
وضع الجيش الأميركي خططاً جديدة لشن ضربات تستهدف البنية التحتية للطاقة والمنشآت النووية في إيران، تشمل احتمال استخدام قنبلة (GBU-43/B)، المعروفة باسم "أم القنابل"، إذا أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب باستئناف العمليات العسكرية، سواء قبل انتخابات التجديد النصفي أو بعدها، وفق ما أفادت به شبكة CNN، الخميس، نقلاً عن مسؤولين أميركيين مطلعين على الأمر.
ومن شأن استخدام قنبلة "GBU-43/B"، وهي واحدة من أضخم القنابل التقليدية في الترسانة الأميركية، للمرة الأولى في الصراع مع إيران، أن يمثل تصعيداً ملحوظاً، رغم الشكوك بشأن قدرتها على تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي أعلنها ترمب أو تغيير موازين الحرب، وفقاً لعدة مصادر مطلعة على المناقشات الداخلية بشأن احتمال استخدام هذا السلاح.
"أم القنابل"
وطُوّرت قنبلة "أم القنابل" خلال حرب العراق، وهي سلاح يعتمد على الانفجار الهوائي، إذ ينفجر قبل ملامسة الأرض، مطلقاً موجة انفجار هائلة في جميع الاتجاهات.
وخلال المراحل النهائية لاختبار القنبلة عام 2003، قال مسؤولون عسكريون لـCNN إنها صُممت أساساً لتُستخدم في "العمليات النفسية".
وأوضح مسؤولون عسكريون آنذاك أنهم كانوا يأملون أن يؤدي الانفجار الهائل إلى بث الرعب في صفوف القوات العراقية ودفعها إلى الاستسلام أو الامتناع عن القتال من الأساس.
وكان التصور الأصلي لاستخدام القنبلة يستهدف تجمعات كبيرة من القوات والمعدات أو المخابئ المحصنة فوق سطح الأرض. ثم توسعت قائمة الأهداف المحتملة لتشمل مواقع تقع تحت طبقات أرضية أقل صلابة، مثل الكهوف والأنفاق.
وكان ترمب أول رئيس أميركي يأمر باستخدام "أم القنابل"، وذلك خلال ولايته الأولى، عندما أجاز للجيش في عام 2017 استخدام أقوى قنبلة غير نووية في الترسانة الأميركية ضد مواقع تنظيم "داعش" في أفغانستان.
واستهدفت الضربة شبكة من الأنفاق المحصنة تحت الأرض، كان التنظيم يستخدمها لشن هجمات على القوات الحكومية، وأسفرت عن سقوط 36 عنصراً من "داعش"، وفقاً لمسؤولين أفغان. وأضاف مسؤولون أفغان وأميركيون آنذاك أن الانفجار دمّر ثلاثة أنفاق تحت الأرض، إلى جانب أسلحة وذخائر، دون وقوع إصابات بين المدنيين.
وفي ذلك الوقت، مثّل القصف تحولاً لافتاً في موقف ترمب، الذي كان قد دعا خلال حملته الانتخابية الأولى إلى اتباع سياسة خارجية انعزالية تقوم على شعار "أميركا أولاً".
وعقب ضربة عام 2017، واجه مسؤولون عسكريون أميركيون أسئلة بشأن مدى ضرورة استخدام القنبلة، التي تزن 21600 رطل، لاستهداف الموقع المحدد. ورجحت CNN أن يواجهوا تساؤلات مماثلة إذا استُخدم هذا السلاح ضد إيران.
البحث عن نهاية "حاسمة"
ويواجه ترمب ضغوطاً لإنهاء الحرب التي لا تحظى بشعبية كبيرة، في وقت يستعد فيه الجمهوريون لاحتمال مواجهة رد فعل سياسي سلبي من الناخبين خلال انتخابات التجديد النصفي المقبلة، بينما لا توجد مؤشرات تُذكر على اقتراب البلدين من التوصل إلى تسوية تفاوضية، بعد أكثر من 6 أشهر من القصف الأميركي.
