
دفعت باكستان بثقلها الدبلوماسي إلى الواجهة الدولية عبر دور محوري في المحادثات الأميركية الإيرانية، في خطوة تأمل إسلام آباد من خلالها في أن تترجم إلى نفوذ سياسي أوسع وعلاقات أوثق مع القوى الكبرى، فضلاً عن جذب استثمارات أجنبية تحتاج إليها بشدة، وفق "بلومبرغ".
وأغدق نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الثناء على رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش المشير عاصم منير، الأحد، مع انطلاق المفاوضات الأميركية الإيرانية في سويسرا.
وأشاد فانس، الذي وقف إلى جانب الرجلين في منتجع "بورجنستوك" السويسري، بمهارات شريف التفاوضية، واصفاً إياه بأنه "صديق عزيز" للرئيس الأميركي دونالد ترمب. ثم التفت إلى المشير عاصم منير مازحاً بأنه ربما تحدث مع قائد الجيش الباكستاني أكثر من أي شخص آخر خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
وقال فانس: "لولا حنكته السياسية لما كنا هنا اليوم". وأضاف أن منير قائد عسكري، "لكنه يعتقد أنه أثبت أيضاً أنه دبلوماسي بارع".
وسيط غير متوقع
وخلال حرب إيران التي استمرت نحو أربعة أشهر، برزت باكستان وسيطاً غير متوقع في النزاع، بعدما دفعها ترمب إلى دائرة الضوء. وتحول شريف ومنير إلى شخصيتين محوريتين في المشهد، من خلال استضافة محادثات السلام ونقل الرسائل بين المفاوضين الإيرانيين والأميركيين عبر قنوات خلفية معقدة.
وكان شريف أول من أعلن، عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي، توصل الولايات المتحدة وإيران إلى هدنة باتت تُعرف الآن باسم "مذكرة تفاهم إسلام آباد". ويحمل الاتفاق توقيع رئيس الوزراء الباكستاني إلى جانب توقيعي ترمب والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان.
ومنح هذا الدور باكستان ثقلاً سياسياً على الساحة الدولية لم تحظ به منذ عقود. كما ساعدها على الخروج من ظل الهند، وربما مهد الطريق أمام تدفقات أكبر من الاستثمارات الأجنبية واستثمارات الشركات في وقت يحتاج فيه اقتصادها المتضرر من الحرب إلى الدعم بشدة.
وقال كريستوفر كلاري، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة ألباني والمسؤول السابق في وزارة الحرب الأميركية: "انتقلت باكستان من دولة تكاد لا تمتلك أي نفوذ في الشرق الأوسط في مطلع عام 2025 إلى لاعب دبلوماسي وعسكري مؤثر في المنطقة اليوم".
وأضاف كلاري أن التدخل القطري في اللحظات الأخيرة كان عاملاً أساسياً في إنجاز الاتفاق المرحلي بين الولايات المتحدة وإيران، لكنه لا يغيّر من حقيقة "الارتقاء النسبي في مكانة باكستان".
مكاسب متعددة
وتتوقع باكستان أن يحقق لها دورها في صنع السلام مكاسب متعددة. فمن جهة، يعزز هذا الدور نفوذ إسلام آباد ليس فقط لدى واشنطن، بل أيضاً لدى دول الخليج التي تعاونت معها خلال المحادثات، وكذلك لدى شريكتها القديمة بكين، وجميعها أشادت علناً بالدور الباكستاني.
وقال جاي تروسديل، المدير السابق لمكتب رئيس البعثة في السفارة الأميركية بإسلام آباد والرئيس التنفيذي الحالي لشركة TDI المتخصصة في استخبارات المخاطر: "باكستان القادرة على التواصل في الوقت نفسه مع شركائها، سواء في طهران أو واشنطن أو الرياض أو بكين، هي باكستان نجحت في خلق مرونة استراتيجية وامتلكت القدرة على توليد الزخم حول المبادرات الدولية ذات القيمة العالية".
وبدأ مسار تحوّل باكستان إلى لاعب محوري في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران قبل نحو عام، في أعقاب نزاعها العسكري الذي استمر أربعة أيام مع الهند. وسارع ترمب آنذاك إلى نسب الفضل لنفسه في التوصل إلى الهدنة التي أنهت ذلك الصراع، بحسب "بلومبرغ".
ورفضت الهند بشدة أي دور أميركي في إنهاء النزاع، لكن منير وشريف تبنيا رواية ترمب مراراً، إلى حد دعمه للفوز بجائزة نوبل للسلام. وفي المقابل، حصلا على إشادات متواصلة من الرئيس الأميركي، وعقدا عدة لقاءات معه، بما في ذلك في البيت الأبيض.
تقارب أميركي باكستاني
وخلال العام الماضي، سعت إدارة ترمب إلى توجيه استثمارات جديدة إلى باكستان في قطاعات رئيسية، من بينها العملات المشفرة عبر شركة مرتبطة بترمب، إضافة إلى المعادن الحيوية. ولا تزال هذه الاستثمارات تقتصر إلى حد كبير على مذكرات تفاهم أكثر من كونها عقوداً نهائية موقعة، رغم أن الجهات الداعمة لها تروج لقيمتها التي تُقدّر بمليارات الدولارات.
ويُعد هذا التقارب تحولاً لافتاً مقارنة بما كانت عليه العلاقات قبل سنوات قليلة فقط، عندما كانت باكستان شبه معزولة عن واشنطن. فقد كان البلدان حليفين خلال الحرب الباردة والسنوات الأولى من الحرب على الإرهاب، إلا أن العلاقات تدهورت بعد العملية الأميركية التي استهدفت مجمعاً داخل باكستان وأسفرت عن اغتيال أسامة بن لادن في عام 2011.
وظلت العلاقات متوترة لسنوات، إذ وصف الرئيس الأميركي السابق جو بايدن باكستان بأنها "ربما واحدة من أخطر دول العالم" بسبب برنامجها النووي. ورغم تراجع الإدارة الأميركية لاحقاً عن هذه التصريحات بعد احتجاج إسلام آباد، بقيت العلاقات باردة طوال فترة ولايته.
ومع الطبيعة غير المتوقعة لسياسات ترمب، يبقى التحدي الأكبر أمام باكستان حالياً، هو تحويل مكانتها الدبلوماسية الجديدة إلى علاقة مستدامة وطويلة الأمد مع الولايات المتحدة.
وقال شهريار خان، المدير التنفيذي لمنتدى الحوار الوطني، وهو مركز أبحاث مقره إسلام آباد: "الثقة ستتشكل في نهاية المطاف من خلال الانخراط المستمر والاتساق في السياسات، لا عبر الإشارات الرمزية أو النجاحات الدبلوماسية قصيرة الأجل". وأضاف: "هناك حاجة إلى تواصل طويل الأمد".











