
واجه الاتفاق المؤقت، الذي أبرمه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مع إيران انتقادات متزايدة من جمهوريين في الكونجرس شككوا في حجم التنازلات التي حصلت عليها واشنطن مقابل إنهاء الحرب، وفق "نيويورك تايمز".
وأرسل البيت الأبيض نص مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران إلى أعضاء الكونجرس، الخميس، بعد يوم من توقيع ترمب على الاتفاق الأولي لإنهاء الحرب. وتطابق نص الوثيقة، التي اطلعت عليها "رويترز"، مع ما تلاه مسؤول أميركي، الأربعاء.
ويقول مشرعون من الحزبين إنهم يريدون المزيد من التفاصيل من البيت الأبيض.
وقال مساعدون في الكونجرس إنه حتى اليوم لم تُعقد أي جلسات إحاطة بشأن الاتفاق أو بشأن خطط الإدارة، كما لم يُعلن عن تحديد أي مواعيد لذلك.
ومن بين أبرز الانتقادات التي وُجهت إلى مذكرة التفاهم، تقارير تحدثت عن موافقة إدارة ترمب على الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، والسماح بإنشاء صندوق سيادي بقيمة 300 مليار دولار لدعم الاستثمار في إيران وتخفيف أثر العقوبات المفروضة عليها.
"أسوأ خطأ في السياسة الخارجية"
وكتب السيناتور بيل كاسيدي (جمهوري من لويزيانا)، الذي خسر الانتخابات التمهيدية الشهر الماضي بعدما استهدفه ترمب سياسياً، على وسائل التواصل الاجتماعي: "إن ريجان غاضب للغاية في قبره".
وأضاف أن الطموحات النووية الإيرانية "لم تُكبح"، وأن طهران تعلمت أنه بإمكانها استخدام مضيق هرمز، كورقة ضغط لانتزاع تنازلات.
وقال كاسيدي إن الحرب كانت "أسوأ خطأ في السياسة الخارجية منذ عقود".
وقال روجر ويكر من ميسيسيبي، وهو الرئيس الجمهوري للجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، إنه قلق من أن مذكرة التفاهم "تتنازل" عن الانتصارات العسكرية الأميركية.
وأضاف ويكر أن من الخطأ إجبار إسرائيل على التراجع عن مواجهة جماعة "حزب الله" في لبنان، وأبدى معارضته لرفع أي عقوبات عن إيران أو الإفراج عن أموالها المجمدة "مقابل مجرد موافقتها على التفاوض لمدة 60 يوماً أخرى".
انتخابات التجديد النصفي
وتمثل هذه الانتقادات توبيخاً نادراً من أعضاء الحزب الجمهوري، الذين يبدون في الغالب ولاء قوياً للرئيس، غير أنهم يشعرون بالقلق على نحو متزايد مع تفاقم التداعيات الاقتصادية للصراع مع إيران، والتي تضر بفرصهم قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، التي ستحدد السيطرة على الكونجرس.
ووجه الديمقراطيون، الساعون لاستعادة السيطرة على أحد المجلسين، الشيوخ والنواب، أو كليهما، انتقادات للاتفاق.
وتسلط هذه المواقف الضوء على التحدي الذي يواجهه ترمب قبل 5 أشهر من الانتخابات، بينما يسعى إلى تخليص الجمهوريين من العبء السياسي الذي خلفته الحرب، مع إدارة تباين وجهات النظر داخل حزبه بشأنها.
وفي حين حظي ترمب بإشادة من بعض حلفائه الجمهوريين بسبب الاتفاق، فإن توحيد المواقف داخل حزب يضم أجنحة متنافسة يُعد مهمة صعبة.
وعند اندلاع الصراع، أثار ترمب غضب بعض أنصار نهج "أميركا أولاً" الانعزاليين داخل حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً"، الذين رأوا أنه يتراجع عن تعهده بعدم خوض "حروب جديدة".
أما الآن، وبينما يحاول إنهاء القتال، يواجه ترمب اعتراضات من المحافظين التقليديين الذين يتساءلون عما إذا كان قد أبرم اتفاقاً سيكون في نهاية المطاف أفضل من ذلك الذي توصل إليه الرئيس السابق باراك أوباما مع إيران قبل عقد من الزمن. وكان ترمب قد سحب الولايات المتحدة من ذلك الإطار في عام 2018.
"منح المليارات لإيران"
ويقضي الاتفاق الأولي برفع العقوبات المفروضة على إيران والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة بمليارات الدولارات. كما يؤجل المباحثات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني إلى فترة تفاوض تمتد 60 يوماً قابلة للتمديد "بموافقة متبادلة".