وفي حين يواصل الجيش الأميركي تقديم خيارات لترمب بشأن ضرب أهداف إيرانية لم تُستهدف بعد، لا يزال بعض المسؤولين يتساءلون سراً عما إذا كان لدى البيت الأبيض نهج استراتيجي يدمج هذه الخطط بطريقة يمكن أن تؤدي فعلياً إلى إنهاء الحرب، وهو أمر لا يملك صلاحية اتخاذ قراره سوى الرئيس.
وعلى مدى أشهر، ناقش ترمب ومستشاروه خيارات يمكن أن تشكل نهاية "حاسمة" للحرب، على الأقل من ناحية الرسائل السياسية والإعلامية، في ظل إدراكهم مدى تراجع شعبية الصراع بين الأميركيين.
وبينما وصف بعض المسؤولين في الإدارة الحرب بأنها حُسمت فعلياً، اتسمت تصريحات ترمب الأخيرة بمزيد من التحفظ، إذ تجنب إعلان النصر، وأكد أن الولايات المتحدة لا تزال أمامها مهام لم تنجزها في إيران، وفقاً للشبكة.
وفي الكواليس، أبدى ترمب أيضاً شكوكاً إزاء بعض الحلفاء الخارجيين الذين حثوه على إعادة القوات الأميركية إلى الوطن والمضي قدماً. ويرى ترمب أن اتخاذ مثل هذه الخطوة سيبدو بمثابة هزيمة.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية، عقد مستشارون في البيت الأبيض اجتماعات لمناقشة خيارات مختلفة بشأن إيران. ورغم إعلان ترمب علناً أنه لن يتخذ إجراءات جديدة قبل انتخابات التجديد النصفي، قال عدد من مستشاريه سراً إنهم لا يعرفون ما إذا كان هذا التصريح نهائياً أم أنه قد يتغير قبل يوم الانتخابات.
خطط لضربات جديدة ضد إيران
وأمر ترمب الجيش بإعداد خطط جديدة لضربات ضد أهداف إيرانية، تشمل استهداف "قدر كبير من البنية التحتية للطاقة"، مع احتمال استخدام قنبلة "أم القنابل"، وفقاً لأحد المصادر التي تحدثت إلى شبكة CNN.
وقال المصدر نفسه إن الصياغة المستخدمة للإشارة إلى توقيت الهجوم كانت أنه سيأتي "قبل الانسحاب الأميركي من منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأميركية"، ما يشير إلى احتمال شن الإدارة ضربات جديدة، ثم تحاول إعلان النصر وسحب جميع القوات سريعاً.
وأفاد مصدر ثانٍ CNN بأن الخطط العسكرية لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية، بما فيها موقع "جبل الفأس"، تنص صراحةً أيضاً على استخدام قنبلة "أم القنابل".
وخلال الأشهر الأخيرة، هدد ترمب مراراً بقصف الموقع الذي تعتقد الولايات المتحدة وإسرائيل أن طهران خزّنت فيه مكونات من برنامجها النووي، حتى بعد تعليق العمليات القتالية الشاملة في وقت سابق من العام الحالي. ولا يزال ترمب يؤكد أن هدفه هو ضمان عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً أبداً.
شكوك في فاعلية "أم القنابل"
وأشار مسؤول أميركي آخر إلى أن الجيش، عندما يضع خططه، يُعد قائمة من الخيارات أمام صناع القرار، تتدرج من العمليات الأعلى نطاقاً إلى الأقل. وأضاف أن الأهداف الأكثر تعقيداً، بما فيها تلك الواقعة في أعماق الأرض، تتطلب قنابل أكبر حجماً، وأن "أم القنابل" هي الأكبر بينها.
لكن هناك تساؤلات بشأن مدى فاعلية هذه القنبلة في استهداف المنشآت النووية الإيرانية وغيرها من المواقع الموجودة في أعماق الأرض.
ورغم أن القنبلة الموجهة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) قادرة على تدمير مساحة تعادل 9 مربعات سكنية في مدينة، فإنها على الأرجح لا تستطيع اختراق الأرض إلى عمق كافٍ لتدمير المنشآت النووية المشتبه بها في موقع "جبل الفأس"، الذي يُعتقد أنه محصّن بطبقات من الجرانيت، أو تدمير المنشآت النووية الإيرانية الأخرى التي لا تزال قائمة، وفقاً للمصادر.
