
يعاني الجيش الإسرائيلي من زيادة كبيرة في حالات الانتحار واضطراب ما بعد الصدمة بين الجنود بعد الحرب التي استمرت عامين على قطاع غزة الفلسطيني.
وتناولت تقارير حديثة من وزارة الدفاع الإسرائيلية ومقدمي الخدمات الصحية بالتفصيل أزمة الاضطرابات النفسية التي يعاني منها الجنود مع استمرار الحرب في غزة ولبنان وتصاعد التوتر مع إيران.
وقتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 71 ألف فلسطيني في غزة و4 آلاف و400 في جنوب لبنان. وأدت الحرب إلى تدمير معظم قطاع غزة الذي يعاني سكانه البالغ عددهم نحو مليونين من نقص حاد في المأوى والغذاء والرعاية الصحية.
وقال متخصصون فلسطينيون في الصحة النفسية إن سكان غزة يعانون من "بركان" من الصدمات النفسية، وتسعى أعداد كبيرة منهم الآن للعلاج، وإن الأطفال يعانون من أعراض مثل نوبات الفزع الليلية وعدم القدرة على التركيز.
اضطرابات نفسية في جنود إسرائيل
وتظهر دراسات إسرائيلية أن الحرب أثرت على الصحة النفسية للجنود الذين ينفذون أهداف الحرب الإسرائيلية المعلنة، ويعاني أيضاً بعض الجنود الذين تعرضوا للهجوم عندما اجتاحت "حماس" قواعدهم العسكرية في السابع من أكتوبر من اضطرابات نفسية.
وذكرت وزارة الدفاع الإسرائيلية أنها سجلت زيادة بنسبة 40% تقريباً في حالات اضطراب ما بعد الصدمة بين الجنود منذ سبتمبر 2023، وتتوقع أن ترتفع النسبة إلى 180% بحلول عام 2028.
وأضافت الوزارة أن 60% من بين 22 ألفاً و300 من الجنود والعسكريين يتلقون العلاج من إصابات خلال الحرب يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة.
ووسعت الوزارة الرعاية الصحية المقدمة لمن يعانون من مشاكل نفسية وزادت المخصصات المالية لهذا الغرض، وقالت إن هناك زيادة بنحو 50% في استخدام العلاجات البديلة.
وقالت شركة "مكابي"، ثاني أكبر مزود للرعاية الصحية بإسرائيل، في تقريرها السنوي لعام 2025، إن 39% من العسكريين الإسرائيليين الذين يتلقون العلاج لديها طلبوا دعماً نفسياً بينما عبر 26% منهم عن مخاوف تتعلق بالاكتئاب.
واستقبلت عدة منظمات إسرائيلية، مثل "هاجال شيلي" غير الحكومية التي تستخدم ركوب الأمواج أسلوباً علاجياً، مئات الجنود النظاميين والاحتياط الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة.
ويقتني بعض الجنود السابقين أيضاً كلاباً مدربة تدريباً خاصاً للمساعدة في الدعم النفسي والعاطفي.
الضرر المعنوي من قتل أبرياء
قال الطبيب النفسي رونين سيدي، الذي يشرف على أبحاث المحاربين القدامى في مركز "هعيمك" الطبي بشمال إسرائيل، إن الجنود يعانون بشكل عام من مصدرين مختلفين للصدمة.
ويرتبط المصدر الأول "بتجارب خوف شديد" و"الخوف من الموت" في غزة ولبنان أو حتى داخل إسرائيل. فقد عايش العديد من الجنود هجوم "حماس"، الذي اقتادت فيه الحركة أيضاً حوالي 250 رهينة إلى القطاع، وتداعياته بشكل مباشر.
وذكر سيدي أن المصدر الثاني هو الأضرار المعنوية، أو الشعور بالذنب الذي يعاني منه الشخص بسبب شيء ما فعله.
وأضاف: "الكثير من القرارات التي يتخذها الجنود خلال جزء من الثانية تكون قرارات صائبة أثناء القتال، لكن بعضها ليس كذلك، وبالتالي يصاب نساء وأطفال ويقتلون بالخطأ، والعيش بشعور أنك قتلت أبرياء.. شعور صعب جداً لأنك لا تستطيع تصحيح ما قمت به".
وقال بول (28 عاماً)، وهو جندي احتياط وأب لثلاثة أطفال، إنه اضطر إلى ترك وظيفته كمدير مشروع في شركة عالمية لأن "صوت الرصاص" فوق رأسه ظل يلازمه حتى بعد عودته من القتال.
وذكر بول، الذي رفض الكشف عن اسمه بالكامل بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية، أنه شارك بمهام قتالية في غزة ولبنان وسوريا.
صدمات بلا علاج
ويتعين على الجندي الإسرائيلي، الذي يسعى للحصول على دعم حكومي لصحته النفسية، أن يمثل أمام لجنة تقييم تابعة لوزارة الدفاع لتحديد مدى خطورة حالته ومنحه موافقة رسمية. وقال بعض المتخصصين في علاج الصدمات النفسية إن هذه العملية قد تستغرق شهوراً ويمكن أن تثني الجنود عن طلب المساعدة.
وقالت وزارة الدفاع الإسرائيلية إنها تقدم بعض أشكال المساعدة الفورية للجنود بمجرد بدء عملية التقييم، وإنها كثفت هذه الجهود منذ اندلاع الحرب.
وخلصت لجنة في الكنيست الإسرائيلي، في أكتوبر، إلى أن 279 جندياً حاولوا الانتحار في الفترة من يناير 2024 إلى يوليو 2025، وهي زيادة حادة مقارنة بالسنوات السابقة. وجاء في تقرير اللجنة أن الجنود المقاتلين شكلوا 78% من مجمل حالات الانتحار في إسرائيل عام 2024.
وذكر الطبيب النفسي سيدي أن خطر الانتحار أو إيذاء النفس يزيد إذا لم يتم العلاج من الصدمة.
وأضاف: "بعد السابع من أكتوبر والحرب، أصبحت مؤسسات الصحة النفسية في إسرائيل مكتظة تماماً، والكثير من الناس إما لا يستطيعون الحصول على العلاج أو حتى لا يعلمون أن الضيق الذي يشعرون به له علاقة بما مروا به".
ولا تزال احتمالات مشاركة الجنود في القتال عالية. ولا يزال الجيش الإسرائيلي منتشراً في أكثر من نصف قطاع غزة ومستمراً في القتال هناك رغم الهدنة التي دعمتها الولايات المتحدة في أكتوبر وقتل الإسرائيليون خلالها أكثر من 440 فلسطينياً.
ولا يزال الجيش الإسرائيلي يحتل أجزاء من جنوب لبنان، في الوقت الذي يواصل فيه الجيش اللبناني عملية نزع سلاح "حزب الله" بموجب اتفاق منفصل توسطت فيه الولايات المتحدة.
وفي سوريا، احتلت القوات الإسرائيلية جزءاً كبيراً من جنوب البلاد منذ الإطاحة ببشار الأسد.