وينص الاتفاق كذلك على أن تعمل الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون على إعداد خطة إعادة إعمار لإيران بقيمة 300 مليار دولار. وأعرب بعض الجمهوريين عن قلقهم إزاء مثل هذا الصندوق، إلا أن ترمب أكد، الأربعاء، أن الولايات المتحدة لن تستثمر فيه.
وقال السيناتور تيد كروز (جمهوري عن تكساس): "هل يعني ذلك منح 300 مليار دولار لقادة إيران؟ آمل ألا يكون الأمر كذلك. وأدعو ألا يحدث". وجاء ذلك رغم إشادته بقرار ترمب خوض الحرب، مؤكداً أن الرئيس "دمر الجيش الإيراني بالكامل".
وجاءت بعض أشد الانتقادات من جمهوريين همشهم ترمب داخل الحزب. وقال السيناتور توم تيليس (من نورث كارولاينا)، الذي يستعد للتقاعد، إن هناك "الكثير من العمل المطلوب لإقناعي بأننا نسير في الاتجاه الصحيح".
كما انتقدت النائبة السابقة مارجوري تايلور جرين (من جورجيا)، التي كانت يوماً من أبرز مؤيدي ترمب قبل أن تختلف معه لاحقاً، الرئيس في مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب ما وصفته بأنه حرب "غير ضرورية على الإطلاق".
وقالت جرين بسخرية: "على ما يبدو، هكذا يبدو الانتصار".
من جهتها، كتبت نيكي هيلي، التي شغلت منصب سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة خلال ولاية ترمب الأولى وخسرت أمامه سباق الترشيح الجمهوري للرئاسة عام 2024، على وسائل التواصل الاجتماعي أن "استهداف المواقع النووية والصاروخية الإيرانية كان القرار الصحيح".
لكنها أضافت: "إنه لخطأ فادح أن ندفع ثمن إعادة بناء التهديد الذي دمرناه للتو".
كما ظهرت الاعتراضات في ساحات أخرى، ففي صباح الأربعاء، خصصت صحيفة "نيويورك بوست" صفحتها الأولى لانتقاد الإدارة. وجاء في العنوان الرئيسي: "ترمب دمر إيران، والآن يضربها بـ... قنبلة حب"، فوق صورة لعلم أميركي مشتعل ونص يقول إن اتفاق ترمب أغدق على قادة إيران "الأموال... من دون عقوبات".
وقال الإعلامي المحافظ مارك ليفين، مقدم البرامج في شبكة "فوكس نيوز"، إنه يرى في الاتفاق "الكثير مما يدعو إلى القلق"، ويرغب في إدخال تعديلات عليه.
ترمب يدافع عن الاتفاق
وهاجم ترمب منتقدي الاتفاق، الأربعاء، واصفاً إياهم بأنهم "أشخاص أغبياء وسيئون"، مؤكداً أنه يحظى بدعم المجتمع الدولي. وقال إن مواصلة الحرب كانت "سترضي 10% من الناس"، لكنها كانت "الخيار الخاطئ".
وأضاف الرئيس، في تصريحات للصحافيين على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا: "هناك بعض الأشخاص وبعض الكتاب الذين كنت أعتقد أنهم أصدقاء لي، لكنني لم أعد أرغب في صداقتهم".
وكان ترمب قد غير أهدافه من الحرب مع إيران بمرور الوقت، ويبدو أن بعض منتقديه لا يزالون يحاسبونه على الأهداف التي أعلنها عند بدء الضربات ضد إيران في أواخر فبراير، بما في ذلك تغيير النظام الإيراني، والقضاء على إيران بوصفها تهديداً عالمياً، ووقف برنامجها النووي.
كما انتقد ترمب منتقديه بشدة في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، وكتب: "هؤلاء الحمقى الذين يعتقدون أنني لم أكن صارماً بما يكفي مع إيران، في وقت تسجل فيه سوق الأسهم مستويات قياسية مرتفعة وتتراجع أسعار النفط، هم إما حسودون أو سيئون أو أغبياء. لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى".
ويُعد الاتفاق على إنهاء الصراع وفتح مضيق هرمز، الذي يتمتع بأهمية اقتصادية حيوية، تطوراً إيجابياً نسبياً لترمب، الذي كان بحاجة إلى مخرج من صراع أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة واستنزاف الموارد العسكرية الأميركية. ويمكن أن يتيح الاتفاق النهائي، الذي لا يزال قيد التفاوض، مكاسب إضافية للولايات المتحدة.
لكن منتقدين يرون أن الاتفاق المؤقت يمنح إيران مزايا كبيرة، مقابل حصول الولايات المتحدة على شيئين كانا موجودين بالفعل قبل الحرب، وهما بقاء المضيق مفتوحاً وتعهد إيران بعدم تطوير سلاح نووي.