وقال مصدر ثالث مطلع على المناقشات المتعلقة بالتخطيط العسكري بشأن إيران لـCNN إن أم القنابل سلاح ضخم يُستخدم لأغراض التأثير المعلوماتي، وهو فعّال في تطهير مساحات شاسعة، لكنه لا يصلح لكثير من الأغراض الأخرى. وأضاف: "ومن المؤكد أنه لم يُصمم ليكون رأساً حربياً قادراً على اختراق التحصينات العميقة".
وأشار المصدر إلى أنه إذا استُخدمت القنبلة، فستكون آثارها مدمرة في المنطقة التي تضربها، لكنها ستقتصر على الأرجح على المستوى السطحي. كما أن نطاق الانفجار الواسع سيثير، بصورة شبه مؤكدة، مخاوف من سقوط ضحايا مدنيين، خصوصاً إذا استُخدمت لاستهداف بنى تحتية إيرانية تقع قرب مناطق مأهولة بالسكان وبالقرب من منشآت غير عسكرية.
"سلاح نفسي"
ومع ذلك، قد يختار ترمب استخدام "أم القنابل" سلاحاً نفسياً، في وقت يبدو فيه النظام الإيراني متمسكاً بمواقفه وغير مستعد للاستجابة لمطالبه الدبلوماسية.
وفي حين يحذر مسؤولون أميركيون من أن استخدام هذا السلاح لن يجبر إيران على الأرجح على الاستسلام، أو يحقق انتصاراً عسكرياً استراتيجياً، فإنه قد يمنح ترمب خياراً إضافياً، دون الحاجة إلى استئناف العمليات القتالية الشاملة، لتغيير الوضع القائم في الصراع.
وأضاف المصدر الثالث: "للأسف، وضع الرئيس نفسه في موقف يكاد يجبره على القيام بشيء ما. وفي غياب الذخائر المصممة لاختراق التحصينات على هذا العمق… لا بد من النظر في التأثيرات النفسية، وهو مجال تتمتع فيه أم القنابل بقدرات كبيرة".
"عرض ألعاب نارية"
ويتفق كثيرون داخل الإدارة الأميركية، إلى جانب محللين من خارجها، على أن إلحاق هزيمة حاسمة بإيران يتطلب تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق تشارك فيها قوات برية، وهو خيار قد يودي بحياة آلاف الجنود الأميركيين.
وتضع وزارة الحرب (البنتاجون) خططاً لمختلف السيناريوهات، ولذلك فإن مثل هذه الخطط موجودة بالفعل، لكن لا أحد في الإدارة يدعو حالياً إلى اتخاذ خطوة جذرية من هذا النوع، بحسب CNN.
وأبدى ترمب اهتماماً محدوداً بإرسال قوات أميركية برية إلى إيران، لكن رغبته في إنهاء الصراع في أسرع وقت ممكن تضعه أمام معضلة سياسية، فهو يدرك تماماً مدى تراجع شعبية الحرب، لكنه لم يتمكن في الوقت ذاته من التوصل إلى اتفاق دبلوماسي يضع حداً لها، وفقاً للشبكة الأميركية.
وأفادت CNN بأن مسؤولين كبار في إدارة ترمب ومخططين عسكريين يركزون منذ أسابيع على إيجاد مخرج من الصراع يتيح لترمب تحقيق انتصار "رمزي" على الأقل، يمكنه تسويقه أمام الأميركيين، من دون إغلاق الباب أمام تحقيق انفراجة دبلوماسية محتملة، تبدأ باتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز.
وقال مصدر رابع مطلع على المناقشات الأخيرة في وزارة الحرب الأميركية (البنتاجون) بشأن إيران لشبكة CNN، إن مسؤولين عسكريين وضعوا خيارات لشن ضربات ذات طابع استعراضي، وصفها بأنها أشبه بـ"عرض للألعاب النارية"، بهدف إتاحة مخرج سياسي لترمب من الصراع، حتى وإن لم تحقق تلك الضربات الأهداف التي أعلنها مبرراً لبدء الحرب.








