاً وسطاً بين السرعة والمرونة، إذ تسمح بنقل القوات مباشرة إلى نقاط محددة، لكنها تظل معرضة لمخاطر كبيرة، كون المروحيات أبطأ وأسهل استهدافاً مقارنة بالطائرات النفاثة.

و يشير بارندولار إلى أنه رغم نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في إلحاق أضرار كبيرة بشبكات الدفاع الجوي الإيرانية، ما يمنحهما حرية نسبية في الأجواء، فإن تكثيف استخدام الطائرات -خصوصاً المروحيات- يعني إدخال عدد أكبر من الأهداف البطيئة إلى ساحة المعركة، ما يزيد من احتمالات إسقاطها بواسطة نيران أرضية أو صواريخ قصيرة المدى.

وأوضح: "إسقاط مروحية عسكرية أسهل بكثير من إسقاط طائرة نفاثة مثل F-35 أو F-18، وهو ما يجعل مرحلة الإنزال تحديداً واحدة من أكثر المراحل حساسية وخطورة في أي عملية برية محتملة".

ما مدى الخطورة؟

تتعدد طرق تنفيذ الإنزال العسكري للقوات الأميركية عند استهداف جزر استراتيجية أو مواقع هامة، ويعتمد اختيار الطريقة على طبيعة الهدف، حجم القوات التي سيتم إنزالها، ودفاعات العدو.

يرى الجنرال الأمريكي المتقاعد مارك كيميت، أن أي عملية برية ضد أهداف إيرانية حتى لو كانت محدودة تحمل مستوى مرتفع من المخاطر العملياتية. ويؤكد أن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في تنفيذ الإنزال، بل في القدرة على حماية القوات بعد وصولها إلى الأرض في بيئة معادية.

ويقول كيميت في حديثه لـ"الشرق" إن "القوات الأميركية ستواجه مزيجاً من التهديدات، تشمل النيران المباشرة من الوحدات البرية الإيرانية، والمدفعية، إضافة إلى الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وهي عناصر قادرة على استهداف القوات فور تمركزها، خاصة في مواقع قريبة من الساحل الإيراني مثل جزيرة خرج".

وفي هذا السياق، يحذر من أن أي تحرك نحو جزيرة خرج، التي تبعد نحو 32 كيلومتراً فقط عن الساحل الإيراني، سيضع القوات الأميركية في مدى استهداف مستمر من البر الرئيسي، ما يجعلها عرضة لهجمات متكررة قد تشمل صواريخ دقيقة وطائرات بدون طيار، فضلاً عن احتمالية وجود ألغام أو تجهيزات دفاعية مسبقة في الموقع.

ويضيف كيميت أن هذا النوع من العمليات يمنح إيران فرصة واضحة لرفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً أيضاً، من خلال زيادة الخسائر البشرية المحتملة، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على موقف الإدارة الأميركية داخلياً، ويزيد من الضغوط على واشنطن.

هذه التقديرات تفضي إلى فهم حدود القدرة الأميركية على تنفيذ عمليات برية في إيران، وهو ما يفتح الباب أمام تحليل التداعيات الإقليمية الأوسع.

تأثير "الدومينو"

يرى الدكتور أمود شكري، الخبير الاستراتيجي في مجال الطاقة، زميل جامعة جورج ماسون، أن أي هجوم أميركي محتمل على جزيرة خرج سيُحدث صدمة كبيرة لأسواق الطاقة العالمية، مؤكداً أن أسعار النفط شهدت ارتفاعاً حاداً منذ اندلاع الحرب، وقد تتجاوز أسعار برميل النفط 150 دولاراً إذا تم استهداف النفط الإيراني مباشرة.

وأضاف شكري في حديثه لـ"الشرق": "إذا استهدفت الولايات المتحدة جزيرة خرج، فمن المتوقع أن يقوم الجيش الإيراني والحرس الثوري باستهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة، مما سيؤدي إلى تأثير الدومينو في سوق الطاقة العالمي".

ويشير المحللون إلى أن أسواق النفط العالمية ستتأثر بشدة لعدة أشهر، مع توقع بعض الاستقرار بعد ذروة الصيف، لكن تداعياتها ستظل ملموسة على الاقتصاد الدولي على المدى القصير والمتوسط.

وتزداد المخاطر الإقليمية تعقيداً مع احتمالية مشاركة وكلاء إيران في المنطقة، وأبرزهم الحوثيون، الذين يمتلكون القدرة على إغلاق مضيق باب المندب الحيوي، الذي يمر عبره نحو 12% من حركة التجارة العالمية، ما يزيد من الأثر الاقتصادي العالمي ويضاعف الضغوط على أسواق الطاقة، ويحول أي تصعيد عسكري محدود إلى أزمة إقليمية متشابكة ومعقدة.

ووسط هذه التحركات العسكرية والتصعيد المحتمل، يبقى الوضع في الشرق الأوسط مسرحاً دقيقاً للتوازن بين القوة والردع. فأي خطوة أميركية، مهما كانت محدودة، ستقاس ليس فقط بنتائجها المباشرة، بل بردود الفعل المتسلسلة عليها و التي قد تنسحب على المنطقة وأسواق الطاقة العالمية.

تصنيفات

قصص قد تهمك